اكثر من 700 الف امراة تونسية مهاجرة    والي صفاقس يُشرف على إنطلاق أول باخرة ترفيهية للتنشيط السياحي (فيديو)    برشلونة يقيد 4 لاعبين جدد في "الليغا" ويواجه معضلة تسجيل لاعب خامس    فرانس فوتبول تعلن قائمة المرشحين للفوز بالكرة الذهبية    الفحص: حادث مرور بين 3 سيارات خفيفة    المهدية: إيقاف مفتش عنه محكوم ب11 سنة سجنا    من على ركح مهرجان قرقنة..العبدلي يعتذر من الأمنيين    منير البركاتي (فرايبورغ سويسرا): أرجو الإستقرار والازدهار لبلدي تونس    منطقة الخضراء بسبيطلة: بلا وسائل ترفيه... وبلا ملعب... وأجيال مهددة بالضياع!    صمد لفترة طويلة في منصبه...هذه خفايا «عزل» قيراط من لجنة التعيينات    أخبار نادي حمام الأنف: الانتخابات يوم 26 أوت    كرة القدم المصغّرة : فريق روّاد يصنع الفرحة رغم ضعف الامكانات    الكرم ، التاريخ والحضارة..شاطئ عامر ومدينة ساهرة    مسلسل العرب والصهيونية (الحلقة 42): الحقائق التاريخية من المكتشفات الأثريّة    كيف سيكون طقس اليوم ؟    طقس السبت: إرتفاع في درجات الحرارة مع ظهور الشهيلي    قصة نهج...نهج لينين    «سلم علي وغاب»...أغنية عبدت طريق المجد الفني لمصطفى الشرفي    مدن وعواصم من العالم..أمستردام مدينة التناقضات    أصداء المهرجانات    خلال جائحة كورونا : اختراعات عديدة... لمعاضدة مجهودات الدولة    السعودية تعلن اتخاذ اجراءات جديدة خاصة بالعمرة    المهدية: ضبط 31 مجتازا من جنسيات إفريقية بصدد صنع مركب بحري من الخشب    روزنامة العطل في السنة الجامعية القادمة    انتقام سياسي وخدعة.. ترامب ينفي وجود وثائق نووية في منزله    فنيو الملاحة الجوية يقررون الإضراب تزامنا مع وصول الوفود المشاركة بقمة تيكاد 8    جمعية النساء الديمقراطيات تطالب بالإفراج الفوري عن رئيسة بلدية طبرقة    نور الدين الطبوبي يعلق على اجتماع القصبة: هو ليس عقدا اجتماعيا جديدا    هواوي تطلق أحدث هاتف ذكي مع أطول عمر للبطارية - HUAWEI nova Y70 في تونس    جرجيس : تراجع إنتاج إسفنج البحر من 9 أطنان سنة 2019 الى 300 كلغ سنة 2021    "بوليتيكو": تحريات مكتب التحقيقات الفيدرالي قد ترمي ترامب خلف القضبان    تونس الفنّ ... تونس الحلم …عبد الكريم قطاطة    التلاعب بالزيت المدعم    العمل الحكومي وسير عدد من المرافق العمومية محورا لقاء رئيس الدولة برئيسة الحكومة    توننداكس يحقق سادس ارتفاع اسبوعي له على التوالي وسط تداولات قاربت 5ر10 مليون دينار    منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية يستنكر استمرار تهميش نقل العاملات الفلاحيات بعد وفاة عاملة فلاحية في حادث بسيدي بوزيد    التعاون في مجالات النقل محور لقاء المجيدي بسفير ايطاليا بتونس    مهرجان قرمدة :سهرة "شيئان في بلدي "عندما تضيف الأغنية للوطن جمالا    تفجير بحزام ناسف في السعوديّة    عاجل: تبادل اطلاق نار بين ارهابيّين وقوات من الجش الوطني التونسي    تونس.. العثور على جثة أستاذ جامعي ملقاة على الطريق في مرناق والأمن يحقّق    لطيفة العرفاوي: نجاح ألبومي الأخير كان مفاجأة من العيار الثقيل    من هي صاحبة الصورة على الطابع البريدي لعاملات الفلاحة ؟    