خام برنت يقفز بأكثر من 5% متجاوزًا 108 دولارات للبرميل    استعدادًا للعيد: إجراءات عاجلة لتفادي تعطل الموزعات الآلية    مؤسسة فداء تعلن موعد سحب المستحقات المالية لمنظوريها: التفاصيل    الأمين العام للاتحاد السنغالي لكرة القدم يرد على ال'كاف': الكأس لن تغادر البلاد    لفظها البحر في شاطئ سليمان: العثور على جثّة بحار رواد المفقود    عاجل: دولة أوروبية تعلن رسمياً الجمعة موعد عيد الفطر    التونسية الدكتورة داليا العش تحصد جائزة لنجم الصاعد" العالمية    قبلي: "تبسكيلة عشية رمضان" تظاهرة سنوية تنظمها جمعية "فجر الصحراء" بدوز لنشر ثقافة استعمال الدراجة    البحيرة: 15 سنة سجناً لمنفّذ براكاج مروّع استهدف سائق تاكسي    الاتحاد العام التونسي للطلبة يطلب من وزارتي التعليم العالي والعدل مراجعة تاريخ إجراء مناظرة عدول التنفيذ    القيروان: حجز 29 طنا من المواد الغذائية الفاسدة خلال شهر رمضان    تصفيات اتحاد شمال إفريقيا لأقل من 17 سنة: إعلان قائمة المنتخب التونسي    مرصد المجمعة السعودي: يتعذر رؤية هلال العيد مساء اليوم    تبديل في توقيت قطارات أحواز تونس (البرنامج الشتوي)    أبطال أوروبا: برنامج مواجهات الليلة من إياب الدور ثمن نهائي    عاجل/ هجوم على محطة بوشهر النووية الإيرانية وتخوفات من "كارثة"..    إعادة إطلاق المجمع الوطني للفلاحة "كونكت اغري" لتعزيز قطاع الفلاحة في تونس وتحقيق التنمية المستدامة    الرائي عبدالله الخضيري يحسم الجدل ويحدّد أوّل أيّام عيد الفطر فلكياً    المنتخب الوطني: صبري اللموشي يكشف عن قائمة المدعوين للتربص القادم    "كيميائيو الرّاڨوبة" بمناسبة عيد الرعاة: ورشة دولية كبرى للتصميم الإيكولوجي    عاجل: ضريبة جديدة على كراء السيارات في تونس...هذه قيمتها    بمناسبة عيد الفطر: مرصد سلامة المرور يدعو مستعملي الطريق إلى التقيّد بجملة من الاجراءات    تصعيد ضد الكاف بعد أزمة لقب كأس أمم إفريقيا    الدورة التاسعة لتظاهرة "ربيع الطفولة بشنني" من 27 الى 29 مارس 2026    صحيفة "NZZ am Sonntag" السويسرية: تونس العاصمة وجهة ساحرة تمزج بين عبق الشرق وأناقة المتوسط    حالة الطقس المُتوقعة أيام العيد: تقلبات منتظرة وأمطار متفرقة من 19 إلى 22 مارس 2026    إسرائيل تعلن مقتل وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب وتحذر من تصعيد وشيك    أكاديمية أفريكسيم بنك تفتح باب التسجيل لبرنامج شهادة تمويل التجارة في إفريقيا 2026    مدينة العلوم بتونس تنظم الدورة الثانية لفعاليات يوم الفيلم الوثائقي يوم السبت 28 مارس 2026    اتحاد الكتاب التونسيين يدعو منتسبيه إلى المشاركة في الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب    إنجاز دولي لجامعة صفاقس: الدكتورة داليا العش تتوج بجائزة ''النجم الصاعد'' العالمية    من ''المقرونة'' ل ''السورية''.. جودة لخصت معاناة الام اليومية    تونس تحتضن فعاليات معرض بترو أفريكا المتخصص في الشأن الطاقي من 16 إلى 19 جوان 2026    غوارديولا: السيتي بحاجة إلى الوقت بعد الخروج الأوروبي وأتمنى امتلاك «شهية» ريال مدريد    استشهاد الإعلامي محمد شري وزوجته في غارة إسرائيلية    الحرب في الشرق الأوسط: شنوة تأثيرها على جيوب التوانسة؟    طبيب قلب يحذر: عادات مسائية تهدد صحة قلبك    عاجل/ يهم المواطنين..    