الأزهر يفضح "خديعة إسرائيلية" على خلفية الحرب على إيران    بنزرت .. .في ظل تفاقم أزمة الأمونيتر ... نقابة الفلاحين تحذّر من تحوّل حقول الحبوب إلى مراع    إيران تتهم الولايات المتحدة وإسرائيل بالسعي إلى "تفكيك إيران"    عثر لديه على كميات كبيرة من مادة DAP وأسلحة بيضاء ومسامير ...محاكمة مشتبه بتبنيه الفكر الإرهابي    في افتتاح الدورة 24 لمهرجان الأغنية التونسية .. «إخفاء» الفرقة الموسيقية خاطئ.. والأسبقية للطبوع التونسية    نجم من رمضان ...فتحي الهداوي حاضر في ذاكرة الدراما التونسية    أسئلة رمضان . .يجيب عنها الأستاذ الشيخ: أحمد الغربي    أم المؤمنين عائشة (2) ....شاهدة على هجرة الرسول والصدّيق    فتاوى الذكاء الاصطناعي ..مزالق فتوى البثّ المباشر    جريمة تهزّ دوار هيشر: الإعدام لقاتل أب لطفلين بعد طعنه والتنكيل بجثته    محمد بن زايد يطمئن المواطنين والمقيمين: الإمارات قادرة على التصدي للاعتداءات    مناقشة قرض لتطوير نقل الفسفاط    قبل الإفطار بدقائق يطرق الباب...تحرّكات مشبوهة تثير الخوف في أحياء صفاقس    حي الخضراء: إيداع كهل السجن بعد حجز لوحتين أثريتين تعودان إلى القرن الثامن عشر    المنستير: مهرجان ليالي المدينة ببني حسان من 12 إلى 15 مارس الجاري    اضطراب في توزيع المياه الصالحة للشرب بهذه المنطقة    وزارة الصحة : تفعيل وحدة نهارية للعلاج الكيماوي بمستشفى قبلي    عاجل: بداية من يوم الاثنين...هاو كيفاش بش يكون سوم الدجاج في تونس    القصرين: المصالح البيطرية تشرف على ذبح جديان محجوزة من قبل الديوانة لطرحها لاحقا بنقطة البيع من المنتج إلى المستهلك    رئيس "الفيفا" يفاجئ الركراكي بعد رحيله عن تدريب المنتخب المغربي    منوبة: حضرة رجال البطان تفتتح تظاهرة "البطان تتنفس فن"    المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون " بيت الحكمة" ينظم يوما دراسيا حول "المالية الاسلامية...الواقع والآفاق " يوم 30 مارس 2026    وزارة المالية تطلق بوابة الفوترة الإلكترونية لتسهيل انخراط مسدي الخدمات    نابل: تواصل عمليات التمشيط والبحث عن 6 بحارة مفقودين    الخطوط التونسية تطلق طلب عروض دولي لكراء طائرتين من طراز «أرباص A320»    عاجل/ فاجعة بهذه الولاية..وهذه حصيلة الضحايا..    ليالي العزف المنفرد في ابن رشيق: رهان على التجارب الموسيقية الشابة    نسيج وملابس: صادرات تونس تجاوزت 9 مليار دينار سنة 2025    عاجل/ بسبب المخدرات..فاجعة تهز هذه المنطقة..    الإمارات والأردن تعلنان رصد واعتراض صواريخ ومسيّرات إيرانية    النائب مروان زيّان يقترح إطلاق "بطاقة التسجيل المؤقت لتسهيل العودة الطوعية" لتنظيم ملف المهاجرين غير النظاميين    دراسة حول رجال ناصروا النساء في تونس بين 1865 و1956 تسلط الضوء على شخصيات مغمورة دعمت حقوق المرأة    أحكام بين 30 و35 سنة سجنا في حق شبكة دولية لتهريب المخدرات    خلال الأسبوعين الأولين من رمضان: تسجيل 10560 مخالفة اقتصادية    الأمن الوطني يكشف: 62 خلية إرهابية مُفككة وآلاف العناصر مُوقوفة!    اليوم: إحياء الذكرى العاشرة لملحمة بن قردان    شركة" فيتالي "Vitalait تُساند نسور قرطاج كشريكاً رسمياً العالمة التونسية للجامعة التونسية لكرة القدم    وزارة الصحّة تدعو إلى عدم اقتناء ألعاب الأطفال المتكوّنة من هذه المادة    عاجل: الصحة العالمية تحذّر من مخاطر التخزين غير السليم للخضروات في رمضان    الحرس الثوري الإيراني يستهدف مواقع في العراق    بطولة الكرة الطائرة: برنامج مواجهات اليوم من الجولة الثالثة إيابا لمرحلة التتويج    كأس تونس لكرة السلة: نتائج قرعة الدور ربع النهائي    الرئيس الإيراني يعتذر لدول الجوار: لا عداوة مع المنطقة وسنوقف الهجمات بشرط    عاجل: تعليق جميع رحلات طيران الإمارات من وإلى دبي    طقس اليوم: الحرارة في إرتفاع طفيف    أستاذ القانون الدستوري الصادق بلعيد في ذمة الله..