وزير التجهيز يسلم 27 مسكناً اجتماعياً بهذه الجهة..    صبان ال CNSS: كيفاش يتحسب؟ بالضبط    أخيرًا: استئناف خط الحامة – جرجيس بداية من هذا التاريخ..شوف البرنامج    تحسن طفيف في الميزان التجاري التونسي خلال الثلاثي الأول من 2026    تراجع في صابة الفراولة هذا الموسم ب50%..وأسعار تصل الى 7 دنانير!    شكون هو المشتبه به في حادثة إ.ط.لا.ق الن.ار بواشنطن الي حاول ي.ق.ت.ل ترامب؟    الرابطة الأولى: برنامج مباريات اليوم والنقل التلفزي    مفاجأة في ملعب 15 أكتوبر: صبري اللموشي يراقب الماتش    معرض تونس الدولي للكتاب 2026: "آنا ماتفيفا".. قلم يغوص في ثنايا الغموض والزمن    مصادر تكشف لCBS عن المستهدفين الحقيقيين من الهجوم على حفل عشاء ترامب    ملتقى التشغيل لسياحة ومستقبل المهن السياحية يوم 28 أفريل 2026 بالمنستير    انعقاد القمة الفرنسية الافريقية " افريقيا الى الأمام " بنيروبي يومي 11 و12 ماي 2026    الشرطة العدلية بباب بحر تطيح بشبكة ترويج المخدرات بين لافايات وباب سويقة والتضامن    سلطان عمان يبحث مع عراقجي جهود إنهاء المواجهة بين طهران وواشنطن    "طريق الأندلسيين" بمنوبة : إحياء الذاكرة وتحويل تراث طبربة والبطان إلى مسار ثقافي وسياحي    جندوبة: تتويج محمد بن موسى و تقوى نغموشي في مسابقة سمعني    الدوزة 60 لمهرجاني قرطاج والحمامات: صمتٌ "ثقافي" يثير القلق    بطولة ابيدجان /2/ للتنس - اسكندر المنصوري يفتتح مشواره من التصفيات التمهيدية ومعز الشرقي ينطلق مباشرة من الجدول الرئيسي    كاس العالم للسباحة بالزعانف : الذهب لسارة بن أحمد في الوسطيات والفضة لمحمد أمين العلوي في الأكابر    جربة: مهرجان فرحات يامون يتحدى "الترميم" بالمسرح    وداعًا أحمد خليفة... رحيل اسم كبير في الفن السوري    غدوة تونس: بلاش تاكسي، لُواّج، تاكسي جماعي ولا نقل ريفي    ميناء جرجيس: انطلاق أول خط دولي منتظم لنقل البضائع    ماتش الإفريقي مستقبل سليمان في خطر؟ شنّوة الحكاية؟    تفاصيل ما حدث بحفل عشاء مراسلي البيت الأبيض    شوف طقس الأحد: شمس وسحاب... وأمطار مفاجئة بعد الظهر بهذه المناطق    ترامب ينشر صورة لمنفذ محاولة اغتياله    متابعة/ الكشف عن هوية المشتبه به في اطلاق النار على ترامب..    متابعة/ محاولة اغتيال: اعتقال منفذ العملية..وهذه التفاصيل..#خبر_عاجل    ماكرون.. بند الدفاع المشترك للاتحاد الأوروبي أقوى من نظيره في حلف "الناتو"    بعد 8 مواسم.. اولمبيك الكاف يعود الى الرابطة المحترفة الثانية    يقولوا النحاس يداوي المفاصل: شوف الحقيقة الّي بش تصدمك    تونس الوحيدة في افريقيا: تقنية ثورية في علاج القلب لأول مرة    بنك الجينات يقدم نتائج مشروع التسلسل الجيني للقمح الصلب التونسي    إجراءات مرورية خاصة    الستاغ .. تركيز 500 ألف عداد ذكي في 2026    ارتفاع ملحوظ في النقود المتداولة    مبادلات تونس والسعودية تتجاوز 1143.6 مليون دينار    القيروان: وفد برلماني من لجنتي الصناعة والتخطيط يزور المحطة الفولطوضوئية بالسبيخة ومشاريع صناعية كبرى بالجهة    بطولة الرابطة المحترفة الاولى(الجولة26-الدفعة1): التفاصيل الكاملة للنتائج والترتيب..    