الخبر ليس مزحة ولا أمنية يرجوها البعض أن تتحقق في يوم من الأيام لنجد المشايخ وكل المهتمين بالشأن الديني من أئمة المساجد ورجال الفكر والتأطير الديني يذهبون إلى المسارح لمشاهدة مسرحية من المسرحيات أو عمل إبداعي على الركح وإنما الخبر هو حقيقة واقعية حصلت منذ أيام في إطار مبادرة مشتركة بين وزارة الشؤون الدينية والفنان رؤوف بن يغلان مدارها عرض مسرحيته " إرهابي غير ربع " التي لم تلق من الاهتمام ما تستحق على أهميتها باعتبارها تعالج موضوعا حارقا وقضية راهنية لا تزال تشغل بال المجتمع وتقلق الدولة وكل الحكومات المتعاقبة وقد جاء عرض هذه المسرحية في العديد من جهات البلاد وبحضور ائمة المساجد في إطار استراتيجية جديدة ومقاربة مختلفة تتبناها وزارة الشؤون الدينية لمعالجة ظاهرة الارهاب ومقاومة الفكر المتطرف والعنيف تقوم على التصدي للظاهرة الارهابية من خلال المعالجة الفكرية والمقاربة الثقافية والتربوية على اعتبار أن كل المقاربات الأخرى مفيدة ومهمة ولكن المعالجة الثقافية والفكرية هي الأجدى والأولى حتى نحقق نتائج واضحة في موضوع الارهاب على اعتبار أنه يوجد اليوم فكر ديني وثقافة اسلامية حاضنة للإرهاب و ثقافة دينية منتشرة هي المدخل الأول في جعل الكثير من الشباب يتحولون من شباب عاديين إلى شباب متعصب ومتطرف دينيا وتجعلهم ينتمون إلى الجماعات الارهابية من وراء اعتقاد ديني متطرف فالإرهاب في البدء كان بنية فكرية تتيح انتاج الارهاب وتصدره وهذا فعلا ما أكده تنظيم داعش الذي تم الاعلان عن القضاء عليه بفعل التحالف العسكري لكن الفكر الحاضن والثقافة التي تشجع عليه لا تزال موجودة ومستمرة. ومسرحية إرهابي غير ربع كما يوحي به عنوانها تريد أن تقول إن الارهاب عقلية وأن التطرف الديني ثقافة وإن المغالاة في الدين فكر قبل أن يكون ممارسة عنيفة وأنه إذا بقى لدينا حيز من الزمن حتى وإن كان ربع ساعة في حياة هذا الشاب قبل أن يحصل له المنعرج والتطور الخطير فإنه علينا أن لا نتردد في بذل الجهد من أجل اقناع هذا الشاب حتى لا يصبح متطرفا وحتى لا ينتمي إلى الجماعات السلفية المقاتلة وثنيه عن الالتحاق بجبهات القتال للحرب باسم الدين وذلك بالاعتماد على الحوار الفكري والنقاش الديني فالمقاربة الأمنية مهمة والحل العسكري مفيد والمعالجة الاجتماعية الاقتصادية التي تبنى على تحقيق التنمية في الاماكن المهمشة والمنسية والأحياء الفقيرة وعلى محاربة الفقر والبطالة وظاهرة الانقطاع المبكر عن الدراسة ضرورية لمنع المقصيين اجتماعيا من أن يختاروا الحل الفردي لمعالجة مشاكلهم ومن خارج إطار الدولة ودون اللجوء إلى الحل الجماعي بعد أن حصلت الخيبة لهؤلاء الشباب تجاه الدولة الوطنية التي تأسست بعد الاستقلال وبعد خروج الاستعمار بعد أن تم استبعادهم من اهتمام السياسات الحكومية وتهميشهم وعدم الالتفات إليهم وإيجاد الحلول لمشاكلهم الحياتية. ولكن رغم أهمية الحل الأمني والعسكري وقيمة المقاربة الاجتماعية الاقتصادية فإن المعالجة