#خبر_عاجل    الرابطة الأولى: تشكيلة الترجي الرياضي في مواجهة مستقبل المرسى    عاجل/ السعودية تعلن اعتراض مسيرتين داخل المملكة..    موناكو يهزم باريس سان جيرمان ويشعل سباق المنافسة على اللقب    ريال مدريد ينتزع فوزا ثمينا 2-1 على حساب سيلتا فيغو    معهد صالح عزيّز.. انطلاق استخدام تقنية متقدمة للكشف عن سرطان البروستاتا    تجنبها فى رمضان 2026.. مشروبات تضعف عظامك    عاجل: وزارة الصناعة: إطلاق طلب عروض جديد لإنجاز محطة توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية بقبلي    أدعية لحفظ الأهل والأبناء يوم الجمعة    صلاح مصدق : نتفرج في المسلسلات عادة بعد شهر رمضان    التمر والحليب في رمضان: 5 فئات لازمهم يبعدوا عليه باش ما يضرّوش صحّتهم!    فريال يوسف: بكيت ساعة ونصف قبل أصعب مشهد في ''أكسيدون''    صدمة في الوسط الرياضي: إيقاف يوسف البلايلي لعام كامل بسبب ''تزوير'' وثائق رسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم:عودة إلى الديمقراطية
نشر في الصريح يوم 13 - 07 - 2018

لم أُفرغ كلّ ما بجعبتي عندما تعرّضت لمرآي وفهمي لما يُسمّى ديمقراطية ، فاقتضبت ما كنت أنويه ، خشية التطويل ليقيني أنّ " من التطويل ملّت الأمم." فها أنا أعود ، بعد استسماح السيد المدير ورئيس التحرير، شاكرا الصبر والكرم ، أعود لأقول: إنّ من الثوابت في الديمقراطية ونظامها ، تمتع المواطن بالحرية ، وهي كما يعرف الجميع ، أكثر من واحدة ، إذ الحرّية الحقة حرّيّات ، كحرية العقيدة أو المعتقد، وحرّية التنقل وغيرها كثير، مثل حرّية الرّأي والتعبير. يتساءل العاقل المتبصّر هنا: هل هذه الحرية أو الحريات مطلقة ، بلا حدود أو قيود ؟ هذا لعمري ما يعتقده الكيثرون ، وهو لدى العارفين المتبصّرين ، سوء فهم واعتداء على المنطق والمعقول وحرية الغير، إن لم تتوقف الحرّية عند الحد المنطقي المفروض ، مُلخَّصا في عبارة بسيطة :" حرّيتي تنتهي حيث تبدأ حرّيّة غيري." لأن الحرّية ليست فوضى ولا إباحية وخلاعة ولا هي فسق ولا دعارة.
بما أن الشيء بالشيء يذكر ، يبادرني اجتياز حدود الحرية بحادثة كنت من أبطالها ، دارت "رحاها" هنا بمدريد حيث أقبم. يذكر المتتبّعون لما يجري في هذا العالم ، من اعتداءات ومظالم وهيمنة القويّ ، وما نال العرب والمسلمين من ذلك كثير، مؤلم عظيم ، تعدّى أحيانا حدود اللياقة والأخلاق ، ليمسّ ، كذبا واستهزاء ، أقدس المعتقدات. ألّف في في تلك الأثناء الصديق الأستاذ الجامعي جمال عبد الكريم ، المستشار الثقافي بالسفارة المصرية ومدير المعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد ، الذي تأسس في عهد طه حسين وبدفع من المستعرب الكبير إيميليو غارثيا غومث ، ألّف باللغة الإسبانية ، بعد أن عاد إلى التدريس في جامعة الكمبلوتانسي بمدريد ، كتابا قيّما مهما مفيدا ، عن الإسلام تاريخا ومبادئ وفرائض ، وكلّ ما يحتويه ويوصي به من سيرة وأخلاق وغيرها. كتاب جامع شامل ، يُبعِد قارئَه بكل سهولة وبساطة ، عن الخلط بين الإسلام الحق ، وبين أعمال الضالين مقترفي الجرائم باسمه وتحت مظلته. كتاب زادت صفحاته عن الخمس مائة ، سرعان ما ترجم إلى اللغة الإيطالية ، ونشرفي إيطاليا. قدّم المؤلف كتابه الثري المفيد ، في مدن عدّة من مدن إسبانيا ، وكنت – برجاء من الصديق المؤلف – مشاركا في بعض تلك المناسبات ، منها حفل تقديم أقيم بنادي الفنون الجميلة بمدريد ، وهو من أهم المراكز الثقافية في المدينة ، فاكتظ المسرح بالحاضرين الباحثين عن معرفة الحقيقة ، منهم كبار مسؤولين خاصة في مجال التعليم والثقافة . كنا ثلاثة ، نرافق المؤلف على المنصّة ، فعالج كلّ منا الكتاب من الزاوية التي ارتآها ، وختم التقديم بكلمة المؤلف الذي شرح الدوافع التي أدت به إلى إنتاج ذلك العمل ، البعيد موضوعه عن اختصاصاته وهي اللسانيات وعلمها.
