نور الدين الطبوبي يلتقي نبيل القروي للحديث عن نتائج الانتخابات    أمريكا تعرب عن استعدادها للعمل مع الرئيس قيس سعيد    كرة السلة: نتائج مقابلات الجولة الثانية لبطولة القسم الوطني "أ"    حالة الطقس ليوم الخميس 17 أكتوبر 2019    تقرير خاص: تحذير من فيروسات جديدة ل«الڤريب» بسبب التغييرات المناخية الغريبة    ترامب: الأكراد ليسوا ملائكة وسنواجه تركيا بالعقوبات    بداية من الغد: برمجة قطار إضافي على خطّ أحواز تونس الجنوبيّة    قرارات مكتب الرابطة… 3 مباريات “ويكلو” للإفريقي وخطايا بالجملة    تونس في المرتبة 51 عالميّا في الأمن الغذائي    متابعة/اعترافات مدبر مخطط اغتصاب راقصة شعبية معروفة تدق ناقوس الخطر    أول رد فعل من كاظم الساهر علي شائعة وفاته    مرتجى محجوب يكتب لكم: عندما يضع رئيس الجمهورية قيس سعيد إصبعه على الداء    المروحيات الأردنية تساهم في إخماد حرائق لبنان    قريبا: برنامج ضخم للمواهب و''الكاستينغ'' عن طريق ''الفيسبوك''    شتم أمه.. لسعد الدريدي يشتبك مع مرافق الملعب التونسي    قيس سعيد يؤكد العزم على تفعيل كل القوانين الحامية لحقوق المرأة في تونس    شيرين تقرر "اعتزال" وسائل التواصل الاجتماعي    الهايكا تسلط غرامة مالية على إذاعة “اكسبرس أف أم”    تونس: حجز أدوية مخدّرة و مبالغ من العملة بقيمة تفوق 500 ألف دينار    وزير الثقافة يتعرض لوعكة صحية    المهدية: تقديرات بتسجيل صابة قياسية من الزيتون خلال موسم 2019-2020    محمد علي النهدي ل«الشروق»..الجيل القديم لم يساير التغيرات السينمائية    سيف الاسلام القذّافي يترشّح للانتخابات الرئاسيّة بليبيا: خليفة حفتر يعلّق    تونس تحتضن البطولة العربية الحادية عشرة للرماية بالقوس والسهم    مطالبة بنقل مباراة القمة من برشلونة إلى مدريد بسبب الاحتجاجات    (خاص) آخر كلمات الجزار الذي إنتحر امام زبائنه عن أشقائه ووالده...(متابعة)    توقف لحركة القطارات لساعات وحالة احتقان في المحطة الرئيسية بالعاصمة    قيادي ب"قلب تونس" : الإفراج عن الشقيقين القروي كان منتظرا وهذا المصير يتهددهما    فتحي جبال يبدأ مهمته الجديدة مع السي أس أس    فضاء مسرح الحمراء يفتتح الموسم الثقافي 2019 /2020 بسلسلة عروض لمسرحية قمرة دم    النجم الساحلي – كريم حقي : ” لا ارى نفسي قادرا على تنفيذ المشروع الذي جئت من اجله    صادق السالمي حكما لمواجهة الوصل الاماراتي والاتحاد السعودي    إستعدادت وزارة الصحة للوقاية من الأنفلونزا الموسمية    فرقة Gutrah sound System تجدّد العهد مع الجمهور الثائر و العاشقّ    مصالح الديوانة تحجز أدوية مخدرة ومبالغ من العملة وبضائع مهربة مختلفة بقيمة تفوق 500 ألف دينار    على عكس ما كان متوقعا.. فئة الناخبين بين 26 و45 سنة أحدثت الفارق في انتخابات 2019    الحكومة الإسبانية تهنّئ الفائز بالانتخابات