الحماية المدنية : 317 تدخلا خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية    الشكندالي يحذر: كلفة النفط المرتفعة تهدد التوازنات المالية وتفرض قرارات صعبة في تونس    سيف عمران يغني اللي يصير يصير: حتى كان دارك تبقبق أمورك فل مع تأمينات بيات!    القيروان: قتيلان و 6 اصابات في حادث مروع بمنطقة عين البيضاء    يتزعمه تقني بشركة عمومية: تفاصيل تفكيك وفاق إجرامي لسرقة النحاس..    كمال القلصي: مشروع التكوين في النادي الصفاقسي انطلق لتدارك التأخر وبناء جيل المستقبل    سبالينكا غير متأكدة من مشاركتها مرة أخرى في بطولة دبي بعد انتقاد انسحابها    دعوة إلى المصادقة على اتفاقية الاتحاد الإفريقي للقضاء على العنف ضد النساء والفتيات    مواطن تونسي ضمن المصابين.. الإمارات تكشف حصيلة وجنسيات المتضررين من الهجوم الإيراني    بعد تهديدات ترامب.. الرئيس الكوبي يتعهد ب"مقاومة منيعة"    طبيبة تنصح التوانسة: هاو كيفاش تأكل نهار العيد    كأس قبل النوم... مشروب طبيعي يقاوم السهر وما يخليكش تفيق في الليل    عراقجي: العالم كله سيشعر بتداعيات الحرب على إيران    مقتل إسرائيليين وإصابة العشرات في هجوم صاروخي إيراني واسع    حشيشة رمضان .. مبروك المولهي (تاجروين) ...ضرورة ضبط النفس لتجنب المشاحنات وردة الفعل الحادة    المهدية ..بالمستشفى الجامعي الطاهر صفر.. حفل ختان بهيج.. والهدايا والكتب في الموعد    لا أمانة علمية دون تحرير للبنى الفكرية ولا ملكية فكرية دون استقلالية معرفية ولا مسؤولية علمية دون إضافة فلسفية    طقس الليلة.. كثيف السحب مع امطار متفرقة    سوسة: الإطاحة بشبكة لترويج مواد مخدرة وحجز 2000قرص مخدر    عاجل/ هذا موعد عيد الفطر في تونس..    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نوفل سلامة يكتب لكم : قراءة في رواية "حرقة إلى الطليان" لصالح الحاجة
نشر في الصريح يوم 03 - 01 - 2020

في الحقيقة أنا لم أقرأ من قبل للأستاذ صالح الحاجة لا كتبا ولا روايات وما كنت أعلم أن له كتبا أو أنه يتقن فن الرواية وإنما كانت معرفتي به من خلال ما يكتبه في الصحافة التونسية وخاصة بطاقته الشهيرة في جريدة الصريح الورقية قبل أن تتحول إلى إلكترونية وكم كانت مفاجأتي سارة حينما قرأت روايته الأخيرة " حرقة إلى الطليان " الصادرة عن ديار النشر والتوزيع 2019 في 381 صفحة من الحجم المتوسط لأكتشف صالح الحاجة الروائي الذي يتقن كتابة الرواية الحديثة ويبرع في شد القاري إلى الأحداث التي يرويها ويقصها بأسلوب سهل وبحبكة جميلة وبصور معبرة من صميم الواقع التونسي ما يجعل القارئ ينجذب إلى فصولها ولا يكاد يبدأ في قراءة الكتاب حتى يجد نفسه مجبرا على إكمال الرواية في قراءة مسترسلة دون انقطاع . هذا عن رأيي في أسلوب الرواية وطريقة السرد والحبكة القصصية و هي كلها أمور تجعلنا نقف أمام مبدع من جيل الروائيين المحدثين الذين ادخلوا بعض التجديد على الرواية التونسية الحديثة أما عن المحتوى ومضمون رواية " حرقة إلى الطليان " فإن الذي شدني إليها ولفت ناظري مسألتان مهمتان الأولى قصة الهجرة السرية التي تعاني منها البلاد والتي اضطرت أعدادا كبيرة من شبابنا إلى مغادرة البلاد سرا بحثا عن الجنة الموعودة والمسألة الثانية هي قضية الصراع اليوسفي البورقيبي وما خلفه من انقسام في صفوف الشعب التونسي الذي حلم أن يكون له واقعا أفضل بعد نهاية الاستعمار الفرنسي.
