تنطلق اليوم ..زيارة رسمية لرئيس الجمهورية إلى إيطاليا    الدوحة: الجرندي يؤكد على مساندة السلطة الانتقالية في ليبيا والدفاع عن الحق المصري السوداني في مياه النيل    لطفي العماري: مصدوم في الرئيس لأنه يتحدث عن مخطط لاغتياله دون ذكر المتورطين    رقم اليوم...5941,7 مليون دينار    السعودية: تنفيذ حكم الإعدام بحق شاب شيعي والعفو الدولية تندد ب"محاكمة شابتها عيوب جسيمة"    فرنسا: بدء حملة تطعيم الفتيان والفتيات الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاما    أتت على أكثر من 50 هكتارا من الحبوب...حريقان في القصور وبرج العيفة بالكاف    معهد الرصد الجوي: الحرارة أعلى من المعدلات العادية لهذه الفترة    مع الشروق..من يفتح أبواب المستقبل أمام شبابنا؟    عرضه قبل الأول يوم 24 جوان بالمسرح البلدي .. «فسحة من القلب» ثمرة المدرسة الأركسترالية les solistes    هند صبري تكشف لأول مرة ... كدت أفقد دور البطولة في صمت القصور بسبب أسناني!    12 مليون جرعة من التلاقيح تصل تونس قريبا    الجزائر: حزب جبهة التحرير الوطني يتصدر الانتخابات التشريعية ونسبة المشاركة الأدنى تاريخيا    يورو 2021: فرنسا تحسم القمة أمام ألمانيا بفوزها 1-صفر    أنس جابر تفوز في أول مباراة لها في بطولة برمنغهام    تونس - مالي (1 - 0)..فوز «صغير» وأداء محيّر    أغمي عليه قبل مباراة فريقه...سيباستيان تونكتي يصاب بفيروس في الدم    سوسة..71 نزلا تفتح أبوابها و وكالات أسفار ليبية على الخط    قمع المحتجّين على «مسيرة الأعلام»..الاحتلال يحوّل القدس إلى «ثكنة عسكرية»    الجزائر..تحصلت على 105 مقاعد من أصل 204.. جبهة التحرير تكتسح التشريعية    طبرقة..حجز بندقية صيد بدون رخصة    أريانة..7082 مترشّحا للباكالوريا    موعد الأربعاء...اِنتَهَى الدّرسُ يا ... مِشّيشِي    الحوار وإن طال الانتظار    إشراقات..بيننا وبين الخطّ خطّ    وزير الفلاحة يؤكد أن هذه الصائفة ستكون صعبة من حيث الموارد المائية    الوضع في العالم    جديد الكوفيد..6 وفيات جديدة في الكاف    وزير التربية: نقل 48 مترشحا للباكالوريا مصابا بكورونا إلى مركز الإيواء    هيثم المكي ….سيبُّو قرقنة    تأجيل الجلستين العامة والانتخابية لشبيبة القيروان الى موعد لاحق    وزارة الصحة تقرر السماح بحضور 5000 مشجع في مباراة الترجي والأهلي    مع مردود باهت كالعادة: المنتخب التونسي يحقق فوزا قيصر على مالي    89 حالة وفاة و1997 إصابة جديدة بفيروس كورورنا    وزير الفلاحة يؤكد أن هذه الصائفة ستكون صعبة من حيث الموارد المائية    والي صفاقس يشرف على إجتماع المجلس الجهوي للسياحة    عاجل: فحوى لقاء سعيد بالمشيشي وعدد من رؤساء الحكومات السابقين..وهذا ما تم الاتفاق عليه..    