طقس الليلة.. سحب رعدية وامطار بهذه المناطق    أنور بن عمار: "فخورون ب" Mts Auto Center" قابس.. وهدفنا تقديم تجربة متكاملة بمواصفات عالمية تشمل البيع والصيانة وقطع الغيار الأصلية.."    الزهروني : مداهمات أمنية متزامنة وإيقافات بالجملة لعدة عناصر خطيرة    الفول الأخضر: كنز صحّي ما تعرفوش برشا ناس    فيصل بالزين: ''ما نحبّش التكريمات... نحب الفلوس!''    بش تنقذ علاقتك الزوجية... هذه أهم الخطوات    أريانة: تأجيل محاكمة المتهمين بقتل شاب داخل مأوى سيارات    نور شيبة ينهار: ''أنا اللي غسلت بابا وودعتو للقبر''    الفلسطينيون يدلون بأصواتهم في أول انتخابات بلدية منذ حرب غزة    تنبيه هام لمتساكني هذه المناطق: قطع التيار الكهربائي غدا..    تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان..ما القصة..؟!    تفكيك شبكة لترويج المخدرات وحجز 95 صفيحة زطلة وكوكايين بهذه الجهة..    طقس الليلة.. خلايا رعدية وامطار ببعض المناطق    حادث مرور أليم بالقيروان يسفر عن 13 جريحًا    اسألوني .. يجيب عنها الأستاذ الشيخ: أحمد الغربي    لبيك اللهم لبيك ...من معاني الحجّ    للتوانسة :لازم تعرف الحاجات اللى تفسدلك حجتك    عيد الأضحى 2026: التفاصيل الكاملة والإجازات في الدول العربية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هادي دانيال يكتب لكم : سياسة المَصالح الأمريكية المُمْعِنَة في تقليصِ دَورِ مِصْرَ الإقليمي
نشر في الصريح يوم 16 - 01 - 2019

تعاظَمَ دورُ مِصْرَ الإقليمي بَعْدَ نجاح ثورة الضبّاط الأحرار في 23جويلية 1952وخاصّة بعد تسلُّم الرئيس جمال عبد الناصر دفّة الحكم الجمهوري على أنقاض عَرْش الملك فاروق الأوّل وأفْضَت الإصلاحاتُ الزراعيّة وتأميمُ وسائل الانتاج كافّة وإقامةُ نظام اشتراكي إلى نهضة شاملة اقتصادية واجتماعية وثقافية وإعلامية ،أشعّت على محيط مصر العربي الآسيوي والأفريقي ، وانعكسَ ذلكَ سياسيّاً بأنْ تعاظَمَ دَورها الدولي فكانت مِن مُؤسِّسي منظمة دُوَل عَدَم الانحياز وباتت قُبْلَةَ حركات التحرُّر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينيّة لِدرجةِ أنّ هذا الإرث ألْهَمَالقائدَ الفنزويلي الراحل "هوغو تشافيز" الذي وَصَفَ نفسَه ونهْجَهُ، بالناصريَّيْن نسْبةً إلى الرئيس جمال عبد الناصر. منذ 1952حتى رحيل عبد الناصر في 28سبتمبر1970كانت القاهرة منتجة الكتاب والفيلم السينمائي والصحيفة والبرامج الإذاعية التي تمثّل المَصْدَر المعرفي الأساس للمواطن العربي في مشرق "الوطن العربي" ومشرقه. وعلى امتداد تلك الفترة لم تكن واشنطن حليفة للقاهرة . وعندما زاروزيرالخارجيةالأمريكيجونفوستردالاسسنة 1953مصربعدانتخابايزنهاوررئيساًللولاياتالمتحدةالأمريكية ، داعياً القاهرة إلى الانخراط في سياسة واشنطنلتطويقالاتحادالسوفيتىالسابقبالأحلافالغربيةوقواعدهاالعسكرية ، كَشَفَتْ مناقشاتدالاس- عبدالناصربشأنالأحلافالعسكريةالهوَّةَ الواسعةَ العميقةَ بينأفكارالقاهرةوتصوراتواشنطن. وفي جانفي 1956 نشأ خلافٌ آخَر في الزيارة التي أدّاها "روبرتأندرسون"وزيرالخزانةالأمريكيإلى العاصمة المصرية عارضاً تمويلبناء السدالعاليمقابلالصّلْحمع"إسرائيل" ، لكن ذلك لم يمنعالولاياتالمتحدةالأمريكيةمن مساندة موقفمصرفيمواجهةالعدوانالثلاثي (البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي)عليها،وأسهمالموقفان السياسيانالأمريكي والسوفيتيفيإنهاءالعدوانالثلاثي ، إلى جانب بطولات الجيش المصري بما في ذلك عمليّة الضابط السوري الشهيد "جول جّمال" الفدائية ضدّ المُدَمِّرَة الفرنسيّة "جان بارت" التي أوقفَتْ تَقَدُّمَها.فيسنة 1959،عقدَتْالولاياتالمتحدةمعمصراتفاقاًتبيعلهابمقتضاهقمحاًأمريكياًبالجنيهالمصري،وكانتمدةالاتفاقثلاثسنواتوقيمتهثلثمائةمليوندولار. كماقدمتواشنطنثلثمائةمنحةدراسيةلطلبةمصريين كييتلقواالعلْمَفيالولاياتالمتحدة. لكن القاهرة كانت قد بدأت نسج علاقات قوية مع موسكو خاصّة على خلفية بدْء بناء السد العالي سنة 1960والذي أكمل بناؤه سنة 1968 بفضل 400خبير سوفياتي وبتمويل سوفياتي قدره مليار دولار حذفت موسكو ثلثها لاحقاً. هذا السد الذي حمى مصر من الجفاف ومن الفيضانات بالتحكم في تدفق المياه ، وساعدَ في توليد الكهرباء وبالتالي كان له الفضل الأكبر في النهضة الصناعية والزراعية المصريّة آنذاك. وفيسنة 1961،أرسلالرئيسالأمريكي"جونكندى"خطاباًإلىالرئيسالراحلجمالعبدالناصريعرضعليهرغبةالولاياتالمتحدةفيتسويةالنزاعالعربيالإسرائيلي ، فرَدَّعليهالرئيسجمالعبدالناصربأنهناكطريقاًواحدةإلىتسويةهذاالنزاعوهيطريقردالحقالعربي. ولكن بَعْدَ سنتين مِن اغتيال كندي ، وتحديداً بدايةمنسنة 1965،تدهورتالعلاقاتالمصريةالأمريكيةإلىأن تمَّقطْعُالعلاقاتالدبلوماسية نهائيابعدالمساندةالأمريكيةللكيان الصهيونيفيعدوانهعلىمصرفي 5 جوان 1967. ولكن خلال هذه الفترة كانت المخابرات الأمريكيّة تنتظر موت عبد الناصر – هذا إذا لم تُعَجِّلْ فيه كما أشيع – كي تَضَعَ يدَها على مصر مِن خلال رَجُلها "أنور السادات" ، الذي ما أنْ تَسَلَّمَ دفة الحكم حتى بدأ يُدير السفينة المصرية سياسيا واقتصاديا وعسكريا باتجاه الغرب وتحديداً واشنطن بعيداً عن المُعسكر الشرقي وخاصّة موسكو التي بنت السد العالي في أسوان ومصنع الحديد والصلب في حلوان و مئات المصانع الأخرى .ففي 8جوان 1972أمر السادات بطرد 20ألف خبير عسكري سوفياتي كان استقدمهم عبد الناصر لتدريب الجيش المصري على الأسلحة السوفياتية الجديدة التي زوّدت بها موسكو الجيشَ المصري ليخوض حرب استنزاف ضدّ العدوّ الإسرائيلي بعد "نكسة" جوان 1967.واستعداداً لخوضِ حرب أكتوبر لتحرير الأرض المحتلة . لكنّ السادات الذي وَضَع مصيرَ مصْرَ في القبضة الأمريكيّة جَعَلَ مِن حرب أكتوبر تلك (بَعْدَ أن أوقف إطلاق النار مُفسحاً المجال لجيش الحرب الإسرائيلي كي يُوحِّد قواه التي كانت مُوَزَّعة على جبهتين ويتفرغ لقتال الجيش السوري ) جسْراً للعبور إلى زيارة القدس ومِن ثَمَّ إبرام اتفاقيات "كامب ديفيد" مع العدوّ الصهيوني .
