خلال الأيام الخمسة الأولى من رمضان: تسجيل نحو 3400 مخالفة اقتصادية... التفاصيل    وزارة التعليم العالي: الصين تضع على ذمة طلبة الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي 20 منحة دراسية    منذ 1950: جانفي 2026 هو الشهر الأشد حرارة    عاجل/ وزارة الداخلية تفتح مناظرة كبرى لانتداب أصحاب شهائد عليا في هذه الاختصاصات..    تنظيم بعثة اقتصادية وتجارية إلى نيروبي    صادم/ طفل من مواليد 2010 يروج المخدرات داخل المعاهد..والقضاء يتحرك..    عاجل/ هذا موعد عيد الفطر فلكيا..    إعلام أسترالي: إجلاء رئيس الوزراء من منزله بسبب تهديد أمني    عاجل: بُشرى لمتقاعدي ال CNSS تنجم تجبد شهريتك ...كيفاش؟    جريمة شنيعة: فيديو توعوي يقود طفل العشر سنوات للاعتراف بتعرضه للاغتصاب..وتفاصيل صادمة..!    أسرار صادمة للممثلة المصرية غادة عبد الرزاق    السعودية تفتح التسجيل لحج 1447ه.. تعرف على الشروط والمواعيد الرسمية    المُغرب ماشي ويوّخر: شوف شقان الفطر اليوم وقتاش؟    شنوّة أفضل دعاء قبل الإفطار في رمضان؟    كنفدرالية القابلات تدعو الى تصحيح مسمى مهنة القابلة في الشهادات العلمية والوظيفية لما قبل سنة 2022    السجن لكاتبي محكمة من أجل هذه التهمة..#خبر_عاجل    مناظرة جديدة في قطاع الصيد البحري... فتح باب الترشح لموسم التن الأحمر 2026    وزارة الأسرة تعلن تمويل أكثر من 6600 مشروع وإحداث 12 ألف موطن شغل    خلال لقائه بسفير مصر بتونس: الدربالي يؤكد أهمية الدبلوماسية البرلمانية في دعم العلاقات الثنائية    عاجل : إحالة اللاعب الدولي حكيمي إلى المحاكمة بتهمة الاغتصاب...تفاصيل    أربع سهرات فنية ضمن الدورة الرابعة لرمضانيات القصر السعيد بباردو من 13 إلى 16 مارس 2026    المكتبة العمومية بطبرقة تنظم الدورة العاشرة من تظاهرة "أيام رمضان للمطالعة" من 02 الى 13 مارس 2026    دبارة النهار ال6 من رمضان..تنجم تكون هكا    عاجل: اليك حكم ماتش الترجي ونجم المتلوي    نحو الابقاء على بسام زنودة في خطة مدرب .. ولا صحة لتعاقدنا رسميا مع شمس الدين الذوادي (رئيس مستقبل سليمان)    ممثل مصري ''مشهور'' يُحال للتحقيق بعد الإساءة لرامز جلال    جمعية حكام كرة القدم تخرج عن صمتها .. وتهدد باللجوء للقضاء    المحكمة العليا والكونغرس يضيّقان عليه الخناق: هل بدأ مسار عزل «ترامب»؟    أبطال أوروبا: برنامج مواجهات الليلة من إياب الدور ال16    أعراض قرحة المعدة في رمضان... علامات لا يجب تجاهلها    بنات لالة منانة عاملين حالة في رمضان ...شنوا الحكاية ؟    مفاجأة حول علاقة الشيب بالتوتر النفسي.. دراسة علمية تكشف هذه الحقائق    بعد 33 عاما: مراكز الفنون الدرامية والركحيّة.. بلا انتاج !    بطولة كرة اليد: برنامج مباريات الجولة الثانية لمرحلة التتويج    نابل: حصص تثقيف صحي لتعزيز التغذية السليمة خلال شهر رمضان    عاجل/ تحذير للمواطنين بخصوص العمولات البنكية..انتبهوا لحساباتكم..!    تنبيه/ اضطراب ظرفي في توزيع مياه الشرب بهذه المناطق..#خبر_عاجل    الرابطة الأولى: رهان الصدارة واستعادة الانتصارات في مواجهة نجم المتلوي والترجي الرياضي    عاجل/ تحذير جديد من ترامب لايران..    