- قال مصطفى صادق الرافعي في كتابه وحي القلم عن الانسانية العليا: « من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم انه كان متواصل الاحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السكت، لا يتكلم في غير حاجة، ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وان دقت لا يذم منها شيئا، ولا تغضبه الدنيا لا ما كان لها، فاذا تعدي الحق لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، وكان خافض الطرف، نظره الا الارض اطول من نظره الى السماء، من رآه بديهية هابه ومن خالطه معرفة احبه، ولا يحسب جليسه ان احدا اكرم عليه منه، ولا يطوي على احد من الناس بشره، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم ابا، وصاروا عنده في الحق سواء، يحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه، معتدل الامر غير مختلف، وكان اشد الناس حياء، لا يثبت بصره في وجه احد، له نور يعلوه كأن الشمس تجري في وجهه، لا يؤيس راجيه، ولا يخيب عافيه، ومن سأله حاجة لم يرده الا بها او بميسور من القول اجود الناس بالخير. صلى الله وسلم على صاحب هذه الصفات التي لا يجد الكمال الانساني مذهبا عنها ولا عن شيء منها ولا يجد النقص البشري مساغا اليها، ولا الى شيء منها، ففيها المعنى التام للانسانية، كما ان فيها المعنى التام للحق، ومن اجتماع هذين يكون فيها المعنى التام للايمان. هي صفات انسانها العظيم، وقد اجتمعت له لتأخذ عنه الحياة انسانيتها العالية فهي بذلك من برهانات نبوته ورسالته. ولو جمعت كل اوصافه صلى الله عليه وسلم ونظمتها بعضها الى بعض، واعبترتها باسرارها العلمية لرأيت منها كونا معنويا دقيقا قائما بهذا الانسان الاعظم، كما يقوم هذا الكون الكبير بسننه واصول الحكمة فيه، ولايقنت ان هذا النبي الكريم، ان هو الا معجم نفسي حي الفته الحكمة الالهية بعلم من علمها، وقوة من قوتها لتتخرج به الامة التي تبدع العالم ابداعا جديدا، وتنشئه النشأة المحفوظة له في اطوار كماله.."