تونس تحتضن "منتدى تكنولوجيا المعلومات في قطاع الصحة 2026" يومي 5 و6 ماي القادم    **الولايات المتحدة: مقتل شاب مصري بإطلاق نار داخل مقر عمله بولاية نورث كارولينا**    رابطة الأبطال الإفريقية: الترجي والأهلي في قمة واعدة برادس لخطوة أولى نحو المربع الذهبي    كميات الأمطار المسجّلة خلال ال 24 ساعة الأخيرة    طقس اليوم السبت : أمطار و رياح...و هذه التفاصيل    عاجل - تونس: تساقطات ثلجية في الليلة الفاصلة بين الاحد و الاثنين    أذكار الصباح اللى تبدا بيهم نهارك    سجدة التلاوة في القرآن.. ماذا تقول عندما تسجد؟    بعيدا عن القهوة ومشروبات الطاقة.. مشروب طبيعي يعزز التركيز    مبادرة تضامنية من أحباء النادي الإفريقي في شهر رمضان    المنتخب الكندي يفقد أبرز نجوم في مواجهة المنتخب الوطني التونسي الودية    مهاجم المنتخب الوطني يصنع الحدث مع فريقه    الجامعة التونسية لكرة السلة تتخذ جملة من القرارات الصارمة    ارتفاع عدد قتلى الجنود الأمريكيين إلى 13    إيران تهدد برد واسع إذا استُهدفت منشآتها النفطية    المعادلات الكبرى الجديدة في المواجهة الكبرى بين النظام الصهيو - أمريكي ومحور المقاومة    كيان الاحتلال يقصف مقرا لقوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان    قضية مكتب الضبط برئاسة الجمهورية.. الدائرة الجنائية تصدر حكمها ضد عبير موسي ومريم ساسي    في ليلة المتاحف: التراث يضيء ليالي رمضان    عاجل/ زيادة مرتقبة في أجور الموظفين.. ووزير الشؤون الاجتماعية يتعهد..    أعلام من تونس ... أسد بن الفرات 142 ه 213ه    معالم ومواقع .. (المحرس) ماجل الكرمة .. .عمره أكثر من 1500 سنة    بطولة القسم الوطني "أ" - النجم الساحلي يرفض خوض المباراة المعادة ضد الترجي الرياضي    بعد رشق القطار بالحجارة: الحكم بإصلاحية لمدة 6 أشهر للمتورطين    أهم العلامات اللي تقوللك الولادة قربت    أسئلة رمضان . .يجيب عنها الأستاذ الشيخ: أحمد الغربي    عاجل: شوف شكون معلّق ماتش الترجي والأهلي    القيروان الشبيكة ... حجز 11 طنا من الفارينة المدعمة داخل منزل    من أجل جرائم مالية .. 11 عاما سجنا لرضا شرف الدين    التجشؤ الفارغ في رمضان: الأسباب والحلول    سيدي بوزيد .. وزيرة المرأة تفتتح مؤسستين جديدتين للطفولة والمقرّ الجديد للمندوبية الجهوية للمرأة    مناقشة إحداث بنك بريدي    طقس الليلة كيفاش باش يكون؟    عاجل-سفارة تونس بالرياض: تجاوب سعودي فوري مع 235 طلب تأشيرة اضطرارية    سيدي بوزيد: إعادة فتح قسم الطب العام بالمستشفى المحلي بالرقاب بعد الانتهاء من أشغال ترميمه    عاجل/ ينشط بين هاتين الولايتين وبلد مجاور: تفاصيل الإطاحة بوفاق لترويج المخدرات..    هيئة السوق المالية: ترتيب جديد متعلق بضبط التدابير التطبيقية في مجال مكافحة غسل الاموال وتمويل الارهاب وانتشار التسلح    توننداكس يتراجع ب 0،55 بالمائة في إقفال الجمعة    علاش أخفى الله موعد ليلة القدر؟    البنك العربي لتونس (ATB) و"Visa" يطلقان مسابقة كبرى: في الطريق إلى كأس العالم لكرة القدم 2026TM    عاجل/ الأولوية لهؤلاء: رحلة مباشرة من الدوحة إلى تونس..وهذه التفاصيل..    عاجل/ هذه حصيلة ضحايا الطائرة الأمريكية التي تم استهدافها في العراق..    