المسألة الأولى التي تناولها صالح الحاجة في روايته هي ظاهرة الحرقان إلى بلدان أوروبا وهي مسألة في غاية من الأهمية إذ على خلاف ما هو معروف فإن ظاهرة الحرقان ليست بالظاهرة الحديثة ولا تعود كما يقال إلى سنوات التسعين من القرن الماضي حينما عرفت البلاد أزمة كبيرة بعد اتفاق الشراكة الذي أبرمته الحكومة التونسية في زمن الرئيس بن علي مع الجانب الأوروبي والذي حرر التجارة وسهل دخول البضائع الأوروبية و تسبب في غلق الكثير من المعامل والمصانع ودخول الآلاف من العمال في بطالة دائمة وما رافق ذلك من انسداد أفق العمل وتقلص فرض التشغيل مما اضطر الكثير من الشباب العاطل عن العمل إلى التفكير في الهجرة إلى بلدان ما وراء البحار بحثا عن واقع أفضل بعد أن ضاق الأمل في المستقبل وهي الظاهرة التي عرفت بالحرقان لكون المتسللين إلى السواحل الايطالية كان تسللهم غير شرعي وعن طريق ما يعرف بقوارب الموت التي تحمل على متنها المئات من الحارقين في رحلة مجهولة المصير وقد تكون من دون رجعة.
إن المهم في الرواية هو كونها قد أرخت بصفة فعلية لظاهرة الحرقان التي عرفتها البلاد منذ السنوات الأولى للاستقلال حيث فتحت الحدود إلى أوروبا بصورة شرعية وقانونية غير أن الفارق الذي أبرزه صالح الحاجة هو أن الحرقة في في بداية الاستقلال كانت من أجل تحسين حال الأسرة الفقيرة التي تعيش هشاشة كبيرة وخصاصة أكبر وبعد أن تعطل المصعد الاجتماعي الذي كان المدخل الوحيد لتحسين الوضع العائلي فبطل الرواية هو شاب منحدر من أسرة فقيرة تعيش على القليل من الطعام وفاقدة لأي سند خارجي وقد تعطل به المصعد الاجتماعي الأول وهو التعليم بعد فشل في الدراسة وانقطاع عنها كما أن المصعد الثاني وهو العمل قد تعطل هو الآخر حيث تعذر عليه الحصول على شغل في غياب استكمال التعليم وبالتالي وجد نفسه في وضعية العجز الاجتماعي وصعوبة في تحسين حال الأسرة حيث كان المبرر للهجرة أو كما كانت تسمى " بالهجة " ليس من أجل تحسين الوضع الشخصي وإنما بهدف تحسين حال العائلة بأكملها أما اليوم فان ظاهرة الحرقان هي في أيامنا هذه من أجل تحسين الوضع الخاص للشباب الحارق والفرق الآخر بين " حرقة اليوم و هجة الأمس " هو أن الهجة كانت شرعية ومن خلال اجتياز الحدود والوصول إلى إيطاليا بجواز سفر عادي إلا أن الحرقة الحقيقية تبدأ من هناك حيث أن الكثير من الشباب التونسي ما إن يصل إلى إحدى مدن ايطاليا إلا ويبدأ في التفكير في عملية حرقان إلى دولة أوروبية أخرى بحثا عن وضع أفضل اذا ما عجز عن وجود شغل في بلد الطليان أما الحرقة اليوم فإنها تبدأ سرية وغير شرعية من تونس في ظل غياب التأشيرة التي تسمح بالمغادرة القانونية لاعتبارات تعود إلى وضعية الشاب المهاجر ولقوانين الهجرة التي وضعتها أوروبا للحد من تدفق المهاجرين إلى أراضيها.
المسألة الثانية التي تعرضت إليها الرواية هي مسألة الاستقلال وتحرر البلاد من قيد الاستعمار الفرنسي وكل الحلم الجميل الذي رافق التونسيين في بناء دولة مستقلة بعد رحيل الفرنسيين عن أراضينا والتخلص من الفقر والجهل .. دولة تحقق الكرامة والعيش الكريم والرفاهية .. ودولة توفر لأفرادها كل ما كانوا يفتقدونه في زمن الاستعمار غير أن هذا الأمل الكبير قد انقلب إلى خيبة وانكسار بعد إن انقسمت البلاد إلى شطرين وانشطر الشعب إلى شطرين واحد مع الحبيب بورقيبة ويدافع عن خيراته والثاني منحاز إلى صالح بن يوسف ويؤمن بأنه على صواب في كل ما يقوله ويردده وبدأ التخوين والخلاف واتسعت دائرة الوشاية وعمت البلاد في بداية الاستقلال حالة من الخوف والهلع من الاصداع بالرأي فكان الواحد يخاف من صديقه أو رفيقه أو فرد من عائلته بسبب رأيه في بورقيبة أو بن يوسف وبدأت عمليات الاختطاف والانتقام من كل من يقول في الزعيم بورقيبة كلاما يسيء إليه وبدأ التنكيل وتعذيب أنصار بن يوسف وعرفت البلاد أياما عصيبة وسنوات سوداء ذهب ضحيتها الكثير من أبناء الشعب المنحازين إلى الشق اليوسفي إلى درجة أن أصبح سؤال الاستقلال سؤالا مطروحا وأمرا محيرا .