تونس: المحكمة تحكم 20 حتى 30 عام على 3 أفارقة في شبكة تهريب كوكايين    الأهلي يتصدر البطولة السعودية مؤقتا بفوزه على ضمك    أجندا ليالي رمضان الثقافية والفنية في سهرتي 24 و25 فيفري 2026    عاجل: أمطار غزيرة مرتقبة... حالة جوية تستهدف المغرب والجزائر    فائض الميزان الغذائي يتجاوز 424 مليون دينار مع موفى جانفي 2026    تضاعف ثلاث مرات خلال 15 سنة: قراءة في تطوّر الناتج المحلي الإجمالي الاسمي في تونس مع أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي    أذكار الصباح الثلاثاء 24-2- 2026.. متفوتهاش    ارتفاع عدد المخالفات الاقتصادية خلال اليوم الرابع من شهر رمضان ب 2،3 بالمائة مقارنة بالعام الماضي    انطلاق التجنيد 2026... من هم المعنيون ومتى يبدأ التسجيل؟    بعد الجدل... ''سوم'' الدجاج والاسكالوب رسميًا يتحددوا    تستعمل فيها كل يوم في الكوجينة متاعك..تخبي ورائها برشا مخاطر    قائد منتخب المغرب يعلن اعتزاله اللعب دوليا    طقس اليوم: ارتفاع طفيف في درجات الحرارة    يهم محبي الظواهر الفلكية.. أنتم على موعد مع "القمر الدموي" في هذا التاريخ..    البريد التونسي يحذّر من عمليات تصيّد تستهدف بطاقات الدفع الإلكتروني ومحافظ «Wallet e-Dinar»    بريطانيا.. الإفراج عن السفير البريطاني السابق بيتر ماندلسون بكفالة بعد اعتقاله بإطار قضية إبستين    مقتل "إل مينتشو" يشعل المكسيك.. 10 آلاف جندي لاحتواء العنف    تقديم طلبات التزود بشكل مسبق    رمضانيات بيت الشّعر في 10 ولايات انطلاقا من 25 فيفري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم : الأصول الأصول فالزمان يطول / سؤال استعصى جوابه
نشر في الصريح يوم 20 - 04 - 2019

صدق مثلنا الشعبي القائل: " الرجال تتلاقى والجبال ما تتلاقاش ". نعم الناس يلتقون أما الجبال فلا. حضرني هذا المثل قبل ايام وأنا في بلدة بشمال إسبانيا ، لا ينقصها جمال ولا سحر ، زرتها لا لأملأ البصر والرئتين ، وحتى المعدة ، بما حسن وصفا ولذّ وطاب ، بل لأداء واجب ليس إلا. رافقني الطقس بلطافته ، فصفت السماء وأرسلت الشمس ضوءها فبدا اليوم ربيعيا ممتعا. تهت قليلا فلم أجد العنوان المقصود فاضطررت إلى الاسترشاد وطلب العون والتوجيه. كنت ، عندما تأكدت من ضلالي ، قرب ساحة صغيرة بها مقاعد خشبية مستطيلة وضعتها البلدية لمن يريد الاستراحة. جلس على أحد تلك المقاعد أربعة رجال مسنّين ، يتشمّسون ويتبادلون آخر الأنباء الاجتماعية والسياسية ، وآخر الطرف المضحكات. قصدتهم ، فحييت ، فردّوا السلام فسألتهم ، فارشدوني ، فشكرتهم وودّعت. ابتعدت أمتارا وإذا بأحدهم يقف ويناديني فالتفتّ وإذا به يسألني : معذرة يا سيّدي ، من أيّ بلد أنت ؟ إن لم يكن في سؤالي حرج أو تطفّل. قلت لا ، بل بالعكس ، أنا من تونس. لم أكن أنتظر ولا أتصوّر أنّ اسم وطني ومسقط راسي سيكون له ذلك التاثير في بلدة مثل تلك. رايت الرجل يتقدّم نحوي بخطى ثقيلة ، فاسرعت إليه ، وإذا به يكاد يعانقني. سلام بحرارة ، وضغط على اليدين ، وقادني ، بل جرّني تقريبا ، نحو جلسائه وهو يقول ، بصوت فيه من السرور ما يعدي ، ومن التعبير ما يغني ، هذا الرجل من البلد الذي كثيرا ما حدّثتكم عنه. ثمّ التفت إليّ يسألني: " ما الذي اصاب تونس ؟ " فاجأني التصرّف وأدهشني السؤال ، فلاحظ الشيخ حيرتي فابتسم واعتذر وقال " كأنك على موعد ، واحترامه بدقّة من شيم الكرام ". شكرته على تفهّمه ووعدت بالعود إليه وإلى رفاقه ، بعد قضاء حاجتي ، كما أعد قارئة وقارئ هذه الأسطر بمواصلة سرد قصتي مع هذا الشيخ ، بعد الانتقال إلى إيطاليا.