تأجيل محاكمة المتهمين في ملف ''التسفير 2'' لجلسة 24 أفريل    عاجل/ سفارة تونس بالكويت توجه نداء هام للجالية التونسية الراغبة في العودة..    قبلي: انطلاق تظاهرة ليالي سوق الأحد الرمضانية    الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة يؤكد أهمية تعزيز الشراكة مع البنك الإسلامي للتنمية    إحباط محاولة تهريب قرابة 13 ألف قرص من مخدر "لريكا"..#خبر_عاجل    افتتاح الدورة الرابعة لتظاهرة "بيبان المدينة"... رحلة رقمية تفاعلية بين معالم المدينة العتيقة بتونس    تونس تستعد للدورة الثالثة للمهرجان الدولي للطائرات الورقية بمشاركة 17 دولة    النساء الديمقراطيات تنعى نائلة السليني    سلاح وابتزاز رقمي: جهاد الشارني يكشف الحقيقة وراء الشاشة    عاجل : الغرفة الوطنية لتجار الدواجن تُحذر من احتكار لحم الدجاج    الخطيفة الحلقة الأخيرة: يوسف يعود لحضن أمه الحقيقية بعد 25 سنة.. ونهاية بكات التوانسة    عاجل/ في أول رد له: ترامب يوجه هذه الرسالة الى خامنئي..    عاجل/ منخفض جوي بداية من هذا التاريخ..وهكذا سيكون الطقس خلال العيد..    عاجل : بالفيديو ...نعيم السليتي يفاجئ الجمهور التونسي بهذا القرار و هذه الرسالة    الجمعية التونسية لطب الكلى تنظم الأبواب المفتوحة حول التحسيس بأمراض الكلى    التبييض العشوائي للأسنان: غلق مراكز غير مؤهلة وإحالة ملفات للقضاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد المحسن يكتب لكم : على هامش مسيرة العودة الفلسطينية
نشر في الصريح يوم 21 - 05 - 2019

حين ينتفض -الحجر الفلسطيني- على حالة الإستنفاع السياسي والإجتماعي وحتى الثقافي في الوطن العربي التي أرادت الملابسات السياسية تكريسها..

الإهداء (حتى لا ننسى): إلى الفتاة الفلسطينية الجاسرة عهد التميمي التي صفعت الجندي الصهيوني أمام الكاميرات وغدت السلاح الأقوى لدى الفلسطينيين..

أليس الفرق واضحا بعد أكثر من نصف قرن يعيش الغاصب الدموي تحت وطأة الخوف،ودون هوية،بينما يستطيع العربي الفلسطيني أن يشعر بالفخر بهويته،ويجسّد إنتصار الإرادة الإنسانية،إرادة الحياة على آلة الموت والإقتلاع،وكلما مرّ الوقت يكتشف قواعد جديدة للإجابة على سؤال البقاء والإستمرار..والتحدي؟!–
..هل يرقى الحبر إلى منصة الدّم،أو يتعالى الحرف على الميدان..وهل بإمكان الكلمات أن ترقى إلى مرتفعات الظاهرة الفذة-الإنتفاضة..؟
أم أنّ هذه الأخيرة جرّدتنا من أدواتنا اللغوية والبلاغية جميعها،وأوقفتنا عراة أمام حقائقنا المرّة،بعد أن فقدنا رشاقة الإستشعار ولامس وجوهنا رذاذ الدّم !؟
ليست هذه الأسئلة قاسية،أو عصية على الجواب غير أنّ الجرح من العمق بحيث لم تعد تنفع معه الكلمات.
لذا سأصارح:
على غفلة من الزمن ولد جيل من الفتية المشمرين عن سواعد مغذاة بشمس البلاد،يرجمون الغدر ويقتحمون بعناد شديد مدارات الزمن.لقد أسقطوا من حساباتهم-الأبويات السياسية والإجتماعية وسائر تربويات الوصاية-ليفسحوا المجال لضوء قد يصير غدا وطنا جميلا..
على غفلة من عين الجلاد ولد شعب كامل من الأطفال الذين يتقاذفون الموت بينهم..تسللوا من خلف دخان الجنون لقيموا أعراسهم على حواف المقابر..أعراس مجلّلة بالسواد..ومحسوبة بكلفة مرتفعة من الدّم.