الفكرية الثقافية التربوية للظاهرة الارهابية هي المعالجة الأجدى والأقدر على تفكيك الظاهرة والأجدر بفهم التطرف الديني و مقاومة العنف باسم الدين فالإرهاب الديني مداخله كثيرة منها ما هو سياسي يدفع إليه الاستبداد في الحكم وشعور الفرد أن دولته لا تمثله ولا توافقه في مشاغله وأنها قد همشت الدين ولم تطبق الشرع من خلال تحويل الشريعة إلى قانون، ومنها ما هو اجتماعي واقتصادي من خلال تخلف الدولة والحكومات المتعاقبة عن حل معضلة الفقر والبطالة والتهميش الاجتماعي وعجزها عن تحقيق عدالة اجتماعية وتنمية عادلة، ومنها ما هو ثقافي وديني تدفع إليه عقلية تربت على ثقافة دينية متطرفة وتشبعت بأفكار أسست على فهم متطرف للنصوص ومجانب للفهم الموضوعي لآيات الوحي كما فهمت وطبقت في تجربة الاسلام المبكر. إن هذه البادرة التي جمعت إئمة المساجد وشخصيات فكرية تنشط في الحقل الديني وشخصيات أخرى من المجال السياسي والإعلامي إلى جانب الشباب وجمعيات المجتمع المدني برؤوف بن يغلان لحضور مسرحيته " ارهابي غير ربع " لتشفع المسرحية بحوار مفتوح بين الجمهور والأئمة والحاضرين للمحاورة حول المفاهيم والمصطلحات الدينية وللاستماع الى الردود العلمية على الخطاب الذي تتبناه الجماعية الارهابية والتي تقدمه على أنه هو وحده حقيقة الاسلام وحقيقة الدين والوقوف على تفنيد كل حججهم التي يبررون بها تصرفاتهم وسلوكهم العنيف الذي لطخ الديني الاسلامي والصق به شبهة القتل وتهمة التطرف. ما أردنا قوله هو أن ما يحصل اليوم من شراكة بين وزارة الشؤون الدينية والممثل رؤوف بن يغلان من خلال هذه المبادرة التي فكر فيها من كان وراءها لتوظيف الثقافة والفكر في مقاومة التدين العنيف ومحاصرة الظاهرة الارهابية هو الطريق الصحيح والسليم لتخليص بلادنا من هذه الظاهرة وثني الكثير من الشباب الذي يفكر في الانتماء الى الجماعات الدينية العنيفة عن عزمه بعد أن تطرح أمامه مقاربة دينية مختلفة عما تقدمه هذه الجماعات وثقافة إسلامية مختلفة عن الفكر الذي تنشره . ما أردنا قوله هو أن الحل الأمني والحل السياسي والحل الاجتماعي الاقتصادي هي حلول غير كافية للقضاء على الارهاب في ظل بنية فكرية وثقافة دينية تنتج وتفرخ وتعيد انتاج الارهاب. فقد نوفق في القضاء على هذه الجماعات الارهابية من خلال الحل الأمني والعسكري ولكن لن يحالفنا التوفيق في ضمان أن لا يعود من جديد وأن لا يفرخ عناصر أخرى بعد فترة من الزمن طالما أننا لم ننه مع الحاضنة الفكرية له وطالما أن الوعاء الفكري لا يزال موجودا ومستمرا .. فقط علينا أن لا ننسى أن العناصر التي كانت وراء العمليات الانتحارية التي جدت مؤخرا في سريلانكا والتي خلفت الكثير من القتلى وأضرار جسيمة في المباني كانوا شبابا ينتمون الى عائلة ثرية وميسورة فمن الذي دفعهم إلى تبني هذه العقيدة التي تقوم على تفجير النفس وقتل الاخرين باسم الدين ؟ من أجل ذلك كانت مسرحية إرهابي غير ربع مهمة في فهم الإرهاب وفي وضع الاستراتجيات الحقيقة لمقاومته.