أبو ذاكر الصفايحي يتذكر ويذكر: وهل في آفتي الخمر والقمار غير خسارة الصحة وخراب الديار؟    سلسلة حرائق متزامنة بين باجة ومجاز الباب    رحلات «الحرقة»: القبض على الذراع الأيمن للزعيم الإيطالي في قليبية    متابعة اخر تطورات الوضع الاقتصادي محور الاجتماع الدوري لمجلس ادارة البنك المركزي    بعد اتهامه من موقع بتلقي أموال أجنبية:القضاء البريطاني يُنصف راشد الغنوشي    حي التضامن /يواجه دورية أمنية بالحجارة عند محاصرة شقيقه المنحرف    بعد تسرّب "تأوهات جنسية" على المباشر: مدير الإتصال بالإذاعة الوطنية يوضح    علاء الشابي يروي أسرار تأسيس قناة الحوار…لماذا الآن؟    بالأرقام.. معدّل الانتاج اليومي للمحروقات من 18 إلى 24 ماي 2020 (صور)    اللجنة العلمية لمتابعة انتشار فيروس كورونا تبحث قرار مواصلة استعمال دواء "كلوروكين" من عدمه    وزير التربية: مركز اختبار احتياطي بكل ولاية لانجاز الامتحانات الوطنية للمترشحين المصابين بكوفيد إن وجدوا.. وإجراءات استثنائية لهذه السنة    اللجنة الوطنية للتفويت في أملاك الأجانب تحسم قرارها في 19 ملفا    غدا الحسم في التاس: الترجي يعلق على دعوة أحمد أحمد للشهادة    مفاجاة في هوية احد المتورطين في حرق قاطرة لفسفاط قفصة (متابعة)    البنك المركزي يعلن عن إحداث صنف جديد من التمويلات الاستثنائية القابلة لإعادة التمويل    بلدية الحنشة تمنع بيع ''القوارص''    عشق بالصدفة.. رسالة "فايسبوكية" خاطئة تقود عجوز بريطانية الى الزواج من شاب تونسي    النجم الساحلي: تحديد موعد لاستئناف التمارين.. وشرف الدين يمنح صلاحيات واسعة للعميري    يوميات مواطن حر: بلاغات مخيفة ومدمرة    نابل: يوم غضب للعاملين في قطاع الصحة    المهدية..العودة المدرسية الاستثنائية ل3502 تلميذا و849 أستاذا    نقل مصابين بكورونا الى مركز ايواء بجربة    حقيقة التخلي عن مريم بلقاضي وحمزة البلومي ولطفي العماري من قناة الحوار مقابل عودة هؤلاء؟    فتح التسجيل في حركة نُقل مدرّسي التعليم الابتدائي في نطاق الحالات الإنسانية بالنّسبة للسّنة الدّراسية 2020-2021    وزارة المالية تدعو المؤسسات المتضررة من وباء كورونا بآجال التسجيل بالمنصة الالكترونية    86 مليون طفل.. ضحايا كورونا غير المصابين بالفيروس    ريال مدريد أغنى أندية كرة القدم    منوبة: احتقان في صفوف أصحاب مؤسسات الطفولة بالجهة    محمد الرابحي: عدد المصابين الوافدين ب"كورونا" مرجح للارتفاع    كوريا ينضم إلى قائمة المصابين في أتلتيكو مدريد    حول كارثة حاجب العيون / وزير الصحة : يجب معالجة ظاهرة الادمان    صلاح الدين المستاوي يكتب لكم: الذباب الالكتروني يقدح في عقيدة أهل الحجاز مكة والمدينة    اليوم الذّكرى 92 لتأسيس النّادي الرياضي الصفاقسي    سيدي بوزيد..وقفة احتجاجية للمعطلين عن العمل ممن طالت بطالتهم    قفصة..المندوب الجهوي للتربية: العودة المدرسية الاستثنائية كانت طيبة    أولمبيك سيدي بوزيد يطالب بالبث التلفزي لمقابلات الباراج    وزير الصحة: حالات الاصابة بالتيفويد والبوصفير ليست خطيرة..