سأصارح ثانية:
منذ بدء -الإنتفاضة-ضد قرار ترامب الأهوج،تجلى المشهد دراميا ورهيبا حيث كشف صراعا حضاريا بين الجندي والطفل،بين القميص الواقي من الرصاص والصدر العاري،بين الرصاصة والحجر،وبين النجمة السداسية والكوفية الفلسطينية.وفي ثنايا هذه التداعيات كان-القاتل-يلهث خلف حدود دهشته،ويواري صدمته بالأطفال الذين كانوا مرشحين لأن يمثلوا “جيل النسيان” فإذ بهم يمتلكون ذاكرة مفعمة بتفاصيل الوجع،ذلك أنّ جراح آبائهم ظلّت تنزف أكثر من نصف قرن من عمر الإحتلال والنكبة،لذا قد حان الوقت ليعيدوا لمعنى الإستشهاد سمعته العطرة عبر إحداث الصعقة في جدار الوعي اليهودي.
ماذا يعني هذا؟
هذا يعني أنّ الحجر الفلسطيني ما فتئ يهاجم الراهن الإسرائيلي،يرجم الوعي العربي،يخلخل الضمير العالمي ويخلق تحديات سياسية جديدة على كل مستويات الحديث عن المسألة الفلسطينية والقضية العربية.
إنّه-حجر-ينتفض على حالة الإستنفاع السياسي والإجتماعي وحتى الثقافي في الوطن العربي التي أرادت الملابسات السياسية تكريسها.لذا،انصهر الخارج الفلسطيني في الداخل،ليصوغ معادلة جديدة يذكّر فيها الخاص الفلسطيني العام العربي بإنسحابه وسلبيته..
هناك لا تكافؤ عبثي بين الدبابة الإسرائيلية العمياء والحجر الفلسطيني الأخرس،بين الصمت العربي المتخاذل والصوت الفلسطيني المجلجل.
وهذا يعني كذلك أنّ الغضب الفلسطيني العارم في فلسطين المحتلة فجّر مناخا جديدا في مسيرة النضال الفسطيني ضد العدو،وأعلن تبعا لكافة التحديات عن ولادة جيل جديد وسر نضالي مغاير.إنّه يقظة المكان في المكان وثورة الوطن في الوطن،مما جعله يستفز اللحظة الفلسطينية العربية ويخلخل ركائز أكثر من مخطط.فالحجر كعنصر ثابت،تحوّل مع هدير المد الفلسطيني الجارف إلى عنصر متحرّك ليمنح الرفض الفلسطيني مداه وصيرورته.
أليست هذه إذن مفارقة يعاد من خلالها النظر في البديهيات حيث الثابت يصبح متحركا،وحيث الحركة تغدو أكثر تحركا بفعل عنصر ثابت وبفعل الإصرار الإنساني على رفض حقيقة الإحتلال بالعودة إلى أن تحتل الحقيقة مكانها محل الإحتلال..؟
أقول هذا،لأنّ المشهد الفلسطيني بات ينسج حقيقته بكثير من المعاناة والألم فيما يعبّر الوعي السياسي العربي عن إنحساره بكثير من البطء والإنفصام،يحصل هذا في الوقت الذي تدعو فيه -الإنتفاضة-الفلسطينية الثالثة الإنسان العربي إلى التناغم أكثر مع ذاته والتصالح مع عناصر المقاومة فيه.فالحجر الفلسطيني لا يستهدف الوجود الصهيوني فحسب،طالما أنّ هذا الوجود يمثّل نقيضه الوجودي،بقدر ما يخلخل الثوابت التي انبنى عليها الخطاب السياسي العربي في السنوات التي مضت،وهذا ما جعل المسألة برمتها تتحدّد بثلاثة عناصر:
-ترجمة ساخطة لغضب وطني كفر بكل الوعود وانتهج الكفاح التحريري سبيلا لإستعادة الذات والهوية ومعنى الإنتماء.
-العنصر الثاني يتمثّل في القمع الصهيوني الهستيري الذي كشف الحجر البدائي عن وهم “ديمقراطيته المتحضّرة” وأسقط الأقنعة فتوارت تبعا لذلك رموز الديمقراطية والإشتراكية والعلمانية التي تدثّر بها الغرب،وذكّر الإسرائيلي بأنّ حياته على الأرض الفلسطينية غدت مشكوكا في أمرها،على عكس الهوية الفلسطينية التي أصبحت بفعل المقاومة أكثر تجذرا وصلابة من كل أشكال الإستيطان والإغتصاب.