وقد كان عم مرزوق وهو أحد الشخوص الذين نالهم نصيب من التهم والتعذيب بسبب عدم رضاه عما يجري في البلاد من انقسام وخوف ورهبة يسأل متى ينتهي الاستقلال ؟ وهو سؤال سبب له الاتهام بالجنون و تم ادخاله إلى مستشفى الرازي بمنوبة بسبب أنه كان يردد أمام الناس " الاستعمار خير من بورقيبة ".
متى ينتهي الاستقلال هو سؤال وجودي يعبر عن حالة القلق التي خيمت على مشاعر الكثير من أبناء الشعب التونسي من الذين لم يرضهم ما كان يحصل في دولة الاستقلال التي نكلت بأبنائها لمجرد اختلافهم معها وبسبب انحياز بعضهم إلى الزعيم صالح بن يوسف.
وهو سؤال على غرابته فإنه يختزل طرافة وأهمية وأهميته تكمن في كونه يعكس الوضع الذي انتجه حدث الاستقلال في كونه قد وضع أمام المساءلة الشعبية كل الجهد الذي بذلته الحركة الوطنية و كل ما تحقق بفعل الكفاح الوطني ضد الاستعمار الفرنسي من أجل الحصول على الاستقلال حيث كان من المفترض أن يتوج هذا الجهد بعد خروج المستعمر الفرنسي ببناء دولة وطنية تجمع كل التونسيين وتحقق لأفرادها العيش الكريم والكرامة المفقودة والأمن والسلام والعيش المشترك بعد أن عاشوا سنوات طويلة من الاحتلال و الظلم والقهر والفقر غير أن الذي حصل لم يكن في مستوى الطموحات وكان حدث الاستقلال نقمة على الجميع – في نظر عم مرزوق - وأنتج عكس ما تصوره الشعب فما إن خرج الفرنسيون من تراب الوطن حتى انقسم الشعب على نفسه شطرين الأول مع الرئيس بورقيبة والثاني مع صالح بن يوسف وعمت الفتنة البلاد وبدأت التصفية الجسدية تفعل فعلها في الناس وبدأ الخوف ينتشر والملاحقات والوشاية تتوسع رقعتها وحصل شعور بأن الذي كان يجمع التونسيين ويوحدهم هو الاستعمار وأن الذي يفرقهم اليوم هو هذا الاستقلال الذي بذل من أجله الكثير من التونسيين أرواحهم .
لقد اتضح اليوم أن الذي أصبح عبئا ثقيلا على البلاد في نظر الكثير من التونسيين - ومنهم العم مرزوق - هو ما حصل من استقلال وأن الشعب كان في ظل الاستعمار موحدا وتجمعه غاية مثلى وهو محاربة الاحتلال الفرنسي وأن الشعب رغم فقره وتخلفه وحالته السيئة وفقدان كرامته إلا أنه كان يشعر بالنخوة والعزة واللحمة في ظل الاستعمار وأن الاستقلال قد تسبب في حصول اقتتال كبير وإراقة دماء وجراح وألام لن تندمل بسرعة بالنسبة للكثير من العائلات التي تضررت من هذا الصراع المدمر من أجل ذلك فإن العم مرزوق في رواية حرقة إلى الطليان يسأل متى ينتهي الاستقلال حتى يعود الوئام بين الجميع وينتهي هذا الشعور بالانتقام و هذا الشعور بالظلم من طرف الدولة التي تمناها كل تونسي ؟ متى ينتهي الاستقلال حتى تنتهي هذه الخصومة بين الأخوة الاعداء وتطوى صفحة من تاريخنا المعاصر كانت مؤلمة ؟ ومتى ينتهي سؤال الاستقلال حتى نحقق التصالح بين اليوسفيين والبورقيبيين ونعود كما كنا شعبا واحدا لا يتوارث أجياله هذا الجرح الذي يسمى الصراع اليوسفي البورقيبي ؟ كان سؤال متى ينتهي الاستقلال سؤالا غريبا غير أنه يختزل الرغبة التي نجدها اليوم عند التونسيين لإنهاء حالة الانقسام التي خلفها الموقف من الزعيمين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف.
كان هذا جانبا من الأفكار والقضايا التي نجدها في رواية " رحلة إلى الطليان " وهي رواية طريفة ويمكن تصنيفها في خانة الرواية الاجتماعية والتاريخية وحتى الفكرية لأنها تطرح الكثير من الافكار التي تحتاج أن نتوقف عندها ..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.