جاء دور الأسئلة والنقاش ، فدار مفيدا ثريّا إلى أن تداخل أحد الحاضرين ، عمره بين الشباب والكهولة ، فأطال الحديث متنقلا في مواضيعه ، التي ركز فيها على المرأة والحجاب وحرّيّة الرّأي والتعبير. كنت مهتما به قبل أن يأخذ الكلمة ، لأنّ شيئا في وضعيته وجلسته ، وملامحه وهو يستمع ويتابع ، وابتسامته الساخرة المتحدّية جلب انتباهي ، فجعلت أدرس شخصيته ، وعندما طلب الكلمة زاد أسلوبه ونطقه ، وهو يضغط على بعض الكلمات التي يقصد من ورائها التحدّي والإثارة ، كي لا أقول الاحتقار ، زاد في اهتمامي فتأهبت ، وطلبت من الرفاق إجابته ، فتكرموا بالموافقة. أجبته بكل هدوء وبكثير التفاصيل عن جميع أسئلته ، موافقا إياه ومكرّرا " أوافقك سيدي " ، إلى أن وصلت به إلى حرّية الرأي والتعبير، الحق المقدس الضروري ، الذي بدونه تكون الحياة منقوصة وقلت:" تأكيدا لكل إيماني وعملي بحرية التعبير التي ذكرتها ، وأنا موافقك عليها ، فإني أرى أنّ أمّك فلانة ! انتفض وقام كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ – لأنّ الكلمة تنطق كنطقها بالعربية ، وتعني مع مُذكَّرها نفس المعنى والاستعمال العربي ، لكنها في لغة التخاطب تعني العاهرة الفاسقة. بكلّ برود سألته عن سبب اهتزازه وانتفاضته ، ودون انتظار الجواب قلت:" ألست من أنصار حق حرية التعبير وإبداء الرّأي ؟ فهذا يا سيدي رأيي عبّرت عنه ، رغم يقيني بأنه كذب وافتراء." عاد إلى جلسته محني الرأس خجلا أو نادما ، بينما تنفس الحاضرون الصّعداء ، بعد صمت عميق ساد القاعة التي دوت الآن بعاصفة من التصفيق الموافق المؤيّد.
أردت بسرد هذه الحادثة ، معتذرا عن التطويل ، أن أشرح وأوضح ، أن حرية الرأي والتعبير ليست مطلقة ، وهي كأخواتها بقية الحريات ، لها شروطها وقواعدها وحدودها ، تطبق وتحترم دون الحاجة إلى قانون أو حكم وعقاب. أول شروطها التأكد من صحة الموضوع أو المقترح أو الخبرالذي سيبدي المرء بخصوصه رأيه ، وعند التعبير عن الرّأي شفويا أو كتابة ، وجب توخي الهدوء ، والألفاظ الصحيحة اللائقة ، واتباع حسن التربية والأخلاق ، مع الحرص على عدم التعدّي والإضرار لغة ومعنى.
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ.
بعد هذا وبعد ما نشاهده ونسمعه ونتحمل أحيانا تبعاته ، أين نحن منه – تونسيون وعرب - ؟ سؤال قد يستطيع الإجابة عنه من يبحر ويسبح ليل نهار في لجج ما يعرف بمواقع التواصل ( أو التفاصل؟) الاجتماعي ، فنرجوه أن يتكرّم علينا بنتائج ما سيجده ويعاينه علّنا نعرف أين نحن من كلّ هذا ، ومن ديننا وإيماننا ، ومن تربيتنا وأخلاقنا التقليدية المحمودة ، حتى نتصرّف – إن استطعنا – للسير في أقوم السّبل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.