الكاف : الاشتباه في إصابات بمرض اللسان الأزرق لدى قطيع أبقار    ''علاج جديد يحقق نتائج واعدة أمام السرطان ''قاتل الرجال    فيروس حيواني جديد في الصين.... ما هي أعراضه وخطورته؟    مهرجان قرطاج الدولي 2022: الفنان زياد غرسة يقدم أغنيتين جديدتين    اسألوني ..يجيب عنها الأستاذ الشيخ: أحمد الغربي    هلال الشابّة يعلّق على قرارات الجامعة    البريد التونسي يصدر سلسلة من 22 طابع بريدي تمّ تخصيصها ل " نساء تونسيات"    رسميا.. تغيير موعد انطلاق مونديال قطر    تعادل النادي الافريقي و شباب بلوزداد الجزائري وديا 1-1    منبر الجمعة    خطبة الجمعة: حسن معاشرة النساء    أكثر من 100 ألف بريطاني ينضمون لحملة رفض دفع فواتير الغاز والكهرباء    أنيس السحباني: مخترع روبوتات بحسب الحاجات !    الليلة: 'القمر العملاق' الأخير لسنة 2022    اليوم رصد القمر العملاق الأخير لهذا العام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عجزوا عن الصمود أمام "طموحات" وأطماع "الأبناء".. جيل من المناضلين يوشك أن "يختفي" و"ديناصورات" السياسة.. نحو "الانقراض" !
نشر في الصباح نيوز يوم 21 - 09 - 2018


- محمّد المنصف المرزوقي: وحده ضد الكل.. كالعادة !
- مصطفى بن جعفر: ناضل ك«زعيم» وغادر ك«مهزوم»
- حمه الهمامي: «ولد الشعب» الذي خذل شعبه
- نجيب الشابي: رجل القرارات الخاطئة في أوقات لا تحتمل الخطأ
الساحة السياسية في تونس «تغيّر جلدها» وتتجه نحو تجديد نفسها بقيادات سياسية شابّة.. قد يكون ذلك هو المسار الطبيعي لكل الأحزاب في كل البلدان وفي كل الديمقراطيات وحتى الدكتاتوريات، فالسياسة عالم متحرّك لا يعترف بالثوابت وبالمسلّمات ولا يستمّر فيه لفترات طويلة إلا الأقوياء والقادرون على اقتناص اللحظات التاريخية والتكيّف معها وفق المستجدّات وحالة التطوّر التي تفرضها المجتمعات بدورها متحرّكة ديموغرافيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا.. ولكن رغم ذلك فهناك خصوصية في التجربة السياسية التونسية، فالثورة التي قادها الشباب بطموحات وأحلام «منفلتة» وافتقدت لقيادة سياسية استفاد منها أو جنى ثمارها أساسا الشيوخ والكهول ولذلك تأخّرت مرحلة التغيير وتسليم المشعل بين الأجيال السياسية المختلفة.
كما أن مكابرة الزعامات التاريخية وتمسّكها بالقيادة بتعلّة الشرعية النضالية والخبرة السياسية أجّلت التغيير، ولم يفرض هذا التاريخ كأمر واقع الاّ عندما منيت أغلب الاحزاب التي كرّست «الزعاماتية» بهزائم سياسية بعضها هزائم مذلّة نسفت التاريخ النضالي لبعض الأحزاب ونسفت في أحيان أخرى أحزابا برمّتها من المشهد السياسي لتذهب الى النسيان. ولم تنصف الثورة قيادات تاريخية لأحزاب ناضلت لعقود ضدّ الاستبداد والدكتاتورية ولكن هذه الثورة منحت «حق العودة» الى المشهد لشخصيات غابت لسنوات امّا خوفا من بطش الدكتاتور أو لأنها لم تجد لها مكانا في حاشية بن علي، وإذ بالثورة وفي لحظة «سريالية» تعيد نفض الغبار من حولها لتعود بقوّة «غير متوقّعة» الى المشهد وتصنع أحداثا مؤثّرة في تاريخ البلاد بعد الثورة وعلى رأس هذه الشخصيات نجد الباجي قائد السبسي.