استؤنفت العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وواشنطن في مارس 1974، بينما قاطع العرب مصر وجمدوا عضويّتها في "جامعة الدول العربيّة" التي تمّ نقل مقرّها إلى تونس بقرار من القمة العربية ببغداد 1978احتجاجاً على زيارته المشؤومة إلى القدس المُحتلّة ،لتعود إلى القاهرة مجددا سنة 1989.وتوهّم السادات أن المساعدات الأمريكية وَوُعود البنك الدولي تبيح له أنيَعدَ الشعب المصري بازدهار اقتصادي واجتماعي ينجمُ عن سياسته الاقتصادية الجديدة الرأسماليّة الليبرالية (سياسة الانفتاح الاقتصادي، كما سَمّاها)، والتي أمْلاها عليه البنكُ الدولي الذي كان قد رفض تمويل بناء السدّ العالي في خمسينات القرن الماضي، فكان أبرز نتائج سياسة الانفتاح التفاوُت الطبقي الحادّ والسّريع الذي أفرز ظاهرةَ "القطط السّمان" ، وَاكتظاظ السجون المصرية بالمعتقلين السياسيين من اليسار خاصة ،واندلاع أوّل انتفاضة اجتماعية نتيجة ارتفاع أسعار المواد الأساسيّة سُمِّيَتْ انتفاضة الجياع يوميّ 18و19جانفي 1977. وهكذا سَقَطَتْ مصرُ إلى الآن في شباك السياسات والمصالح الأمريكيّة ، وَفقدَتْ نهائياً دورَها الإقليمي. وباتت تابعةً لسياسةِ المصالح الأمريكيّة تبعيّةً مُطْلَقَة . وكي لا تستعيد ذاتها أغرَقَتْها تلك السياسة في الديون الخارجية. فإلى أن توفِّيَ الرئيس جمال عبد الناصر كانت ديونُ مصر الخارجية بما في ذلك المنجرّة عن بناء السد العالي وتسليح جيشها لا تجاوز 1,7مليار دولار، ومع موت الرئيس السادات بلغت 22 مليار دولار، وعند الإطاحة بالرئيس حسني مبارك بلغت 36,5مليار دولار، ليصل في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى 53,4مليار دولار أمريكي.
وَ" مِصْر التي في خاطِري" ، مِصْرُ عبد الناصر ، التي قَدَّمَت خلال ثلاثة عقود للعَرَب والعالم : طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وأمل دنقل وعبد الرحمن الشرقاوي وفؤاد زكريا وسمير أمين وعبد الغفار مكاوي وأحمد فؤاد نجم ،وعبد الرحمن الأبنودي، وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ويوسف شاهين ومحمد حسنين هيكلوالبهجوري...وووو(بما في ذلكَ مَن تنكّرَ لها لاحقاً)، والتي أوفدَتْ المدرسين والأساتذة لنشر التعليم مشرقاً وَمَغْرِباً تُعاني في القرن الواحد والعشرين مِن وطأةِ 18,4مليون أمي لايعرف القراءة والكتابة، 62بالمائة بينهم مِن الإناث!.كلّ هذا مِن "نِعَم" تبعيّتها لسياسةِ المصالِح الأمريكيّة ، وتحوّلَ مُعْظَمُ "مُثَقَّفِيها" إلى "تقنيّي معرفة" يبحثون عن "لُقْمَةِ العيش" عند بَدوِ البترودولار في الكيانات الخليجيّة.
ولخدمةِ هذه المصالح استضاف السادات شاه إيران المخلوع لتنشبَ أزمةٌ بين القاهرة وطهران باتت مُزمِنَةً إلى الآن وكلما هدأ لهيبُها تنفخ تل أبيب وواشنطن على جمارها وهي أزمة مفتعلة لا تخدم مصالحَ أيٍّ مِنَ البلدين . وتحوَّل الجيشُ المصري الذي يُفتَرَض أنّهُ بُنِيَ لمُواجَهَةِ العدوّ الإسرائيليّ وحماية أسوار بلادِه كما تنصّ عقيدته العسكرية، إلى خدمةِ سياسةِ المَصالح الأمريكيّة ، فيُذَلّ وَيُهان ، تارة يُدرّب "المجاهدين" المصريين ويرسلهم كما يرسل سلاحه السوفياتي إلى أفغانستان لمحاربة الجيش السوفياتي ، و تارةً يُرسَل لمواجهة الجيش العراقي في حَفْر الباطن . أما الرئاسة المصريّة لجامعة الدّوَل العربيّة فقد باتت خنجراً أمريكياً –إسرائيلياً – خليجياً في خاصرة كلٍّ مِن العراق وليبيا وسوريا على التوالي.