وهذه أسبابها    حجز أكثر من 300 كلغ من الخضر والغلال في حملات للشرطة البلدية    حجز 88 ألف دينار و مصوغ من قبل الديوانة    هيئة النجم توضّح    جندوبة ...وفاة رضيع وجدته وإصابة 6 آخرين في حادث مرور    عدنان الشواشي يكتب لكم: ربي «يفضل لنا» الفايسبوك ومخترع الفايسبوك    بالتعاون مع ثنائي تونسي ...لطيفة العرفاوي تغني ل«الشمس»    النحلي: اشتعال النيران بأحد عجلات حافلة دون ركاب    باجة: المصادقة على 22 مركزا لتجميع الحبوب    مارك زوكربرغ لترامب: ليس الرد المناسب…    وفاة والد مدرب أستون فيلا بفيروس كورونا    قصّة جديدة: بلابل المدينة العتيقة (1)    فرنسا: سيناريو سوريا يتكرر في ليبيا والوضع مزعج جداً    القصيدة التعويذة: قراءة في «المارّون ....» لمحمود درويش (12)    بريطانيا تُغلق سفارتها في كوريا الشمالية وتسجب دبلوماسييها    مؤسسة النفط الليبية تكشف عن حجم خسائرها بسبب إغلاق الموانئ    أتى على 4 هكتارات من الأشجار.. السيطرة على حريق بجبل نينو ببوقرنين (صور)    طقس اليوم: أمطار متفرقة.. وانخفاض طفيف في درجات الحرارة    بالفيديو: لطفي بوشناق يرد على سمير العقربي: فمة ناس تعرف تعزّي وما تعرفش تهنّي    اكودة: اتفاقية شراكة للنهوض بواقع المرأة الحرفية ورياض الاطفال    حادثة تسرب تسجيل صوتي.. الاذاعة التونسية توضّح    جندوبة: فلاحون يطالبون بجبر الأضرار التي لحقتهم جراء أزمة "كورونا"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مصطفى الفقي يكتب لكم : فكر المؤامرة وفقه المقاومة
نشر في الصريح يوم 30 - 03 - 2020

عشتُ طوال حياتي الفكرية مؤمناً بوجود المؤامرة في التاريخ، لكنني كنت أدعو دائماً إلى عدم الاستسلام إلى التفسير التآمري لأحداثه ووقائعه، ذلك أنه قد يؤدي إلى حالة من السلبية المطلقة، التي ترى أن كل ما يعترض طريقنا هو مؤامرة، فيعلق السياسيون وخبراء العلاقات الدولية كل الأحداث التي تدور على مشجب تلك المؤامرة تماماً، كما يفعل بعض الأطباء حين يحارون في تشخيص الداء، فيستسهلون الأمر بقولهم إنها حساسية.
فالمؤامرة والحساسية موجودتان في السياسة والطب، لكن لا يجب التعويل عليهما، والقفز في التحليل للاعتراف بوجودهما، واعتبارهما مبرراً للإخفاق والتراجع والفشل.
أظنّ أن سقوط الخلافة الإسلامية كان وراءه ترتيبات تآمرية، وأن انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية كان وراءه أفكار مرحلية سعت إليه، ونجحت في تحقيقه، بدءاً من دور حركة التضامن في بولندا وصولاً إلى سقوط حائط برلين.
كما أنّ مصرع الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي بملابساته المعقدة وفشل "لجنة وارين" وغيرها في الإمساك بتلابيب الحقيقة ما يؤكد أنها كانت هي الأخرى مؤامرة محبوكة، لقد قتل من قتله وقتل القاتل أيضاً.
كذلك، رحيل الأميرة البريطانية ذات الشعبية الواسعة (ديانا) في ظروف غامضة بسيارة داخل أحد الأنفاق في مدينة باريس هو الآخر جريمة استندت إلى مؤامرة، يوجد مَنْ استفاد منها، ومَنْ سعى إليها.
لقد تذكّرت ذلك كله عندما احتدمت شدة الوباء الذي حاق بالعالم، وضرب الكون في كل اتجاه، وأعني به وباء (كورونا)، وكيف أنّ كثيراً من الخبراء السياسيين والعلماء البيولوجيين قفزوا إلى استنتاج سريع مؤدّاه أن ذلك الفيروس القاتل هو تخليقٌ من صنع البشر في معامل الحرب الجرثومية، وأنه جزءٌ من الصراع المُحتدم اقتصادياً بين الصين والولايات المتحدة الأميركية، على أن تكون حلبة المعركة هي القارة الأوروبية.
قد يكون هذا صحيحاً أو لا، لكنه يدعم من وجهة نظرنا رسوخ نظرية المؤامرة وفكرها المتجذر الذي تصعب مقاومته، وتنهار أمام حبكته وملابساته كل الأدلة العلمية والبراهين التي لا تتصوّر أن يتحوّل بها العَالِم إلى قاتل، ويصبح السلاح الذي نسعى به إلى تقدم الإنسانية هو ذاته السلاح الذي يطعن البشرية في ظهرها.
ونحن ندرك أن فقه المقاومة، أي مواجهة كل ما هو طارئ على حياتنا أو مستفز لظروفنا، هو أمرٌ واجبٌ، لأن فقه المقاومة يرتبط مباشرة بفقه الأولويات، والأخير يقتضي أن نجعل النظرة العلمية والتحليل الموضوعي في صدارة كل ما نمارسه، لتحقيق الأهداف التي تسعى إليها الدول، ولنا هنا بعض الملاحظات:
أولاً: إن فكر المؤامرة هو ابن شرعي لعلم السياسة بكل ما فيه من ألاعيب وسراديب ودهاليز يقف المرء منها متعجباً، فالسياسة كالزيت فيها لزوجة، ويكفي أن أحد آبائها الشرعيين هو مكيافيلي صاحب نظرية "الغاية تبرر الوسيلة".
ولذلك، استقرت في أعماق كثيرٍ من السياسيين عملية الفصل الواضحة بين الأخلاق والسياسة، ووجدوا لديهم مبررات قوية لتمرير كثيرٍ من المواقف اللا أخلاقية والتصرفات الشائنة، على اعتبار أن الغاية تبرر الوسيلة في كل الأحوال، لذلك فإن السياسة تعرف الانقلابات والاغتيالات والسجون والمعتقلات، لأنها تستند إلى مبادئ لا أخلاقية بطبيعتها، وتستمد مبرر وجودها من المصالح العليا للأوطان مهما كان الثمن، ومهما ارتفعت التضحيات.
ثانياً: إن المؤامرة تفسير أحمق للهزائم، ونظرة عبثية للنكسات، يستطيع بها الحاكم (الديماغوجي) أن يبرر أمام شعبه النتائج السلبية التي وصل إليها، والإخفاقات التي سقط فيها، بينما الحياة السياسية الصحيحة في ظل علاقات دولية سوية لا تجعل لهذا الأمر وجوداً، فحين ترفع دولة شعار عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، فإن لهذا الشعار بريقه الأخلاقي، لكنه على الجانب الآخر قد يكون مقدمة لعمل عكسي تسعى من خلاله دولة إلى السيطرة على غيرها، وتمزيق أواصر التماسك في حلف إقليمي معين أو كتلة دولية محددة.
ثالثاً: إن غرام السياسيين بالتفسيرات المصطنعة والتحليلات غير الدقيقة إنما يعكس حالة التردي في النظم السياسية المعاصرة، وتبني سياسات تؤدي إلى عدم الاستقرار، وتقويض دعائم السلم والأمن الدوليين، والأمثلة على ذلك كثيرة.