ولئن شملت لحظة التغيير المحكومة بطموحات الأبناء والقيادات الشابة وأحيانا بأطماع «المقربين» أغلب الأحزاب الكبرى والعريقة في البلاد إلا أن هناك أحزابا ما زالت تحتمي ب»خيال» زعيمها وتخشى التمرّد عليه أو الخروج من جلبابه خشية عواقب غير متوقّعة وعلى رأس هذه الأحزاب تأتي حركة النهضة التي تتمسّك بزعيمها التاريخي راشد الغنوشي رغم بعض الأخطاء وبعض القرارات غير المنسجمة حتى مع التوجهات الداخلية للحركة.
ولكن لحظات التغيير كانت «مؤلمة» لبعض الزعامات ومنهم محمّد المنصف المرزوقي الذي انفضّ من حوله ما بقي من قيادات في حزبه من حوله بطريقة «مباغتة» ليتركوه وحيدا في منتصف مسيرة سياسية توشك أن تنته «اضطراريا».
محمّد المنصف المرزوقي: وحده ضد الكل.. كالعادة !
قبل الثورة حلُم، المنصف المرزوقي بوطن «ليس فيه كاتب عام لجنة تنسيق ويوم ابتزاز وطني ولافتات تقول بيتزاريا العهد الجديد يعبّر فيها عن ولاء أزلي لصانع التغيير»، كما قال ذلك في حديث صحفي، وفعلا تحقق جزء هام من أحلام المنصف المرزوقي، الطبيب ورئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان ومؤسس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية والمعارض لحكم بن علي الذي منحته الثورة «حق العودة».. عاد إلى ذلك الوطن الذي قال عنه يوما زمن الدكتاتورية انّه «لا يصلح ولا يُصلح» على حدّ تعبيره.. عاد ليحكم الشعب زمن الحرّية من موقع منصب رئيس الجمهورية في إطار توافق «الترويكا».. ولكن عندما غادر الحكم بعد انتخابات 2014 لم يتوان على وصف الشعب الذي حكمه بأنه «شعب كذّاب، منافق !».
لكن المرزوقي الذي طرح نفسه كمناضل ومنحاز للحقوق السياسية والاجتماعية وللحريّات الفردية والمساواة وأسس لشخصية سياسية صدامية وشخصية انتخابية ترتكز على مقولة «أنا ضحّية.. أنا ضدّ العالم.. أنا وحدي ضدّ الكل» ظلّ طريقه عندما حكم وتنكّر حتى للمبادئ التي طالما آمن بها وراكم أخطاء تاريخية علقت بالذاكرة الوطنية، فالرئيس الحقوقي صمت على تسليم البغدادي المحمودي ووصف المعارضة الديمقراطية ب»العلمانيين المتطرّفين» الذين وعدهم بنصب «المقاصل والمشانق» واعتبر الإسلاميين «جراثيم» يجب اقتلاعها .
ومن تلك الأخطاء الفادحة التي ارتكبها وهو في السلطة قطع العلاقات الديبلوماسية مع سوريا، بالإضافة الى مهاجمة دول شقيقة وتوتير العلاقات مع الجزائر عندما تدخّل في قضية الصحراء الكبرى وكذلك المغرب عندما انتقد الملكية الدستورية ومصر عندما طالب بإطلاق سراح محمّد مرسي.
وبعد سنوات في السلطة، لم ينجز المنصف المرزوقي شيئا وبقي مجرّد رئيس دون صلاحيات رغم محاولاته المتكرّرة التمرّد على «الدستور الصغير» الذي قبل به في البداية، غادر المرزوقي السلطة التي افتتن بها، غادر وقد فقد كل أصدقاء النضال بالأمس، ليفقد بعد ذلك حزبه، المؤتمر من أجل الجمهورية الذي انشق إلى «حزيبات» دون تأثير باستثناء حزب التيار الديمقراطي، واليوم ينفضّ الجميع من حوله ويفقد المنصف المرزوقي آخر ما تبقّى من أصدقائه ورجاله المقربين.. ليترك مستقبله السياسي خلفه.. حتى لو رفض الاعتراف بذلك !
مصطفى بن جعفر: ناضل ك«زعيم» وغادر ك«مهزوم»
بعد سنوات من النضال ومن الحكم فشل الطبيب مصطفى بن جعفر في إيجاد الوصفة الطبية المناسبة التي تنقذ الحزب الذي أسّسه التكتّل من أجل العمل والحرّيات من هزيمة مدّوية في انتخابات 2014.