هكذا ، وعلى مَدى قرابة نصف القرن ، حَوَّلَتْ سياسةُ المصالح الأمريكيّة مِصْرَ أكبر دولة عربيّة إلى "كومبارس" على مسرح السياسةِ الدوليّة ، بَعْدَ أنْ جَعَلَتها تتخبَّط في الديون والبطالة (نسبتها حالياً12بالمائة) ، والجهل والفقر والإدمان على المخدرات بأنواعها ناهيكَ عن تفاقم الجرائم الاجتماعية والتطرّف الديني الإرهابي والتلوّث البيئي . ازاء كُلَّ ذلك ماذا تقدّم الولايات المتحدة ؟.
مكافأةً لهما وتشجيعا على المُضيّ قُدُما في إبرام اتفاقيات "كامب ديفيد" أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك" جيمي كارتر" (1978)عن تقديم معونة اقتصاديّة قدرها 3مليارات دولار أمريكي للكيان الصهيوني و1،2 دولار أمريكي لمصر ،تحوّلتْ إلى "هِبَة لا تُرَدّ" منذ سنة1982 . وتوزّعت المعونة / الهِبة إلى مصر بين 850 مليون دولار إعانة اقتصادية و1,3مليار دولار إعانة عسكريّة ، ولكن فعليّاً ستدفَع مِصرَ مِن سيادتها مُقابل هذه "الهِبة" ، بأن تُصْبِحَ أجواؤها مُباحَة لتحليق الطيران الأمريكي ، وبأن تمنحَ مئات البوارج البحريّة الأمريكيّة "تَصريحاتٍ على وَجْهِ السرعة" لعبور قناة السويس . ولا حقاً كانت تزيدُ الهبات الاقتصاديّة والعسكرية للكيان الإسرائيلي ، بينما تنخفَضُ الإعانة الاقتصادية لمصر إلى أن وصلت مبلغ 200مليون دولار قابلة لمزيدٍ مِن التخفيض.لكنّ الإعانة العسكريّة لمصر حافظت على ذات المبلغ : 1'3مليار دولار. فلماذا لم يشملها التخفيض؟. بالتأكيد السبب الأوّل هو إبقاء مصرَ مُقَيَّدَةً باتفاقيات كامب ديفيد ، فاللوبي الصهيوني داخل مؤسسات القرار الأمريكي هو الذي حرصَ على ثَباتِ هذه الإعانة كي لا تُقْدِم أي حكومة مصرية على "إلغاء اتفاقية السلام الإسرائيليّة – المصرية " وكي تبقى "إسرائيل" مُطمئنّة إلى أنّ أمْنَها في شبه جزيرة سيناء مَحْمِيٌّ بوحدات الجيش وقوى الأمن المصرية . كما أنّ حَصْرَ تسليح الجيش المصري بالأسلحة الأمريكيّة يُبقيه استراتيجيّاً تحت السيطرة "الاسرائيلية". وفي الوقت ذاته يكون مُجَهّزاً للتَّدَخُّل الخارجي في سياق سياسة المصالح الأمريكيّة . يُضاف إلى ذلك أنّ ثَمَّةَ داخل مؤسسات القرار الأمريكي مَن يَرى أنّ وَقْفَ الهِبَة العسكريّة لمِصرَ سيكون بمثابة " ضَربة قصيرة المَدى للشركات العسكريّة الأمريكية بما فيها شركة "لوكهيد مارتن" التي تصنع طائرات إف16، وشركة "بوينغ" التي تصنع طائرات الأباتشي ، والتي تتعاقد معها الإدارة الأمريكية في توريد أجزاء مِن المساعدات العسكريّة الأمريكيّة إلى مصر . ناهيك عن مُعاناة مُحتَملَة لعشرات الشركات الصغيرة والفرعية مِن عواقب اقتصاديّة مِن جراء ذلك".
