هناك إشكاليات من فرط أهميتها، فإنها قابلة حتى لقلبها ولتحويل وجهة إستفهاماتها دون أن يلحق بها ضرر في المعنى أو تفقد شرعية الصورة الاولى التي ورد فيها السؤال الاصلي. فقد أغرتني الاشكالية التي يطرحها مهرجان المبدعات العربيات الذي ينطلق اليوم بمدينة سوسة، والتي تبحث في حوار الحضارات وأثره في إبداعات المرأة العربية، بأن أفكر في الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة العربية اليوم في تفعيل حوار الحضارات وإرسائه. وربما ما جعلني أميل إلى التفكير في هذا الدور هو ثراء الاشكالية المطروحة وأيضا قدرة المبدعات العربيات على الاضطلاع بدور جوهري وأساسي في مجال يشهد الجميع اليوم بأنه يعيش تعثرات حقيقية وفي صميم الابعاد الدينية والثقافية وبالتالي الحضارية بشكل شامل وعام. يكاد لا يخفى على أحد بأن للمرأة العربية والمسلمة نصيب لا بأس به في ظاهرة جهل الاخر لحقيقة الحضارة العربية والاسلامية من ذلك أن الاخر يعتقد أن المرأة العربية تعيش في مرتبة دونية وأنها مهمشة اجتماعيا ودينيا واقتصاديا وسياسيا ولم تتجاوز دور الجارية، الشيء الذي صنع صورة نمطية مغلوطة سواء في المخيال الاجتماعي والثقافي للاخر أو في وسائل إعلامه. ومن هذه الزاوية حكم الاخر على حضارتنا بالتخلف وعلى ديننا بالظلامية وتعاطى معنا كمجتمعات عرجاء مبتورة باعتبار أن المرأة في الفضاء العربي والاسلامي رأس مال خام غير موظف وأنها الدليل الاكبر والدامغ على أننا مجتمعات متأخرة وغير ناضجة، لا تزال رهينة الغرائز التي ترى المرأة وليمة للرغبات والشهوات. ففي خضم هذه الافكار المسبقة والمغلوطة والمكرسة أحيانا من باب الجهل وأحيانا نكاية في الحضارة العربية والاسلامية الضاربة في القدم والفعل، في هذا السياق الذي وصفه الراحل إدوارد سعيد بصدام الجهالات، يمكن للمبدعة العربية أن تدخل على الخط وأن تصحح الافكار النمطية السائدة ضدها وضد مجتمعاتها وحضارتها. ذلك أن الابداع فكرا وأدبا وفنا وعلما، هو أرقى ما يمكن أن تبلغه الانسانية وبالتالي فإن وجود قائمات مطولة من مبدعات عربيات اليوم ممن أثبتن جدارة وتميزا في الفكر والابداع في كافة أنواع المعرفة يمثل جواز سفر بامتياز يمكن مبدعاتنا من الاسهام في حوار الحضارات من خلال التصحيح والحث على مراجعة مدّونة الافكار الخاطئة وأيضا التعبير عن ذاتها وعن مواقفها ورؤيتها، وهو في الحقيقة الدور الذي تقوم به عديد المبدعات من خلال أعمالهن الابداعية والخطاب التقدمي والمستنير الذي يدافعن عنه إبداعا وحضورا. إن المبدعات العربيات واجهة خطيرة وحساسة، وأغلب الظن أن الاغلبية من الذكاء والكفاءة والمعرفة، مما يجعلهن في منتهى الوعي بخطورة اللحظة الحضارية الراهنة والشروط الضرورية من أجل إقامة حوار للمرأة فيه مداخلات جوهرية ومفاتيح.