ليجد رئيس المجلس الوطني التأسيسي السابق مصطفى بن جعفر نفسه يواجه وحده نتيجة هذا الإخفاق السياسي ويحاسب على سنوات حكمه في إطار ائتلاف «الترويكا» غير المتكافئة والذي استطاعت من خلاله حركة النهضة أن تسحق حليفيها سياسيا وانتخابيا، ليدفعا من شعبيتهما وجماهيريتهما ثمن تقاربهما مع حركة النهضة.. وفي كل ذلك غادر مصطفى بن جعفر المشهد السياسي وهو يحمل في نفسه الكثير من المرارة والحزن على سلطة أرادها ولكنها أبدا لم تنصفه وشوّهت مشوارا طويلا من السياسة يرجع إلى نهايه خمسينات القرن الماضي حين انضم إلى الحزب الحرّ الدستوري الجديد قبل ان يخرج عنه في أواخر السبعينات مع المجموعة التي أسست بعد ذلك عام 1978 حركة الديمقراطيين الاشتراكيين والتي كان احد مؤسسيها وغادرها نتيجة خلافات داخلية ليؤسس سنة 1994 التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات.
التكتل الذي عارض بن علي وانحاز دائما لضحايا الاستبداد السياسي أوصل بعد ذلك زعيمه بن جعفر الى السلطة ولكن هذه السلطة كانت سببا في اهتراء الحزب وتفكّك بعد ربع قرن من وجوده ورغم قيامه بمؤتمر السنة الفارطة ورغم القيادة الجديد ولكن البناء بعد الفشل يتطّلب مجهودات خارقة للعودة.
ورغم سنوات السلطة الصعبة ورغم فشله في تحريك بوصلة حزبه في الاتجاه الصحيح إلا أن التاريخ سيذكر بن جعفر بأهم مواقفه عندما كانت له الجرأة ليعلّق أشغال المجلس التأسيسي في مرحلة كانت البلاد على صفيح من نار ومفتوحة على أكثر السيناريوهات المأساوية.. لكن خروج بن جعفر من المشهد السياسي بتلك الطريقة «المهزومة» بعد فشل 2014 لا تليق بالدكتور الذي أمضى سنوات وهو يحارب من أجل الحرّية.
حمه الهمامي: «ولد الشعب» الذي خذل شعبه
عندما غادر حمّه الهمامي اخر المعتقلين السياسيين زمن بن علي ذلك الصباح مقرّ وزارة الداخلية ذات 14 جانفي 2011 والثورة ما تزال في حالة مخاض، لم يدر بخلده أنه في ذلك المساء ستحسم الجماهير المنتفضة في مصير زين العابدين بن علي، غريمه السياسي الأوّل والدكتاتور الذي عارضه منذ الساعات الأولى لحكمه عندما رفض على خلاف عدد من الأحزاب السياسية، الناطق الرسمي باسم حزب العمّال التوقيع على «الميثاق الوطني» في بدايات حكم بن علي.
ولكن الثورة «غير المتوقّعة» عندما تحوّلت من مجرّد حلم ثوري حبيسة أقبية نظام مستبدّ إلى واقع، باغتت زعيم حزب العمّال الشيوعي الحزب اليساري المناضل وسليل أجيال من اليساريين ناضلوا وغادروا هذا العالم وهم يحلمون بتحرّر التونسيين من قبضة الطغاة ولكن حمّه الهمامي لوحده هو من أدرك هذه اللحظة.. لحظة انتشى بها كماضل ولكن لم يستوعبها كحزب وكتنظيم سياسي وعجز عن بلوغ كرسي الحكم في 2011 رغم أّنه كان أحق القوى السياسية بذلك بالنظر لنضالاته التاريخية ولكن تشتّت القوى اليسارية وغياب قيادة قادرة على تجميع القوى المشتتة كان أحد أسباب الخيبة الانتخابية والحضور الضعيف في مجلس نواب الشعب بعد أن نجح الخصوم في تشويه حزب العمّال الشيوعي حيث استغل صفة الشيوعية ليشكّكوا في عقيدة مناضليه في مرحلة انفلات «العقائد» تلك بعد الثورة.
