راشد الخياري: التحاقي بحزب قلب تونس اشاعة    المشيشي يقدّم واجب العزاء في وفاة أمير الكويت    النقابة الوطنية للصحفيين التونسيّين تندد بخطاب الصحفية بثينة قويعة    مروان العباسي: نسبة التضخم في تونس ستنخفض إلى 3ر5 بالمائة مع موفي سنة 2020    لقاء الزار بالمشيشي ينتهي إلى الاتفاق على الترفيع في نسبة تخزين التمور والزيوت ودعم البذور الممتازة    قفصة: الاطاحة بمروج "السوبيتاكس" المخدرة    يوميات مواطن حر: غد العرب عاد الى امسهم    المهدية: 14 إصابة جديدة بكورونا من بينها حالتي وفاة    هنا مدنين:تسجيل إصابات جديدة بفيروس كورونا والوضع ينذر بالخطر    "و أقبل التراب .." للشاعر الأردني عمر أبو الهيجاء :و هل ثمة أثمن من التراب..    يوميات مواطن حر: خوار الحوار العربي    وزيرة المرأة والأسرة وكبار السن تعطي إشارة انطلاق نشاط مؤسسة رعاية كبار السن بالكاف    قرعة دوري ابطال اوروبا: قمة كبرى بين اليوفي وبرشلونة    القصرين..حالة وفاة خامسة بفيروس ''كورونا''    محافظ البنك المركزي: تونس تعاني على الدوام من عجز في اتخاذ القرار    التمديد في آجال الترشح للمشاركة في مهرجان قرطاج الدولي    عملية "الساق الخشبية" .. يوم اختلط الدم التونسي والفلسطيني    بلدية سوسة تقرّر الغلق الفوري للأماكن التي لا تُطبِّق البروتوكول الصحّي    رئيسة قسم أمراض الرئة بمستشفى عبد الرحمان مامي: السيناريو الإيطالي قد يتكرر في تونس    صابر الطرابلسي مدربا جديدا لنجم الزهور بالقصرين    محمد الحبيب السلامي يكتب: ...ورقات من ذكرياتي في عالم التربية للتاريخ (3) مع الوزير محمد الشرفي    فرنسا تتّهم تركيا بإرسال مرتزقة سوريّين إلى قره باغ    صفاقس: القبض على شخص محكوم ب 54 سنة سجنا    الحشد الشّعبي يصدر توضيحا بشأن الصّواريخ التي استهدفت أربيل    تونس تحذر من خطورة الخيارات العسكرية في ليبيا    من المتوقع أن يستقر النمو الاقتصادي في تونس عند -8 بالمائة في سنة 2020    قائمة لاعبي المنتخب الوطني المدعوين للتربص الاعدادي لمباراتي السودان و نيجيريا    البرلمان يعقد غدا الجمعة جلسة عامة تخصص لإجراء حوار مع الحكومة حول الوضع الصحي والاجتماعي والتربوي    الترجي الرياضي - علاء المرزوقي ينضاف الى قائمة المصابين بفيروس كورونا    صفاقس: إضراب أعوان "السّورتراس" يتسبّب في معاناة كبرى وحالة احتقان في صفوف الأهالي (صور)    الجامعة الوطنية لمربي الدواجن تدعو إلى تنظيم قطاع الدواجن وتحديد سعر الكلفة وهوامش الربح    ميناء حلق الوادي.. احباط محاولة حرقة    ترامب وبايدن يكشفان انطباعاتهما عن أول مناظرة بينهما    جندوبة ..القبض على سارقة مصوغ وساعات فاخرة    المطربة شهرزاد هلال ل«الشروق»..المهرجانات لا تُبرمج سوى مشاهير التلفزة    إمضاء اتفاقية شراكة بين البريد التونسي وMoneyGram العالمية لتحويل الأموال دوليا    التيار الشعبي يدعو لمواجهة اجتياح البضائع الاجنبية لتونس    تحفة جديدة من بي إم دبليو تضاف إلى عالم السيارات المكشوفة    هل يكون مهدي النفطي المدرب القادم للنجم الساحلي ؟    زيدان: هازارد "منزعج" بعد تعرضه لإصابة جديدة    الإفراج عن 6 موقوفين في قضية مقتل الشاب آدم بوليفة    منجي الرحوي: اي مشاريع تصادق عليها لجنة المالية غير دستورية    إنقاذ 15 مهاجرا تونسيا في سواحل صفاقس كانوا في اتجاه السواحل الإيطالي    الكاف.. الاطاحة بشخص من ذوي السّوابق العدليّة في مجال المخدّرات    الدوري الفرنسي: نيمار ينجو من العقوبة    كواليس الحوار الليبي.. تعثر وغموض في مفاوضات المغرب    رئيس قسم الاستعجالي بمستشفى عبد الرحمان مامي يطلق صيحة فزع    بالفيديو..