الرئاسيّة قيس سعيد    فايا يونان في حديث خاص ل"الصباح نيوز": علاقة سحرية تربطني بالجمهور التونسي.. و"التوانسة" أصبحوا عائلتي الثانية    40 نزلا تضرّرت من إفلاس “توماس كوك” ووزير السياحة يدعو إلى إيداع الشكايات ببريطانيا    صندوق النقد الدولي يتوقع لتونس مؤشرات إقتصادية إيجابية    السكك الحديدية توضح حول شلل حركة القطارات    وزير الخارجية الأمريكي يهنئ الرئيس قيس سعيد    متعلقة به 48 قضية عدلية: تفاصيل القبض على شخص محل 08 مناشير تفتيش في جبل الجلود    لأوّل مرّة منذ تنحّيه: حسني مبارك يخرج عن صمته (فيديو)    أحمر شفاه مثالي ومتقن    كيف تخففين من الغثيان أثناء الحمل؟    نصائح عملية لنجاح حميتك الغذائية    التغذية المناسبة بعد إزالة المرارة    كميات الأمطار المسجلة في عدد من الولايات    22 قتيلا بانهيار أرضي في إثيوبيا    أفغانستان.. قتلى وجرحى في تفجير شاحنة مفخخة    حظك ليوم الاربعاء    اليوم: انطلاق التسجيل لاجتياز مناظرة الباكالوريا    توقعات ببلوغ 130ألف سائح بولوني في أفق سنة 2020    المكسيك: مقتل 15 شخصا في معركة بأسلحة نارية    تونس: زهير مخلوف يوضّح كل ملابسات قضيّة الصور “الخادشة للحياء”    هل يمكن الاستفادة من الفلسفة الغربية المعاصرة لتطوير بلادنا؟    حظك ليوم الثلاثاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم : يا حسرتاه
نشر في الصريح يوم 02 - 03 - 2019

ليت الشباب يعود يوما * فأخبره بما فعل المشيب. عُرف عن المتقدّمات والمتقدّمين في السنّ أنهم إذا دار الحديث عن الماضي ، وهم الذين كثيرا ما يثيرونه ، يتحسّرون ويتنهّدون ، ويكيلون ما استطاعوا من المديح لذلك الماضي المفقود ، ويثقلون الحاضر بكلّ العيوب والنواقص ، ما بطن منها وما ظهر، ويصفون صغار السنّ بكثير العيوب والنقائص ، فهم أبناء زمانهم وزمانهم مذموم. ولئن تعوّد المسنون مدح الماضي وتجميله ، ونقد الحاضروتحقيره ، فقد اعتاد من صغرهم سنّا ، وسمعهم " يهذرون " الضحك أو السخرية مما يقولون ، لئيمانهم الراسخ بأن زمانهم أفضل ، فهو أحدث وأجدد ، وسنة الحياة التقدّم ، والتقدّم عبر السّنين تطوّر وتجربة وخبرة ، علاوة على المُحدث من المخترعات والمكتشفات التي تساعد على الحياة ، حياة أفضل وأسهل وأثرى بالملذات والمستهلكات والمُرفهات. فمن المصيب ومن المخطئ من هذين المتقابلين ؟ هل المسنّون تصرّفوا بدافع الحنين والشوق لأيام الفتوة والشباب ، لمّا كان كلّ شيئ يعذب ويحلو، لخلوّ الذهن من المشاكل والمسؤوليات ، وتسخير كلّ شيئ للترفيه والتسلية واللّعب ؟ أم هم حقّا يؤمنون بأنّ ماضيهم وفّر لهم ما تتطلبه الحياة ، كما يرونها ويفهمونها ، وأنّ ما يشاهدونه ، وقد تقدّمت بهم السنّ ، مشكوك في صلاحيته ومنافعه ؟ وهل المعاصرون الأصغر سنّا ، أبناء وقتهم وزمانهم – كما يصفهم ويسميهم الآخرون – يعتقدون حقّا أنّ كبارهم مخطئين في مدح ماضيهم ، لأنّه لا يضاهي الحاضر بما أتى به من مستحدثات ، وتطورات ، وجديد مستحدث من التقدّم والتمدّن ؟