مستفيدا من «هزيمة 2011» حلم مع رفيقه وزعيم «الوطد» الشهيد شكري بلعيد بتأسيس ذلك الحزب الجماهيري الثوري الكبير الذي يضمّ كل حساسيات وأطياف اليسار.. وتحقق الحلم بعد اغتيال الشهيد وكان تحالف الجبهة الشعبية، التحالف الذي نافس بجدية «الماكينات الكبرى» في انتخابات 2014 بشعار مركزي ومن خلال الزعيم التاريخي لليسار التونسي.. «حمه ولد الشعب».
حمّه الذي عاش أغلب نصف حياته قبل الثورة امّا مطاردا من البوليس السياسي أو في السرّية كان رقما صعبا في انتخابات 2014 وحصد المرتبة الثالثة، خلف الرئيسين الحالي والسابق، الباجي قائد السبسي ومنصف المرزوقي..
لكن بعد انتخابات 2014 والالتفاف الجماهيري حول التحالف اليساري الجبهة الشعبية وناطقها الرسمي حمّه الهمامي والاستفادة من التعاطف الجماهيري بعد عملية قيادات تاريخية من روافد يسارية هامّة، انحسر إشعاع الجبهة التي تحوّلت إلى حركة احتجاجية عجزت في أكثر من مناسبة عن تقديم بدائل واقعية، بالإضافة الى اتهام التحالف بغياب الديمقراطية داخله وداخل الأحزاب المشكّلة له ومنها حزب العمّال الذي يتهم الهمّامي بأنه يمسك بمقاليد القرار داخله منذ الثمانينات بطريقة تناقض القيم التي يدعو لها الحزب .
واليوم تعيش الجبهة أزمة داخلية طاحنة تهدّد بتفجيرها من الداخل والقضاء على وحدتها ويواجه حمّه الهمامي اتهامات من رفاقه ب»عجزه» عن قيادة يسار يتخبّط في سنوات متاهة.
نجيب الشابي: رجل القرارات الخاطئة في أوقات لا تحتمل الخطأ
يحلو للخصوم كما الأصدقاء وصف نجيب الشابي ب«ديناصور السياسية» الذي يرفض الانقراض والابتعاد عن واجهة الأحداث، فالرجل لا يمكن أن يعيش يوما دون سياسية، بقدرته المذهلة على التعايش مع مختلف الأزمات وكل الاخفاقات.. محافظا على هدوئه وعلى ابتسامة خفيفة لا تفارق شفتيه يستطيع أحمد نجيب الشابي أن يستوعب كل المواقف ويقنع خصومه قبل أنصاره ..
قبل الثورة كان الشابي رقما صعبا في المعادلة السياسية رغم المحاصرة الأمنية والسياسية ورغم أنه فشل بعد الثورة في أن يكون ذات الرقم الصعب ولكن مع ذلك فان احمد نجيب الشابي موجود دائما في سياق الأحداث.. موجود ليبدي رأيه في كل المواقف.. رأي يحترمه الجميع ويصغي اليه بانتباه لأن «شيخ النضال والسياسة» في تونس نجح في في كسب احترام الجميع.. فهو ليس شخصية صدامية رغم صرامة مواقفه وهو كذلك ليس شخصية سليطة اللسان لكن حديثه بصوت منخفض يجبر من يسمعه على أن يصغي إليه باهتمام.
لكن ديناصور السياسية درس الطب بفرنسا، ثم حوّل وجهته إلى الحقوق ونال شهادة في المحاماة، تم خداعه في أكثر من مرة خلال مسيرته النضالية، وكان في كل مرّة يتخذّ قرارات خاطئة في أوقات لا تحتمل الخطأ فقد خُدع كغيره «بمبادئ» السابع من نوفمبر والميثاق الوطني ومنح بذلك شرعية لدكتاتورية بن علي اللاحقة والتي كان أحد ضحاياها.