معزوفة إسرائيلية بألحان حسين الجسمي تثير الغضب    تونس: هكذا سيكون الطقس اليوم    كيف تؤثر المخاوف الاقتصادية بسبب كورونا على سوق النفط؟    فرنسا تطالب أوروبا باتخاذ مواقف حازمة تجاه تركيا ومعاقبتها    اشترط وجوب تنسيق الوزراء مع القصبة قبل لقاء رئيس الجمهورية... المشيشي يبدأ معركة استرجاع صلاحياته؟    الروائي حسونة المصباحي ل«الشروق»: هناك مافيا ثقافية ...والسينمائيون لا علاقة لهم بالرواية ولا القصة    عيوننا عليهم..الخزري يرفض عرضا قطريا وحنبعل المجبري في المنتخب الفرنسي    أبو ذاكر الصفايحي يتذكر ويذكر: وقفة مع كتاب (الاجتهاد والتجديد في التشريع الاسلامي) لتلاميذ الباكالوريا اداب    محمد الحبيب السلامي: ورقات من ذكرياتي في عالم التربية للتاريخ (2): الأحاديث الموضوعة    عاجل: وفاة أمير الكويت    وفاة الناشطة السياسية حليمة معالج بكورونا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





جامعة الزيتونة.. بين الخوف والتفاؤل
نشر في الصباح يوم 06 - 07 - 2012

بقلم: الدكتور أحمد بوعزّي* لئن اعترف جميع التونسيين بأن تونس مرّت في تاريخها بفترة من الريادة العلمية في القرون الوسطى فقد استبطن كل واحد منّا هذه الريادة بطريقته.
فهناك من يرى في القرون الوسطى عصر الظلامية والتخلّف وهو رأي المدرسة الفرنسية، وهناك من يرى في تلك الحقبة عصر الإبداع العربي الإسلامي وعصر مساهمة الحضارة الإسلامية في التطوّر المعرفي للبشرية، وقد جاهر الناس بالرأي الثاني بالخصوص بعد انتصار ثورة الحرية والكرامة.
وتندرج إعادة التدريس في جامع الزيتونة في سياق إعادة الاعتبار للتراث الفكري التونسي في إطاره الكوني.ولقد أُسّس جامع الزيتونة في نهاية القرن السابع واكتمل بناؤه سنة 732 وأسست فيه مدرسة سنة 737 وأصبح منذ ذلك التاريخ يمثّل مركزا للدراسة والتعليم ليس لتونس فحسب وإنما لشمال إفريقيا كلها، وقد سبق جامع القرويين في فاس (أسّس سنة 859) وجامع الأزهر (أسّس سنة 970) في القاهرة. ومنذ تأسيسه لم يتوقّف عن الإشعاع بأشكال متفاوتة إلى يوم التاريخ هذا.
ومع دوره كمكان للصلاة والعبادة لعب جامع الزيتونة دور منارة للعلم والتعليم وسارت على دربه الجوامع الكبرى في مختلف أصقاع العالم الإسلامي، ومنذ تأسيسه وتثبيت مكانته كمركز للتدريس اتخذ مفهوم الجامعة الإسلامية، ولم يقتصر الأمر على الدين ومقاصد الشريعة بل تعدّاه إلى العلوم الدنيوية مثل الجبر والهندسة والنحو والبلاغة وغيرها.
وبمرور الزمن اتخذ التدريس في جامع الزيتونة شكلا نظاميا حتى غدا في القرن 14 بمثابة المؤسسة الجامعية التي لها قوانينها ونواميسها وعاداتها وتقاليدها ومناهجها وإجازاتها، وتشدّ إليها الرحال من مختلف أنحاء المغرب العربي وجنوب الصحراء طلبا للعلم أو للاستزادة منه.
وباعتبار الجامع مركز تدريس ودراسة وبحث فقد سبق وجوده كجامعة كل جامعات أوروبا مثل جامعة بولونيا (أسّست سنة 1088) وجامعة كمبريدج (أسّست سنة 1209) وجامعة الصوربون (أسّست سنة 1257)، واشتملت مكتبة الجامعة الزيتونية في قمة مجدها على أكثر من مائتي ألف مجلد إلا أنها عرفت نكسة كبرى عندما دخل الجيش الإسباني المسجد في صائفة 1573 واستولى على مخطوطاته، ونقل عددا منها إلى إسبانيا وإلى مكتبة البابا.