ولم يتوقّف هذا التكبيل والتّهميش عندَ هذا الحدّ للدور المصري ، بل جاوَزَه إلى وَضْع الأمْنِ القومي ّ المصري على حافّةِ الخَطْر عندما بدأ حلف الناتو بغطاء ومساعدة أمريكيين يقصف ليبيا ويُدمِّر منشآتها كافّة على الحدود المصريّة، ويُنفِّذ المشاريع الغربية- الصهيونيّة لتقسيم ليبيا التي ستمسّ أيضاً الجغراسياسية المصرية وبالتالي السيادة الوطنية والأمن القومي المصريين.
وفي حسابات سياسة المصالح الأمريكيّة في عَهْد ّالرئيس "دونالد ترامب" سيزداد دَورُ مِصر هامشيّةً ، ذلكَ أنَّ أولويّات الرجل تنحصر في تقويةِ الاقتصاد الأمريكيلمُواجهة منافسة حادّة مع الاقتصاد الصيني ، ولتحريره ما أمكن من السياسة التقليديةلآلروتشيلدالتي ينفذّها معظَم حكّام الغرْب والتي كانت وراء مختلف الحروب الأمريكية عبر العالم ،ولذلك هُوَ لم يُخْفِ أنّهُ مَعنيٌّ باستعادة المليارات الأمريكيّة التي صُرِفَتْ على تلك الحروب. وفي هذا السياق يأتي تصريح "مايك بومبيو" وزير خارجيّة ترامب لقناة "العربيّة" يوم 13/01/2019بأنَّ السعوديّة "حليفٌ أساسي للولايات المتحدة" وبأن بلاده تريد" تحالفا وقوّة عربيّة قادرة على مُواجَهَةِ التحديات في المنطقة على اختلافها" ، ولا يَخْفى أنَّه هُنا يقصد مشروع "حلف الناتو العربي " بقيادةِ السعوديّة . وبالتالي سينحسر دور مِصر الإقليميّ أكثر فأكثر وَسَيُزَجُّ بجيشِها في حربٍ لا ناقةَ للمصريين فيها ولا جَمَل. فإذا كانت الحكومةُ المصريّة قد بَرَّرَتْ مُشارَكَتَها في "الحلْف البترودولاري الأعرابي-الإسرائيلي" ضدَّ فُقَراءِ اليمَن بذريعةِ مصالحها في باب المندب "كي لا يُؤثِّر الصّراع هناك على حركة المُرور والتجارة في قناة السويس التي تدرّ عليها 5مليار دولار أمريكي سنويّاً" ، فأيّ مصلحة لِلقاهرة في أن تكون جزءاً مِن حلْفٍ تُقيمه وتشرف عليه واشنطن وتسلّم الرياضَ دفّة قيادته لتمرير "صفقةِ القرْن" ليسَ فقط بإشعالِ حَرْبٍ عربيّة-إيرانيّة (ستبدو الحرب العراقية-الإيرانية مجرّد "بروفا" مُبَكِّرَة لها) ، وسيكون أقلّ نتائجها الكارثيّة إن نجحتْ في تدمير القوّة الإيرانيّة ، أن تبسطَ "إسرائيلُ" يدَها على المنطقة بأسرِها ، بل وأيضاً ستشمل مهامّ هذا "الحلف" الشيطانيّ التدخُّلَ في ليبيا (وربّما في الجزائر) ، وعندئذٍ لن تكون وحدة الأرض والشعب والسيادة الوطنيّة المصريّة في مأمَن مِن تداعيات كُلّ هذا الخراب القادِم إنْ لم يستدرك المصريّون ويبدأوا فكّ ارتباطِهِم بسياسة المصالح الصهيو أمريكيّة، فدائماً في الوقتِ مُتَّسَعٌ للتراجُعِ وَكَبْح جماح الاندفاع إلى الهاوية . فلم تَعُدْ أمريكا قطب السياسة الدوليّة الأوحَد ، وَيكفي أن ننزَعَ عن عُيوننا غشاوة إدمان التحديق المُنْبَهِر في الغَرْب حتى نُدركَ حقيقة أنَّ شَمس البشريّة كانت دائماً تَسْطَعُ مِنَ الشَّرْق بأنوارٍ أفروآسيويّة تارةً وأوراسيّةً تارَةً أخرى!.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.