كنت بروما في مستهل الخمسينات من القرن الماضي ، بينما كانت تونس تغلي كالمرجل ، على أهبة الاندفاع في معركة الاستقلال ، وكنّا نبحث عن المساند والمعين في كلّ مكان وأوان. كان لي لقاء مع نائب برلماني ينتمي إلى الحزب الإشتراكي ، سبق أن زار تونس صحبة رفيق في مهمة ، وبها تعارفنا. أنهينا ما علينا ، وعندما أردت الإنصراف قام فرافقني إلى الباب واستوقفني قائلا أوناصحا :" أظنّ أنك لا تخسر شيئا إن سعيت للقاء فلان ، رئيس الحزب كذا ، فهو فعّال وقريب من رئيس الحكومة الكثير العمل برأيه." ودّعته شاكرا وفي نفسي شكّ وتساؤل حول ما اشار به عليّ ، لأنّ الحزب صغير ، وسياسته يمينية ، كي لا أقول فاشستيّة ، وهذا كافٍ لألاّ أنتظر منه ما نحن باحثون عنه ، فأبعدت الإقتراح وأهملت الاحتمال. كلّ هذا وأنا نازل أدراج المبنى الذي به مكتب النائب البرلماني النصوح. لكن ، ما أن غادرت المبنى ومشيت خطوات ، حتى عاودتني النصيحة وما جاء في قول مبديها من " أنك لا تخسر شيئا إن ..." لذا ، وبما أنّي سوف لا أخسر شيئا ، فكما قال الأوّلون: فاز باللذة الجسور.سأحاول العمل بنصيحة الصديق.أوقفت سيارة أجرة وأعطيت السائق عنوان وجهتي ، وجعلت أعدّ طريقة طلب الموعد. لكن ، ما أن أدليت باسمي وبرغبتي ، حتى دعيت للجلوس والانتظارالذي حسبته طويلا فجاء قصير. لم تمض إلا خمس دقائق حتى وقف عليّ مباشر بزي رسمي ، يدعوني لمرافقته فالسيد الرّئيس ينتظرني. استقبلني واقفا خارج مكتبه ، بحرارة وبشاشة ، ثمّ أجلسني وأمطرني بوابل من الأسئلة والتوضيحات عن تونس والحركة وكيف ننوي مواصلة الكفاح وأسئلة كثيرة صعبت عليّ الإجابة عنها أحيانا. انتهى الإمتحان بوعود صريحة واضحة دقيقة، وكان الفوز من نصيبي. قبل الإنصراف ، طلب منّي عنواني بروما فناولته إياه وانسحبت منتصرا جزلا مسرورا.
كلّ ما سردته حتى الآن ، ليس إلا تمهيد لما سيأتي ، لأنه الموضوع المقصود. فالسيد الرّئيس هاتفني مساء اليوم التالي ، يدعوني لتناول الشاي بمنزله ، إكراما للتونسي ولأنّ أخته ترغب التعرّف عليّ. استجبت شاكرا ، فجاء يوم غد ، وأتى بسيارة لتحملني إلى بيت السيد الرئيس. اشتريت في طريقي بعض الزهور، وبعد قرابة النصف ساعة ، كنت بالبيت حيث استقبلت استقبال القريب العزيز ، بكل حفاوة وتكريم ، من طرف السيد الرئيس وبأحرّ منه ، من طرف أخته. سيدة ذات قوام وبقايا جمال ، ناهزت الخمسين ولم تبلغ الستين من عمرها ، تبتسم لي ابتسامة لا تزال ساحرة ، وتقول بلسان تونسي فصيح:" مرحبا بيك يا خويا العزيز! أقعد ، أقعد واحكيلي." أخرستني المفاجأة مثلما سرّتني ، ولاحظ الأخ الرئيس ذلك فقال ، هو ايضا بلسان تونسي ، أرجو العفو إن لم أطلعك على هذه الحقيقة ، كي لا أخلط بين الواجب والعمل ، وبين ما هو شخصي. فنحن من نزلاء بنزرت. صاحت الأخت تقول: " لا ، أنا بنزرتية." ثمّ انهالت عليّ باسئلة استعصت عليّ أحيانا إجابتها. فمن كيف هي بنزرت الآن ، وهل لا يزال أهلها يطبخون هذا الطبق أو ذاك ، وهل نساؤها لا يزلن يستعملن " الزينة " التقليدية (حمير، كحل ، سواك ، حرقوس ، حناء ، شنادر، وأسماء أخرى لا أعرفها ولم أسمعها من قبل ) إلى أن جاءت المفاجأة الختامية. كنت أدخن سجارتين أو ثلاثا يوميا ، فأجبرني تشنج أعصابي بسبب المفجأة والحيرة والتساؤل ، فأخرجت العلبة من جيبي واستأذتها في التدخين ، لكن بدل إجابتي قالت بصوت فرح مرتفع:" أرتي ، أرتي " – هكذا كان يسمى شعبيا ذلك النوع من السجائر- فمددت يدي وناولتها العلبة. أخذتها بيد مرتعشة وجعلت تشمها وتستنشق رائحتها ، وأنا ألاحظ ملامحها وتأثرها وترقرق الدموع في عينيها. كان مفعول السجائر أقوى من مفعول الزهور التي قدمتها لها ، مع أنها لا ولم تدخّن. لكن كأن رائحة التبغ ارتبطت في ذاكرتها بتونس ، ببنزرت تحديدا ، ولو أنها سألت عن غيرها من المدن والقرى.