-العنصر الثالث والأخير يعكس في خباياه الوهن العربي بإمتياز ويجسّد في ذات الوقت الهزّة العنيفة التي خلخلت الوعي المخدّر،المستلب وصاغت-الإنتفاضة-حدثا ممهورا بالدّم ما فتئ يطرح بإلحاح أسئلة الحرية والسيادة والتحرّر لشعب يرفض العبودية والتهميش،ويتصدى بصدور عارية لجنون صهيوني متدحرج..
لقد أدرك الوعي الصهيوني في ظل الإنتفاضة اللاتكافؤ الحضاري العجيب بين الحجر والدبابة،وما يكتنف ذلك من صراع بين الحق ونقيضه،بين العدل وما يلغيه،لذلك قال شمعون بيريز أحد أئمة التناور الصهيوني متأفّفا“إنّ التاريخ لا تصنعه الحجارة“ أما بن أليعازر،ذاك الذي كان يسمّى بالحاكم العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية في العام 1981 فقد قال ساخطا“إنّ سلطات الحكم العسكري تعتبر كل حجر صغير بمثابة قنبلة يدوية“..
فيا أطفال فلسطين،أنتم بذلك تقبضون على قنابل يدوية(!) ولكن..لا تنسوا أنكم تنجزون وحدكم “وطنا” وإستقلالا،وتحريرا لمقدسات عجز مليار ونصف المليار من البشر على تحريرها..فأنتبهوا إذن واحذروا وهم الشقيق اللدود،والحليف غير المأمون،ولا تركنوا إلى سلام هو في جوهره أتعس من أية حرب.
هل ثمة ما أضيف !؟
السؤال يتناسل من السؤال،والدم يرث الدم،إلا أنّ الجغرافيا اللاهوتية لا تصنع التاريخ،كما أنّ القاتل ليس بوسعه-وبصناعة الموت وحدها-أن يسوّي حساباته مع العالم.فالقوّة وحدها غير قادرة على طمس حسابات الموتى،والطغاة قد تقتلهم أصغر الهزائم..
أفلا يمكن لهذه التراجيديا الضارية أن نكتب بأسلوب حبره من دم وحجارة وأكباد ..!
أليست فلسطين في جلال حزنها،أكثر من أرض ووطن وزمن يمضي..
وهل بإمكان الذاكرة..ذاكرتنا،نحن،أن تتقدّم سبيلا مريرا لإستعادة هذا العالم المفقود،وترسم علامة جارحة على معنى ضياع الوطن..!
لا ينطفئ الحنين إليك-يا فلسطين-لكنه يوقد الحياة في عالمك المشتهى وينبت زمنه في الذاكرة الندية،ليرسّخ معنى الهوية المتشبّثة بذاتها والمعرّضة للنسيان في منفاها..
لذا،سنتطلّع إليك،وإلى كل ما بذرته فينا من عناصر وذرات ذابت في فيض أجسادنا..وستظل رائحتك-كيمياء العلاقة-التي لن تقوى على تبديدها المسافات،ولن يحول الزمن دون تواصلها مع عالمك المفقود..إنها العلاقة الواضحة التي تلوذ بها ذاكرتنا،لتبعث الحياة في عالمنا من جديد
سلام أنت..فلسطين.
ماذا بقي لي أن أضيف؟
إن أصواتنا من هنا،لا تبلغ علوّ الدّم المراق على الإسفلت وحول الحواجز وعلى تخوم الموت في البعيد هناك..إلا أننا نحاول تحرير ضمائرنا من وطأة الإحساس باللانفع وإراحة ضمير من يسمعنا من الوهن الذي يرين عليه بسبب ما يعانيه من شلل شامل،أو لعلنا نسعى كذلك،وبمنآى عن التجريد المشخّص الذي آلت إليه كلمة “الإنتفاضة” إلى إستلهام الحدث..حدث الروح الفلسطينية العظيم،لتخليده وجعله عبرة للآتين في موكب الآتي الجليل،ذلك في الوقت الذي نجح فيه الطفل الفلسطيني في اختراق جدار الصمت العربي،مجسّدا نبل البطولة وصدق القرار.
أقول هذا أولا وأخيرا،لأننا غدونا نخشى من الكتابة عن القضية الفلسطينية في زحمة الكلام،والخطابات والإنتماءات الخاوية،كما لم يبق لنا في زمن يتلوّن بالليل ويرى فيه الموت طيفا في الهواء،إلا أن نخبئ في عيوننا أحزان الدروب،ونتصفّح أوجاعنا ونردّد كلمات لم نعد نعرف أن نكتبها.
سلام أرض فلسطين..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.