التدخل الأميركي في العراق استند إلى وجود أسلحة نووية لدى صدام حسين، ولم يكن ذلك صحيحاً، وواشنطن ولندن تدركان ذلك حتى إن توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، اعترف أخيراً بهذه الحقيقة، فالحكام والساسة يبحثون عن الذرائع لتحقيق غايات قد لا تكون بالضرورة في صالح الأغلب الأعم من دول العالم المعاصر.
رابعاً: إن العلاقات الدولية المعاصرة تتميز بالتفاوت الواضح بين القوى المتصارعة، والحديث عن ديمقراطية العلاقات الدولية المعاصرة هو مجرد هراء، فالقوة أكبر من الحق، والنفوذ الدولي يتفوّق على العدل القانوني، وما أكثر ما رأينا من ممارسات استندت إلى حماقة القوة على حساب الشرعية الدولية من دون أن يحرّك العالم ساكناً، مكتفياً فقط بترديد المبادئ ورفع الشعارات، بينما القوي يلتهم الضعيف في مظهر يقترب من شريعة الغاب.
خامساً: إن تردي دور المنظمات الدولية وتراجع تأثيرها جعلها في النهاية أداة في يد من يستطيع تحريكها أو حتى استخدامها آلية لتبرير ما يفعل، ومرة أخرى نقول إن واشنطن دخلت بغداد من دون قرار صريح من مجلس الأمن، كما اعتمدت في ذلك على تطويع ما نطلق عليه القانون الدولي الإنساني الذي يسمح لدولة أو لمجموعة من الدول بالتدخل في شؤون دولة معينة تحت مظلة من مسميات براقة لكلمات مثل الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحماية الأقليات، والحفاظ على البيئة إلى غير ذلك من المبررات التي تتردد على ألسنة الحكام صباح مساء.
إن ما نريد أن نقوله هنا هو أن نؤكد أن المؤامرة موجودة في كل مراحل التاريخ، لكن لا يجب التعويل عليها، كما أنّ المؤامرة جزء لا يتجزأ من تاريخ الفكر الإنساني على نحو لا يمكن تجاهله رغم كل الانتقادات الموجهة إليه.
كذلك، فإنه لا يخفى على أحدٍ أن الحديث عن المؤامرة يزدهر مع انعدام الشفافية وغياب الرؤية الواضحة وسط ضباب المصالح المتشابكة والأهداف الخاصة والوقتية، ونسمع أحياناً أصواتاً نكراء تتبنى أفكار المدرسة الميكافيلية، وترى أنها تعبير مباشر عن الواقع السياسي المعاصر من دون تزيين أو تجميل أو رتوش.
بينما يرى البعض الآخر أن الأمر يختلف، لأن الذين يرددون أن السياسة والأخلاق في طلاق دائم وتنافر مستمر إنما يبررون ما يفعلون ويختفون وراء فكر المؤامرة لتحقيق أهداف معينة في ظروف استثنائية يصعب تحقيقها في الأحوال الطبيعية، والأمثلة والشواهد على ذلك كثيرة.
أما فقه المقاومة فهو حائط الصد أمام محاولات انتهاك الشرعية والسعي للعدوان على حقوق الشعوب، ولعل القضية الفلسطينية، وهي القضية العربية الإسلامية الأولى، هي خير شاهد على ما نقول، إذ لم تتمكّن الأمم المتحدة من إدانة إسرائيل إدانة صريحة في كل ما عرض عليها من جرائم عنصرية وانتهاكات عدوانية على الشعب الفلسطيني الذي قاوم ويقاوم واحداً من أشرس أنواع الاستعمار الاستيطاني في تاريخنا المعاصر.
وسوف نظل نردد دائماً أن فكر المؤامرة هو حق يراد به باطل، وأن فقه المقاومة هو حق يراد به تحقيق العدل واستعادة التوازن في العلاقات الدولية المعاصرة، وتكريس فقه الأولويات في عالمنا الذي يموج بكل التيارات، ويمارس كل المؤامرات، ولا يعطي بالاً لمبادئ قانونية أو قيم أخلاقية أو شرعية دولية!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.