ليس بوسعي وصف حالتي النفسية ووضعي كزائر أو ضيف. التفت إلى أخيها فرأيته متأثرا هو الآخر شديد التأثر، يتنهد من حين لآخر، وكأني به يحبس دموعه حياء. خرجت السيدة وعادت مسرعة لتسال أخاها إن كانت له التزامات تلك الليلة ، فأجاب بأنه تحرّر من كلّ الإلتزامات آملا أن يؤنسنا الضيف الشاب فنتعشى ونسهر معه. لهذه الغاية بالذات سألتك والتفتت لي سائلة " تونّسنا تتعشى معانا يا سي محمد ؟ " أمام تلك الطيبة ، والعفوية ، وشديد الشوق لكل ما هو تونسي ، لم يكن في وسعي إلا القبول. زاد السرور ، واستدعي اثنان من أعضاء الحزب ، فكان عشاء وسهرة ، نجمها تونسي ، وموضوعها الأساسي تونس وأحوالها. سهرة أثلجت القلب بقدر ما أنهكت الفكر والذاكرة والمشاعر. أسئلة واهتمام الرجال الثلاثة أغلبها سياسية ، وأسئلة السيدة اجتماعية وتقليدية. سئلت وأجبت ، بما استطعت من وضوح وصدق ، عن الحزبين (القديم والجديد) وعلاقتهما ببعضهما ، وبغيرهما ، حركة المقاومة تركيباتها ، جديتها، موقف الشعب منها ، من القادة ، تأييد المنظمات غير السياسية أو تقاعسها ، وباختصار: صورة مكتملة عن أوضاع تونس ، انتهت ، بعد أن انتهكت قواي ، بتكهن الحاضرين نسبة نجاح مقاومتها ، وتخلصها من المستعمر، فكانت نسبة مرتفعة جدّا وختم مضيفي قائلا:" إن كانت الحالة والأوضاع كما وصفت ، لا شك في انتصاركم وأراه قريبا." ثمّ وعد بالتأييد والمساعدة ولم يخلف وعده.
رحمتني السيدة اللطيفة بمساعدتها ، عندما لاحظت تعبي ، فأنقذتني منهم بأسئلة لا تحتاج إلى حذر أو حيطة ، ولا لزوم فيها لتفسير أو شرح. مثل السؤال عن محبس النعناع والحبق على مائدات المقاهي ، ومشموم الفل والياسمين والتنوّع في تشكيله فنّيا ، وعن اللبلابي والهرقمة إلى أن جاء دور الغناء ، فترنّمت هي في شبه همس: لا أله الاالله والفرح واتانا * كل من عادانا جانا وهنّانا * ثمّ رجتني أن أغني لها أغنيتين لشافية رشدي كنت ، من حسن حظي ، أعرفهما ولو جزئيا. فها أنا أنقلب إلى مطرب صفق لي جمهوري بحماس: تسفر وتتغرب * تحضر والا تغيب * قد ما تدور وتجرب * ما تلقاش حبيب * والثانية : إنت جفيتي جبدت روحك مني * طريق السلامة وخاطري متهني *
هل كان الاستحسان والتصفيق لي أم لتونس ؟ أعتقد بكل صدق أنه لها لأني شعرت ، بصدق وإيمان ، أن الأخوين كانا يحبان تونس أكثر منّي. فحبّي ، إن وجد ، طبيعي فهي أرض الأجداد ، ومسقط الراس ، ومرابع الطفولة والصبى. أما بالنسبة لهما ، ولو عاشا أو حتى ولدا بها ، فما هما إلا كالطفيليات وأكبر دليل إقدام السلطات الاستعمارية على طردهما وإرجاعهما إلى وطنهما. عادا ورجعا ، لكنهما أخذا معهما تونس بين جنبيهما. أليس هذا أنبل وأجمل من وطنيتي ولو صدقت ؟ سأعود إلى البلدة التي التقيت فيها بشيخ سألني عن تونس وأواصل سرد ما بدأت به هذا الحديث لكن في المقال المقبل. فللحديث بقية إن طال العمر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.