وفي رحابها تأسست أول مدرسة فكرية بإفريقية أشاعت روحا علميّة صارمة ومنهجا حديثا في تتبع المسائل نقدا وتمحيصا متأثرة بالسابقين من علماء القيروان وبغداد. فقد تخرّج منها مخترع العلوم الإنسانية العالم الفذّ عبد الرحمان بن خلدون الذي أسّس علم التاريخ وعلم الاجتماع وكان أول من أدمج «موسوعة» كاملة لمعلومات زمانه في مقدّمته وأوّل من كتب سيرته الذاتية في حياته، كما تخرّج منها الفقيه المفسّر والمحدّث محمد بن عرفة صاحب المصنّفات العديدة.
ولم تكتف جامعة الزيتونة بلعب دور المنارة التي تشع بنورها على العالم بعلمها الصحيح ومعارفها القيّمة، بل كانت إلى جانب ذلك قاعدة التحرر والتحرير من خلال تخرج دفعات من الزعامات الوطنية التي سعت إلى ترسيخ الوعي بالهوية العربية الإسلامية للبلاد خاصة إبان سنوات الاستعمار. فقد تخرّج منها الطاهر بن عاشور صاحب «تفسير التحرير والتنوير»، ومحمد الخضر حسين شيخ جامع الأزهر، ومنصور أبو زبيدة الفيتوري أحد أهم علماء ليبيا، والمصلح الزعيم عبد العزيز الثعالبي صاحب كتاب «تونس الشهيدة»، وأبو القاسم الشابي صاحب ديوان «أغاني الحياة»، والطاهر الحداد مؤلف كتاب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» الذي أثار ضجة اجتماعية بدعوته لتحرير المرأة، والهواري بومدين ثاني رئيس للجمهورية الجزائرية المستقلة، وغيرهم.
وساهم جامع الزيتونة خلال فترة الاستعمار الفرنسي في المحافظة على الثقافة العربية الإسلامية لتونس والجزائر، وقاوم بصلابة محاولات القضاء على اللغة العربية في تلك الفترة الحرجة من تاريخ البلاد بفضل نشر فروع زيتونية للتعليم داخل التراب التونسي تباشر التعليم ونشر المعرفة في وقت كان الاستعمار الفرنسي يحاول دفع التونسيين إلى التخلي عن لغتهم وهويتهم ليتمكنوا من مزاولة تعليمهم في المدارس الفرنسية؛ ومن كان يحصل منهم على الشهادة الابتدائية يفلت من الخدمة العسكرية في الجيش الفرنسي الذي كان دائم الحروب الدموية.
ومع حصول تونس على الاستقلال رأى بورقيبة في جامعة الزيتونة بؤرة لمعارضيه السياسيين فقزّم دورها ومنعها من لعب أي دور أكاديمي وخيّر أن يقضي على تراث أكاديمي وطني ذي قيمة تاريخية معنوية حافزة على أن يؤثّر هذا التراث على برنامجه السياسي وعلى الاتفاقيات التي التزم بها مع فرنسا، فبعث كلية مستقلة للشريعة وأصول الدين وألحق المدرسة العليا للحقوق بكلية الحقوق بتونس وألغى التعليم الثانوي الزيتوني وألحق فروعه بمنظومة وزارة التربية وأمّم الأوقاف التابعة للجامع، وبعث معاهد ثانوية وكليات جامعية تقلّد المنظومة الفرنسية وتقطع نهائيا حاضرنا بماضينا.
أما الرئيس زين العابدين بن علي فقد بعث «جامعة الزيتونة» ضمن جامعات التعليم العالي ولكنه جعل دورها يقتصر على ما له علاقة بالدين محاولا بذلك استمالة الإسلاميين دون جدوى، وتواصل مع حكمه قطع حاضر تونس بماضيها.
وكان على تونس المستقلة أن تستجيب لمطالب أبناء الزيتونة بتعصير تعليمها وإدخال المواد الجديدة لتدريسها ضمن برامجها وربط الحاضر بالماضي حتى نبعث روحا خلاقة لدى طلبتنا وشبابنا ونرفع من معنوياتهم وندخل طرق البحث العلمي الحديثة في دراسة العلوم الشرعية والصحيحة وندرّب الطلبة على ذلك ليجدّدوا تأويل الدين الإسلامي في اتجاه إيجابي يتماشى مع العصر كما فعل أجدادنا المحدثون.