كنت ، حتى بعد أن تقدّمت بي السنّ أشواطا ، أُنسب إلى الصنف أو الفريق الثاني ، الساخر من إدّعاءات المسنين وثنائهم على ماضيهم ، إلى أن بادرني سؤال ثالث لم أترك فرصة تفوت إلا واغتنمتها لالتقاط ما يساعد على فهم هذا الفريق وذاك ، وتبيّن الحقيقة وبواعثها ، لاستخلاص العبرة والوقوف عند قاعدة أو طريقة لفهم الماضي والحاضر، وكيف يُحكم عليهما وعلى ما أتى به ووفّره كلاهما. أوّل ما وصلت إليه هو أنّ الفريقان ، الجانبان ، محقّان مصيبان ، والخطأ لدى الطّرفين كامن في التّعميم وجهل أو نسيان السّبب الأصلي الذي جعل هذا جميلا وذاك بشعا ، وهذا مقبولا وذاك مرفوضا ، وهذا مشكورا وذاك مذموما ، وأعني الثقافة المهيمنة على هذا العصر وذاك ، لأنها هي التي تُكيّف وتشكّل وتُصوّر الأمور والأحداث ، وبها وعبرها تُفهم ويُحكم عليها أولها. ثقافة هي مجموعة مبادئ ومفاهيم وقواعد كلامية وسلوكية ، هي معيار لتقييم الأفراد وتصنيفهم لا حسبا ونسبا فقط ، بل سيرة ، وتصرّفا مع النفس والآخرين ، هي مفهوم الخير والشر، والمباح والممنوع ، هي ، بصفة أعمّ وبتعبير معاصر، أشبه شيء بدستور غير مكتوب ولا حائز على الإجماع ، لكن محترم معمول به تلقائيّا من طرف الجميع ، مباح كل ما يؤتى داخل إطاره ، ومرفوض أو منتقد محكوم عليه ، ما يؤتى خارجه ومنافيا لمفاهيمه. تلك الثقافة هي القاعدة والطريقة والمفهوم الذي تُقيّم به الأفراد وسلوكهم. فالمرء رجل ثقة ، إنسان أمين ، ابن بيت ، لقمته حلال ، يأكل من عرق جبينه ، كريم يده " مفتوحة " مبسوطة ، أو هو لا يؤمن جانبه ، لا يؤتمن على شيء ، مجهول الأصل ، أكله حرام ، يعيش على كاهل الناس ، بخيل ليس في رزقه ما هو لله ، وهكذا.
قد يسأل أحد من الضاحكين ، الذين كنت منهم ، والساخرين من أقوال المسنّين وحسرتهم على الماضي فيقول: أيعني هذا أنه لم يكن في ذلك الماضي سوى ملائكة معصومين ؟ فالجواب حاضر واضح قاطع: لا وكلا وألف كلاّ. فالشر بشر في كلّ الأزمنة والبقاع ، وكما قال أحدهم : البشر ثلثاه شر. فالماضي والحاضر والمستقبل لم يخل ولن يخلو مما في الإنسان من خير وشر ، من حسنات وسيئات. فكان ويكون وسيكون المؤمن والكافر والعاصي ، الصادق والكاذب ، الصريح والمنافق ، الأمين والمحتال ، الحنون والقاسي ، المسالم والمعتدي ، وقس على ذلك ما طاب لك وشئت وعرفت مما تزخر به النفس والطباع البشرية. لكن هيمنة الثقافة التي أشرنا إليها تتحوّل إلى رادع مؤدب مهذّب فيقل السوء ويذبل الشرّ. فالبائع مثلا ، إذا خالف قواعد التجارة والبيع والشراء وغشّ ، شهّر به ضحاياه وأشاعوا تصرّفاته ، فينفر منه الناس فتبور تجارته ، فيغيّر ما بنفسه ، وإن لم ينته ، مآ له إلاّ الخسارة والإفلاس فيكون عبرة لغيره.