بعد التحاليل والتقييم 76بالمائة من مياه البحر جيدة وهذه قائمة الشواطىء التي يمنع السباحة فيها    سيدي بوزيد: انتفاع 22 ألفا و155 شخصا بالجرعة الأولى من التلقيح ضد فيروس "كورونا"    الافراج عن نبيل القروي    بطولة بيرمنغهام: أنس جابر تواجه الأمريكية ماك نالي في الدّور الاول    تنصيب لجنة تحقيق برلمانية حول ملابسات وفاة الشاب عبد السلام زيان    القبض على عنصر تكفيري مفتش عنه من أجل الانضمام إلى تنظيم إرهابي ومحكوم ب9 سنوات سجن    مفتي تونس يُعلّق على إعلان السعودية الاكتفاء بأعداد محدودة لحج هذا العام    وزارة التجارة تعتمد تطبيقتين إعلاميتين في مجال مخازن التبريد والمخابز غير المصنفة    البرلمان يصادق على التجديد الرابع لرخصة "زارات "    موسي "تشوّش" على أشغال البرلمان.. وترفع شعار "ديقاج" في وجه وزير الصناعة    تفاصيل القبض على عنصر تكفيري مفتش عنه ومحكوم بالسجن..    البيت الأبيض يؤيد إلغاء قانون أجاز للولايات المتحدة الحرب على العراق    ترك 38 زوجة... وفاة رب «أكبر أسرة» في العالم    ستشهد ارتفاعا: درجات الحرارة بكامل ولايات الجمهورية    نور شيبة: "نقابة الفنانين التونسيين لم تقبل مطلب إستقالتي"    ماذا في برمجة المعرض الوطني للكتاب التونسي؟    الصحبي عمر يقدّم مسرحية "المندرة" يوم 19 جوان بقاعة الفن الرابع    محمد الشرفي في ذمة الله    كوكتال الويكاند على أثير إذاعة صفاقس تسلط الضوء على الدورة 55 لمعرض صفاقس الدّولي    الكورونا    محمّد الحبيب السلامي وتلميذ الامام مالك    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تحليل/ القرم وشرق أوكرانيا وجيوسياسة الصراع في القوقاز..
نشر في الصباح نيوز يوم 03 - 05 - 2014

في شرق وجنوب أوكرانيا أخذت الأزمة الأوكرانية تشكل منعرجا جديدا، حيث أن واقع الحال اخذ يتجه رويدا رويدا نحو خروج الأزمة من حالة الهدوء و"الفوران البارد" إلى حالة التعسكر والإقتتال، مع تواصل صراع لي الأيدي وبين الغرب وروسيا بعد محادثات جنيف حول أوكرانيا والاتفاق الذي بقي حبرا على ورق.
ولعل هذه الأزمة قد تذكر ببدايات الحرب الكورية في أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات، أكثر منها من سياسة "العقاب الجماعي" التي كان الإتحاد السوفياتي يتبعها في دول شرق "الستار الحديدي أيام "الحرب الباردة" من اجتياحات لتشيكوسلوفاكيا وبولونيا وغيرها من دول شرق أوروبا، والتي بالنسبة لروسيا وبمفهوم جيوسياسي قد نستعيره من القاموس الألماني النازي "مجالا حيويا" منذ بدايات القرن الثامن عشر أيام خاض من اجلها الملك الروسي بطرس الأكبر حرب الشمال الكبرى المشهورة والتي هزم فيها ملك السويد شالز الثاني بعد أن كان مهزوما وهو ما أدخل روسيا زمن الإمبراطورية وكان انتصاره الساحق في معركة بولتافا في أوكرانيا سنة 1709.
قد لا ندخل في سرد الإطار التاريخي للعلاقة بين أوكرانيا وروسيا، لكن هذه العلاقة دخلت في الموروث الثقافي الروسي حتى أن أوكرانيا أصبحت في وقت من الأوقات الرقم الصعب جيوسياسيا لروسيا وبرز ذلك جيدا في الحرب العالمية الثانية عندما دق هتلر إسفينا في خاصرة روسيا عند دخوله أوكرانيا وتوجهه منها لمحاصرة ستالينغراد وموسكو، علما وأن أوكرانيا كانت تعتبر "مطمورة روسيا" بأراضيها الخصبة.
إذن نظرة روسيا لأوكرانيا لا تكملها المصالح الجيواستراتيجية بقدر النظرة الأمنية التي ينظر بها الغرب لروسيا وخاصة بالمنطق العسكري والامتدادي لحلف الشمال الأطلسي (كمؤسسة عسكرية تجمع تحالف مصالح الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة) وكذلك أوروبا الطامحة للامتداد نحو القوقاز ومنطقة أوراسيا.