ورغم أن حزبه الحزب الديمقراطي التقدّمي كان من أبرز القوى السياسية التي شاركت في الحراك الثوري الاّ أن أحمد نجيب الشابي أخطأ مرّة أخرى وشارك بعد سقوط نظام بن علي في حكومة محمّد الغنوشي، مشاركة اعتبرها الثوّار وقتها «خيانة» لتردفها «خيانة» ثانية عندما تصدّى لقانون عزل التجمعيين سياسيا، قرارات كان الثوّار وقتها ينظر إليها كنوع «من الخيانة» الثورية وهذه القرارات اضطر أحمد نجيب الشابي ليدفع ثمنها باهظا في 2011 بعد هزيمة مدوّية في الانتخابات بسبب أخطاء قاتلة في حملة الحزب الانتخابية .
ورغم محاولات التدارك التي بلغت تغيير اسم الحزب الى الحزب الجمهوري في انتخابات 2014 إلا أن ذلك الحزب المناضل والذي احتمت به طوال تاريخه كل القوى السياسية المعارضة وأوّلهم الإسلاميين أصبح «غريبا» على الجماهير ومني بهزيمة ثانية أقسى وأمرّ.. بعدها انهار الحزب «معنويا» وبلغ الأمر بنجيب الشابي إعلانه عن مغادرة الجمهوري ورغبته في تأسيس حزب جديد في تمسّك غريب بالسياسة وبممارستها حدّ أخر رمق.. فأحمد نجيب الشابي يرفض التقاعد حتى ولو كان «وجوبيا» !
الباجي قائد السبسي: هل يعيد التاريخ ذات المهزلة معه !
بعد سنوات من النسيان ومن بعيد.. عاد الباجي قائد السبسي في مرحلة فارقة من تاريخ تونس.. ففي قمّة انتشاء الشباب بالانتصار الثوري المتحقّق بسقوط زين العابدين بن علي.. عاد السياسي المخضرم ليقود أولى مراحل الانتقال الديمقراطي وأصعبها.
عاد الباجي قائد السبسي ليحتكر واجهة الأحداث، عاد من زمن بورقيبة وبعباءة «البورقيبية» ليحتل صدارة الحياة السياسية زمن الانتقال الديمقراطي ، الرجل الذي اختار الاختفاء الطوعي من المشهد السياسي زمن بن علي، عاد ليحقق أحلام الشباب وهو في أواخر سنواته الثمانين ،السياسي الداهية الذي تعلّم «الرقص مع الذئاب» من خلال بطانة بورقيبة الحاكمة ما كان ليحلم يوما بهذه النهاية المثيرة في مسيرة سياسية بدأها منذ ما قبل الاستقلال.
عاد الباجي قائد السبسي ليكون شخصية سياسية فاعلة ومؤثرة في سير الأحداث بعد الثورة يجرّ ماض مثير للجدل واستطاع كسب أبرز معاركه السياسية ،معركة انتخابات 2014 والظفر ب»المعجزة»، معجزة أن يكون رئيسا لتونس ورئيسا للجمهورية الثانية كما كان «معلّمه» بورقيبة رئيسا للجمهورية الأولى.. وكان ذلك نتيجة لدهاء سياسي لافت جعله يعود للسلطة التي غادرها بعد انتخابات 2011 بجبة الوزير الأوّل وعاد بجبّة الرئيس وبينهما حقّق انتصارا مذهلا عندما أسس حزب نداء تونس وجعل منه في ظرف سنتين فقط أقوى قوّة سياسية في البلاد..
لكن اليوم يجد نفسه يحطّم بيده أبرز انتصاراته بعد أن اصطف لجانب نجله في الحزب حافظ قائد السبسي الذي عبث بالحزب «الكبير» وجعل منه مجرّد «ظل شاحب» لنداء 2014 ، لتتواصل انهيار «معجزة الباجي» بعد أن تمرّد عليه ابنه «الروحي» يوسف الشاهد الذي تجاوزت طموحاته سقف توقعات «الأب» منه.. واليوم يجد الباجي قائد السبسي يحارب بشراسة لينقذ «معجزته» الشخصية.. ينقذ تاريخه المثير للاهتمام من نهاية مشابهة في تفاصيلها لزعيمه الملهم «الحبيب بورقيبة» الذي وجد نفسه في آخر أيامه محاصرا بأطماع وطموحات «حاشيته» ورجال بلاطه.. واقع أخرج بورقيبة من «كوّة» السلطة.. وقد يعيد التاريخ ذات المهزلة مع الباجي قائد السبسي !
منية العرفاوي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.