الملف التلفزي الذي قدمته الوطنية 1 في سهرة الجمعة 18 مارس الجاري كان بالفعل مفاجأة لا من حيث الأسماء التي أثثت فقراته والتي كانت من الحجم الثقيل فقط ولكن ان نرى اليوم الشيخ راشد الغنوشي والسيدان مصطفى بن جعفر وحمة الهمامي وممثلين عن معتصمي القصبة والقبة في نفس الفضاء يتحلقون حول نفس الموضوع ويتحاورون حول مشاغل الشارع التونسي واهتماماته بتلك الشفافية وتلك المواجهة لوضع النقاط على الحروف فهذا ما لم أكن شخصيا انتظره. إذ لأول مرة ومنذ اندلعت الثورة أرى الفرقاء يتصالحون ويعترفون ببعضهم البعض ويأخذون على بعضهم العهود التي ستضمن للشعب التونسي حدا أدنى من الاطمئنان على مستقبل تونس. لأول مرة يسأل حمة الهمامي وبذكاء عن الدعوة لدكتاتورية الطبقة الشغيلة ويجابه الشيخ راشد بالدعوة إلى إقامة دولة الخلافة ويطالب بموقف من تصريح السيد الحبيب اللوز الذي صرح « في ما معناه تقريبا « بان الشيخ يتنازل وتنازلاته لا تمثله إلا ه وبعد التصريحات « المطمئنة « التي تقدم بها الشيخ للتونسيين فور عودته من المهجر ولأول مرة يطلب منه توضيح ما فهمه البعض من تصريحاته للإعلام المرئي والمسموع وما يتداوله مستعملوا الفايس بوك من فيديوهات حول الحلقات التي يديرها الشيخ.
نبض الشارع
ولأول مرة وه وما أثلج الصدر نستمع إلى بوادر مصالحة واتفاق حول من قام بالثورة. لقد كان من الذكاء بمكان استضافة الثائرين فوزي دعاس وه ومن لجنة إعلام معتصمي القصبة ووديع بن هداج من معتصمي القبة فإضافة إلى ما أضافاه إلى الملف من أهمية ومصداقية وثراء على جميع الأصعدة إذ نقلا بصدق وعمق نبض الشارع وما يدور بخلد المواطن التونسي شابا كان ا وكهلا. قال فوزي دعاس بان شباب الثورة لا ينكر جهود الوطنيين وكل من ساهم في الثورة من شيب وشباب وحساسيات وحتى من عذبوا وحبسوا ومن هجروا في الداخل والخارج طيلة سنوات الجمر. أما الحوار الذي دار بين حمة الهمامي والشيخ راشد الغنوشي خلال الملف والذي جاء عبر أسئلة استفزازية لكل منهما فقد كان لا بد منه إذ طلب منها الاجابة مباشرة عن أسئلة حارقة يلهج بها كل من واكب تحالف المعارضة سنة 2007 ضد النظام وضد بن علي بالخصوص حيث تجاوز كل المعارضين خلافاتهم وعدل الشيوعيون مواقفهم وراجع الإسلاميون أنفسهم وتوصلوا إلى ميثاق « طريقنا إلى الديمقراطية « ا وميثاق 18 أكتوبر 2007 للحقوق والحريات واتفقوا فيه على إسقاط نظام بن علي وعلى أشياء أخرى كانت محور الحوار والصراع الخفي الذي دار بين حمة والشيخ راشد والذي كون نقطة قوة الملف حيث كان السؤال: «هل سيلتزم الفرقاء بميثاق هيئة 18 أكتوبر للحريات « وكان أن استشهد كل من الشيخ وحمة بنفس الوثيقة. ووقف المشاهد على مدى جدية انخراط هذا وذاك في المسار الذي تم الاتفاق عليه من قبل سواء بالأجوبة المشروطة أ وبالتهرب من الإجابة والقفز عليها.
حوار اديولوجيات بلغة الشعب
كان حوار اديولوجيات وقف فيه السيد مصطفى بن جعفر على الربوة في اغلب الأحيان ول وانه تم تبسيطه إلى مستوى فهم المواطن العادي وهنا تكمن قوة الملف، حيث تحدث الكل بلغة الشعب ولم ينصب معد الملف الزميل عبد الملك بالرابح وأقول زميل لأنه صحفي بدا العمل في وكالة تونس إفريقيا للأنباء ثم عمل في شريط الأنباء إلى جانب نشاطه في المنظمات اختص بعدها في صنعة الإخراج التلفزي وانتج العديد من حلقات الحوار التي سجلت تحت عنوان « من اجل التنمية «في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات التي كان أوقفها محمد مزالي بعد ان شجعها وأذن بها لان النقد فيها وصل إلى حد لم يعد يستطيع قبوله. ويبد وان عبد الملك بالرابح العائد أخيرا إلى التلفزة التونسية لم يتخل عن أسلوبه في إعداد وتقديم الملفات ه وعدم استعراض العضلات وعدم تقديم الدروس وتعمد إثارة الضيف من اجل تنوير المشاهد ومن اجل ان يكوّن رأيا خاصا به. لقد تعمد إثارة الشيوعي والإسلامي لتنوير الناس والمساهمة في خلق رأي عام وطني ومتفرج فاهم ومؤهل لاختيار ممثليه يوم الانتخابات ومسك بزمام الأمور بقبضة من حديد احترم ضيوفه ولكنه لم يسمح لهم بالتوغل بعيدا عن عناصر الموضوع وقيّدهم بأسئلة دقيقة توالد بعضها عن بعضها الآخر فكان لا بد من الإجابة عنها وبدقة ا والظهور بمظهر المراوغ المتهرب مما شد المتفرج الى نهاية الملف وجعله يخرج بفكرة وه والمطلوب.