الكلام يبدو معقدا بعض الشيء، لكن بمنطق آخر أقل حدة فإن هذا الحلف ينظر إلى أوكرانيا كمدخل نحو مواصلة سياسة الإحتواء التي شرعت فيها أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية ومنع روسيا من "عودة الروح" لاتحاد سوفياتي في شكل جديد بعد أن كادت سنوات البيتسترويكا أن تدمرها وتفتتها في تسعينيات القرن الماضي.
ولعل الذي يحصل اليوم في أوكرانيا من تصاعد حدة أصوات المنادين بالرجوع إلى روسيا وغيرهم يفهم على هذا الأساس خاصة وأن القضية بدات تأخذ بعدا دمويا قد لا يكون الغرب ساعيا إليه بقدر ما سيكون تعلة لروسيا لتجاوز الحدود والعبور نحو المدن الأوكرانية الشرقية والطامحة للانفصال بعد "عدوى القرم" والتي على أساسها ضم شبه الجزيرة الى روسيا.
فالقرم كشبه جزيرة في الضفة الشمالية للبحر الأسود تشكل موقعا استراتيجيا قويا لروسيا، ذلك على الأقل ما تدل عليه طبيعة المنطقة إذ أنها تشكل موقعا استراتيجيا لروسيا للإشراف على البحر الأسود وكامل القوقاز وأوروبا الشرقية.
أما بالنسبة للغرب فقد أدرك ان كتف القوقاز يجب أن تؤكل من أوكرانيا، قبل جورجيا وأرمينيا واذربيدجان، وذلك لسببين:
أولا/ الفشل الغربي في إيجاد موطئ قدم عن طريق حروب بالوكالة منذ منتصف التسعينات في كل من جورجيا والشيشان والتي وفرت لروسيا على العكس من ذلك تدعيم نفوذها في القوقاز، خاصة بعد استقلال إقليمي أبخازيا وأوستيتا الشمالية عن تبليسي (العاصمة الجورجية)
ثانيا/المساعي الأوروبية التي استعملت منذ ذلك إما عن طريق سياسة الجوار الأوروبية وامتداد نفوذ منظمة الأمن والتعاون الأوروبية إلى الشرق نحو دول الإتحاد السوفياتي السابق ومنها في قلب آسيا الوسطى، لم تأت أكلها، خاصة وأن أوروبا لم تركز على هذه السياسة من نطاق التعاون أكثر من نطاق الإستفادة من تعاون "الأطراف" لخدمة أمن "النواة"، خاصة وأن هذه المنظمة هي عبارة على امتداد لحلف الشمال الأطلسي.
ثالثا/ فشل السياسة الخارجية التركية (وهي عضو بحلف الشمال الأطلسي) التي تعتمد على سياسة صفر أعداء بعد الموقف الذي اتخذته من الأزمة السورية والعداء الكبير الذي رصدته للأسد مما أضر بموقفها ازاء روسيا، والدول المتحالفة مع روسيا في المنطقة ومنها إيران المطلة على بحر قزوين.
العلاقات قبل ذلك كانت ممتازة بل واستراتيجية بين تركيا وروسيا، لكن تغيرت عند ذلك الموقف السياسي المعادي لدمشق والذي اسقط ثمار اكثر من عشر سنوات من ديبلوماسية صفر أعداء التي وضعت تركيا في اكبر اقتصاديات العالم، لذلك بدأت تركيا تغوص في اخطاء "ادلجة السياسة الخارجية" ولنقل " اخونتها" مما تسبب لها في تراجع كبير خاصة في العلاقات مع دول أوراسيا وآسيا الوسطى والجارة الكبرى روسيا
لكن لماذا الحديث عن تركيا؟
الحديث عن دور تركي في أزمة أوكرانيا يأتي من مستوى العلاقات الجيو اقتصادية لأوروبا كمركز مع دول آسيا الوسطى وهو دور يحاول الغرب ان تلعبه تركيا خاصة وان الجغرافيا التركية تعتبر كجسر بين أوروبا وآسيا ودولة حوض بحر قزوين اضافة الى "الشرق المتوسط".
وكما هو موجود فان تركيا التي تحتل كذلك الضفة الجنوبية للبحر الأسود لا يمكن ان تكون بمنأى عن الأحداث التي يحصل في أوكرانيا وخاصة بعد الذي حصل في القرم وانضمامه إلى روسيا التي تشرف على كل البحر الأسود وهوما يوفر خاصية للبحرية الروسية التي تراقب عن كثب تحركات حلف الشمال الأطلسي التي تركيا عضو فيه منذ1949.