واليوم سمحت الثورة لأثرياء تونسيين بمحاولة بعث الروح من جديد في جامعة الزيتونة، ورغم ارتباك مسيرة إحياء الموروث فإن ذلك يمكن أن يكون إيجابيا لو يتمكّن ذوو الكفاءة من أهل الاختصاص من التأثير في البرامج وإدماج تدريس التكنولوجيا الحديثة ضمن موادّ الجامعة العريقةالفتية باستعمال وسائل وطرق التعليم العصرية مقلدين في ذلك آخر ما وصلت إليه الجامعات المرتّبة الأولى في العالم، شرط أن يقع هذا الإحياء تحت إشراف وزارة التعليم العالي مع تمكين الزيتونة من الحرية الأكاديمية مثل بقية الجامعات الموجودة في البلاد.
وتجدر الإشارة إلى أنّ من بين النتائج المنتظرة من بعث جامعة الزيتونة من جديد لتدرّس العلوم الصحيحة باللغة العربية بروز منافسة بين الجامعات في تونس تؤدي حتما إلى ارتفاع مستوى الدراسة ومستوى البحث العلمي سواء في جامعة الزيتونة نفسها التي تستمدّ قوّتها المعنوية من تاريخها المجيد أو في الجامعات التونسية الأخرى التي أصبح لها هي الأخرى تراث علمي لا يستهان به ... وربما ينتج عن هذا التسابق في الإبداع دخول إحدى جامعاتنا ضمن الخمسمائة جامعة المرتبة الأولى عالميا.
وقد نشر عديد المثقفين التونسيين في المدّة الأخيرة مقالات معبّرين عن خوفهم مما سينتج عن استرجاع جامعة الزيتونة لنشاطها ويرون في ذلك رجوعا «للقرون الوسطى»، وهو خوف غير مبرّر رغم الخطإ الذي ارتكبه الشيخ حسن العبيدي المشرف على جامع الزيتونة بإدراج السياسة في الموضوع مقدّسا بصورة مبالغ فيها الزعيم السياسي السيد راشد الغنوشي والذي حاول تبريره فيما بعد، دون إقناع، بجهل الصحافيين للّغة العربية. وأن خطأ استعمال»استعادة التدريس في الزيتونة للدعاية السياسية»خطأ يؤسس لاندثارها كمركز علمي.
إن الخوف المبرّر يأتي من إبقاء جامعة الزيتونة متخصصة في الدين وحده كما أراد لها الرئيس المخلوع، لأن تجربتنا في ذلك وفي المنظومة التربوية التونسية الحالية تثبت لنا أن السلفية لم تأت من إعادة جامعة الزيتونة إلى سالف نشاطها وإنما جاءت في سياق تحولات عالمية وكردّة فعل على محاولات طمس الثقافة الوطنية التي تنتهجها عدّة أطراف خدمة لمصالح أجنبية تسوّق لعدم المساواة بين الحضارات ونتيجة ما آلت إليه منظومة التعليم التونسية من تدنّ لطرق التعليم ومن سيطرة الدروس الخصوصية على طرق تحرير مواضيع الامتحانات.
جامعة الزيتونة ملك مشترك لكل التونسيين يجب أن يفتخروا بها ولا يخافوها مهما jكانت درجة تديّنهم بل ومهما كان دينهم، وإحياؤها مطلب شعبي، لكن الخوف الحقيقي يأتي من إمكانية انحصارها ضمن نمط قديم لا يعترف بما حدث من تطوّر للمعرفة في العقود الخمسة الماضية، إذ يظهر أن بعض المشرفين على المشروع يريدون أن لا يقع تدريس ما لا يسيطرون عليه ليقع اقتصاره على تنظيم دروس دينية في الجامع تضاف إليها لمسة فلكلورية مثل الجلوس على «القياس» وتخصيص كل عمود في المسجد لأستاذ، ويظهرون خوفا مصطنعا لا مبرّر له من اندثار الإسلام من الديار التونسية. أتمنى أن يتفادوا هذا الخطأ القاتل ويهيئوا لإنجاح المشروع بتكوين مجلس علمي يشمل زيادة على رجال الدين جامعيين آخرين ممن أثبتوا كفاءتهم عالميا في ميادين البحث العلمي ويؤمنون برسالة جامعة الزيتونة في نشر المعرفة وتطويرها مهما تكن انتماءاتهم السياسية ليساهموا في هذا البرنامج ويرجعوا جامعتنا إلى سالف مجدها ممّا سيمكّنها من جلب الطلبة النوابغ من البلاد العربية والإسلامية، كما تفعل الجامعات الكبرى في العالم، ليرفعوا من مستوى التعليم العالي التونسي.
أستاذ بالمدرسة الوطنية للمهندسين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.