إنّ هذا يعني أن الأزمنة واحدة ، وما الفرق بين زمن وآخر إلا ما يأتيه فيه من عاشوه، فالمتحسّر على زمن يتحسّر على الذين صنعوه بخيرهم وشرّهم. فإن ساد الخير فالثقافة المهيمنة المسيّرة الموجّهة الحاكمة خيّرة حسنة ، وإن ساد الشرّ والفساد فما سبب ذلك إلا الثقافة ، التي لا تعني المعرفة ولا التعلّم والإطلاع ، بل هي ذلك الدستور الجماعي ، وتلك المفاهيم التي تتالت أو توارثت ، أو فرضتها الحياة ، بأحداثها ، المرّة الصعبة أحيانا ، فخلّفت دروسا وعبرا ، عمل بها الناس عموما. نصل هنا إلى زمننا الحاضرونسأل ، إن وجدنا مجيبا ، هل ما نحن فيه ، في حاضرنا ، كما كان يجب أن نكون ، أو علينا أن نتحسّر على الماضي وعلى ما فات ؟ نرجو ممّن يقرأ ما نحن كاتبون أن ينتبه إلى أننا لم نسأل إن نحن سعداء في هذا الحاضر أم لا ، بل أردنا معرفة مقدار تحقيقنا ما نحن قادرون على تحقيقه ، روحانيّا ، وفكريّا ، وعلميّا ، واقتصاديّا – زراعة وتجارة وصناعة وعملا - وتقنيّا ، وفنّيّا ، فوصلنا إلى ما كان يمكننا الوصول إليه أم بقينا قعودا بعيدين عنه ؟ إنّ العاقل لا يطلب ولا يطالب إلا بما هو ممكن متوفّرة شروطه ولوازمه. فداخل هذا الإطار نضع سؤالنا ونعيده بحثا عن جواب واقعيّ صادق صريح: هل نحن نحيى ونعيش كما بإمكاننا أن نحيى ونعيش ؟ هل وضعُنا وحالتنا هي أقصى ما بإمكاننا تحقيقه لأنفسنا ، حسب كلّ إمكانياتنا ومقدورنا والمعطيات ؟ إن جاء الجواب بالإنعام وجاء إيجابيا ، فليس بالإمكان أحسن مما كان ، وإلا فعلى الدنيا السلام. لأننا سنجبر إذن على فعل ما انتقدناه لدى الكبار المسنّين ، فنتحسّر على ما فات ونتنهّد ما أمكننا التنهّد والأنين.
لكن ، نقولها بكلّ إيمان ويقين وثقة ، إن وضعنا الحالي ليس هو كلّ وأقصى ما نحن قادرون عليه. إننا واثقون أنّ إمكاناتنا ، بما لأبنائنا من علم ، ومعرفة في مختلف القطاعات ، من فلاحية إلى صناعية ، مرورا بالتجارة وما إليها ، وباختصار في كلّ مجالات الحياة والإنتاج والعطاء ، ما يجعلنا نعيش أحسن من عيشنا الحالي ، وأن تكون أوضاعنا السياسية والإقتصادية والاجتماعية والثقافية ، بما تشمله من أخلاق وسيرة وتصرّف ومعاملة ، أحسن بكثير مما نخن فيه. ما الذي ينقصنا إذن ؟ أربع صفات أو خصال لا غير: الإرادة ، الإخلاص ، التآزر ، والواقعية. الإرادة أي العزم والتصميم على العمل لبلوغ غاية معيّنة . فالله عزّ وجلّ يقول: يا معشر الإنس والجن إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ، فانفذوا ، لا تنفذون إلا بسلطان." السلطان يبدأ بالإرادة تسنده القوّة والعلم والمال. تعزيزا وتأكيد لضرورة الإرادة هناك قول كريم يقول: لو تعلقت همّة المرء بما وراء العرش لناله. فعلينا ، إن أردنا إصلاحا أن نتسلّح بالإرادة القوية المصمّمة ، مشفوعة بإخلاص لما نريده ونسعى إليه. يقول المثل الشعبي : اليد الواحدة لا تستطيع التصفيق وهذا لعمري نداء صريح للتآزر والتعاون والعمل الجماعي. أمّا الواقعية فهي ترك الأحلام ، وطلب ما بالإمكان الوصول إليه لأنه كما قيل: إن أردت أن تطاع ، اطلب ما يُستطاع.
هذه بكلّ بساطة وسائل النجاح والخروج مما نحن فيه ، الخروج إلى ما هو أحسن وأفضل ، إلى غاياتنا الضرورية ، ولا سبيل لذلك إلا بترك كثرة الكلام والتصريحات والوعود ، ونبذ الشجار والتنافس غير الشريف وغير النبيل ، والشروع حقّا في العمل الخالص للعمل ولنتذكر: إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم.
هذه صيحة تريد لنفسها التعبير عن التحسر والتنهد والأنين والنقد وعلامات اليأس التي تكاد تعمّ شعبا بأسره ، عساها تقوم بدور المنبّه لاتخاذ الحذر والحيطة ، لأن الشعوب تُمهل ولا تهمل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.