الدور الذي كان مخططا ان تلعبه أنقرة يبقى في إيجاد بديل عن الاحتكار الروسي للسوق الأوروبية للنفط وخاصة الغاز، وبالتالي التنويع في مصادر الطاقة وهو ما يمنح امتيازا لأوروبا لمواصلة التمدد في قلب آسيا الوسطى، وهذا ما تعمل عليه منذ آخر توسيع للاتحاد الاوروبي سنة 2007، مما يوفر أريحية أكبر في احتواء روسيا في الربع البارد من العالم في سيبيريا، والالتفات الى الصين الحليف الاستراتيجي لروسيا.
لكن السؤال المطروح
ماهو موقف روسيا من ذلك ؟
المشروع الذي حمله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ اعتلائه للسلطة في أواخر عقد التسعينيات من القرن الماضي يعمل على إعادة حياكة النفوذ الروسي في "المجال الحيوي" للاتحاد السوفياتي السابق لكن بعيدا عن إيديولوجيا البلاشفة التي أسقطت الإتحاد السوفياتي وديكتاتورية البروليتاريا، ولكن على أساس قوانين براغماتية تعمل وفق قاعدة
WIN TO WIN لذلك يحاول بوتين انشاء اتحاد أوراسي في المناطق الممتدة بين القوقاز وبحر قزوين وآسيا الوسطى ليكون أول منطلقه تكتل اقتصادي، وهي فكرة ناجحة للغاية إذا ما عرفنا أن بيتسترويكا أنتجت نظاما تعلم من أخطاء السياسية وافقتصادية للاتحاد السوفياتي.
على هذا الأساس تقوم روسيا قسرا منذ سنة 2008 بفرض سياستها على هذه البلدان حتى ولو بالقوة (ما حصل في جورجيا) لتأسيس هذا الإتحاد الأوراسي بما يتقاطع مع المصالح الإستراتيجية للغرب، الذي يرى في آسيا الوسطى منطقة مصالح جديدة يجب الإستفادة منها بعيدا عن التدخل والإحتكار الروسي خصوصا في الغاز والنفط.
وحتى السنين القادمة سنشاهد تطويعا لدول الكومنويلث السوفياتي الأسبق للتعامل مع روسيا، خاصة مع الانسحاب الامريكي من أفغانستان وهو ما بدأت روسيا في الإعداد له وهو ما جعل الرئيس الأفغاني حامد كرزاي يرفض الإمضاء على الاتفاقية الأمنية مع واشنطن.
المهم ان الاشكال الجيوسياسي الذي تطرحه أزمة أوكرانيا، ان الغرب خسر مرتين في القوقاز (جورجيا والشيشان) ومرتين في اسيا الوسطى (قرغيزستان وأفغانستان) وربح في البلقان (يوغسلافيا سابقا)، وهو الدرس الذي تعلمه فلادمير بوتين جيدا بعد انتهاء "سنوات السكر اليالتسيني" او كذلك "سنوات البيتسترويكا" عقد التسعينيات من القرن الماضي.
على هذا الأساس جاء اعلان استقلال القرم عن أوكرانيا وانضمامه إلى روسيا، وذلك لأن روسيا ترى أن عدم التدخل في تلك المنطقة سيطرح إعادة سيناريو "البلقنة" والتدخل العسكري للأطلسي في منطقة تعتبر من الخطوط الحمراء في الإستراتيجية الروسية الجديدة، خاصة وأن القرم هي آخر نقطة تسمح بوجود روسيا القريب من المضايق الفاصلة بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود، وهذا ما يسعى إليه الغرب، ويعمل عليه الحلف الأطلسي الذي لم يغير عقيدته منذ تأسيسه في سنة 1949 وحتى بعد انتهاء الحرب الباردة والتي تنادي دائما بضرورة احتواء الخطر السوفياتي والآن بضرورة احتواء الخطر الروسي، وابعاده عن التكتل في محيط الحيوي وافشال فكرة الإتحاد الأوراسي الذي حسب الحسابات الروسية فإن أوكرانيا جزء لا يتجزأ منه، وضمن "المجال الحيوي" الروسي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.