يقول الله تعالى في سورة الاسراء الاية 16(واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) فلو قرانا وتاملنا صفحات التاريخ عبر جميع العصور لعلمنا ان كثيرا من القرى او الشعوب او الامم قد اهلكها الله تعالى ودمرها تدميرا بعد ان عرفت حضارات عظيمة قوية كبيرة ولاشك ان كل عاقل يسال وحق له السؤال لماذا اهلك الله ولماذا دمر هذه الحضارات بعد ان كانت تعيش الترف والنعيم قرونا بعد قرون وسنوات بعد سنوات؟ ولا شك ايضا ان هذه الاية تفيدنا في الجواب عن هذا السؤال بما يشرح وبما يوضح الحال فماذا قال فيها الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله في تفسيره التحرير والتنوير الذي غفل عن الرجوع اليه كثير من الغافلين رغم انهم ينسبون الى زمرة العارفين بعلوم الدين ورغم ان هذا الكتاب قد احتوى عدة علوم من النوع العميق الكثير الغزير؟...صحيح ان تفسير الشيخ يشترط مستوى لغويا لا باس به في من اراد ان يغوص وان يتبحر فيه ولكنني اظن ان امتلاك ناصية اللغة شرط ضروري اساسي ايضا لمن يريد ان يفهم اي تفسير كما انني لا اظن ان يستحق وان ينسب وان يوصف احدهم بالاختصاص في علوم الدين وهو ذو مستوى لغوي عربي عادي غير قوي وغير عميق وغير متين... نعود بعد هذه الاشارة الضرورية التي اقتضاها والتي فرضها ذكرنا لتفسير التحرير والتنوير الى شيخنا ابن عاشور الذي يقول في تفسير هذه الاية المذكورة اعلاه( والمعنى ان بعثة الرسول تتضمن امرا بشرع وان سبب اهلاك المرسل اليهم بعد ان يبعث اليهم الرسول هو عدم امتثالهم لما يامرهم الله به على لسان ذلك الرسول ومعنى ارادة الله اهلاك قرية التعلق التنجيزي لارادته وتلك الارادة تتوجه الى المراد عند حصول اسبابه وهي المشار اليها بقوله (امرنا مترفيها) الى اخره ومتعلق امرنا محذوف اي امرناهم بما نامرهم به اي بعثنا اليهم الرسول وامرناهم بما نامرهم على لسان رسولهم فعصوا الرسول وفسقوا في قريتهم...والمترف اسم مفعول من اترفه اذا اعطاه الترفة (بضم التاء وسكون الراء)اي النعمة والمترفون هم اهل النعمة وسعة العيش...وتعليق الأمر بخصوص المترفين مع ان الرسل يخاطبون جميع الناس لان عصيانهم الأمر الموجه اليهم هو سبب فسقهم وفسق بقية قومهم اذ هم قادة العامة وزعماء الكفر فالخطاب في الأكثر يتوجه اليهم فاذا فسقوا عن الأمر اتبعهم الدهماء فعم الفسق او غلب على القرية فاستحقت الهلاك...والفسق هو الخروج عن المقر وعن الطريق والمراد في اصطلاح القران الخروج عما امر الله به وتقدم عند قوله تعالى (وما يضل به الا الفاسقين) و(القول )هو ما يبلغه الله تعالى الى الناس من كلام بواسطة الرسل وهو قول الوعيد كما قال في موضع آخر(فحق علينا قول ربنا انا لذائقون) والتدمير هدم البناء و إزالة اثره وهو مستعار من الاستئصال اذ المقصود اهلاك اهلها ولو مع بقاء بنائهم كما في قوله تعالى (واسال القرية)...وتاكيد دمرناها بالمصدر(تدميرا) مقصود منه الدلالة على عظم التدمير لا نفي احتمال المجاز)(التحرير والتنوير الصفحتان 53و55 الجزء الخامس عشر المجلد السادس) ولم يبق لي بعد التذكير بهذه الاية القرانية الكريمة وهذا التحرير وهذا التنوير العاشوري الواضح المنير الا ان اذكر وان اقول ما احرى بالقرى والشعوب والأمم اليوم ان تعرف وان تتثبت وان تتاكد هل كثر فيهم المترفون الذين فسقوا عن امر ربهم والذين اغروا اممهم وشعوبهم واتباعهم بالمعصية وبالفسوق؟ فان كثرة هؤلاء الفاسقين تنذر والعياذ بالله بعقاب الاهلاك الرباني والتدمير الكامل المبين فاللهم يا خالق الأرض ويا رافع السماء لا تؤاخذنا بمعاصي وغفلة وسفاهة السفهاء وبفسق الفاسقين المترفين الضالين والاغبياء واهدنا جميعا الى طريق الحق والى الصراط المستقيم فنحن مؤمنون ومتاكدون ان رحمتك تسبق عذابك فانت العفو الغفور وانت التواب وانت الرحمان الرحيم ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم