قال «عبد الله العبيدي» المحلّل السياسي ل»التونسية» انه لا يجب أن نبالغ في التفاؤل بعد تسلم الحكومة الجديدة لمهامها وأكد انّ التحديات مازالت كبيرة، وأضاف انه عندما يعوّض حزب حزبا آخر أوعندما تتّغير منظومة الحكم فإن العامل الأساسي في التغيير يبقى السند الشعبي. وتساءل «العبيدي» قائلا: انّنا إزاء حكومة كفاءات من طراز عال ولكن هل سيكون هؤلاء الوزراء قادرين على إحداث تغيير ما في البلاد؟. واعتبر محدثنا أنّ «التفاؤل» مشروع ولكن الرأي العام في تونس لا يعرف هؤلاء الوزراء، وأكدّ انهم لا يتمتعون بأي سند شعبي، وقال انّ تونس تعتزّ بجميع أبنائها في الخارج وأنه أمام الوزراء الجدد عوائق كثيرة تحدّ من حظوظ نجاحهم. وأضاف أن أغلبهم جاؤوا من بيئات اجتماعية أخرى وانّهم مارسوا مهامهم في أماكن وبلدان بعيدة عنا، وقال أنّ بعض مكونات المجتمع عبرّت صراحة عن تخوفها من النظرة والفكر الذي قد يحمله هؤلاء من الغرب كالتوجه الليبرالي المجحف وغياب إلتحامهم بهموم الشعب. وقال ان أغلبّ وزراء «جمعة» سيعدّون جداول عمل وتقارير ومشاريع... ولكن سيظل العائق الأكبر أمامهم هو عدم قدرتهم على فهم المجتمع رغم إمتلاكهم للعديد من الشهائد العلمية، وقال انّ لدينا الآلاف من الكفاءات في تونس ممّن يحملون شهائد تفوق شهائد وزراء جمعة وان هؤلاء تعوّدوا التسيير والإلتحام المباشر مع المجتمع وربما كانت لديهم القدرة على فهم الواقع التونسي بشكل أعمق. وأكدّ ان العلاقات تلعب دورا مهما في النجاح، مضيفا: «لن تكون الحلول في الحواسيب والأوراق والمخططات» ولم يستبعد «العبيدي» ألاّ يتمّكن الوزراء الحاليون من تحقيق الكثير من الإنجازات إن لم نقبل بمشاريعهم وأفكارهم. وأكدّ انّ التحديات التي ستواجه الحكومة الجديدة هي الإمكانيات والحلول التي ستفرضها للضغط ولإقرار بعض الإصلاحات العاجلة. وكشف»العبيدي» انّ مؤسسات الدولة جهاز يخضع للسلطة السياسية وللمنطق مشيرا إلى أننا في تونس لم نتحول بعد إلى دولة مؤسسات. وأضاف «العبيدي» انّ بداية التحديات التي ستواجه حكومة «جمعة» هي إيجاد موارد مالية وهو ما يفرض مراجعة الموارد المعطلة مثل «فسفاط قفصة» التي بإمكانها ضخّ مداخيل إضافية للحكومة الجديدة لتواجه الإستحقاقات الشعبية العاجلة . وقال «انّ مشاكلنا قابلة للحل شريطة ملامسة الواقع» واعتبر أن جلّ الفئات المكونة للمجتمع التونسي من القمة إلى القاع من أطباء ومحامين ومهندسين وموظفين... غير راضين عن واقعهم وان أغلبهم راغب في التغيير ولكن لا أحد منهم يريد التنازل. وأشار إلى انّ المعادلة تبدو صعبة في ظلّ هذه المرحلة الإنتقالية الصعبة. مضيفا: «نحن الآن فعلا في «عنق الزجاجة» وعلينا أن نخرج منها». واعتبر العبيدي أن النسبة المرتفعة للبطالة وخصوصا بين حاملي الشهائد العلمية والتي تقدّر بأكثر من 400 ألف عاطل من مجموع 800 ألف عاطل لا يمكن أن يصبروا كثيرا على الحكومة الجديدة ان لم يلمسوا تغييرا يذكر حتى لو كان بنسق مقبول. وأكدّ انّ أغلبهم في مرحلة الإنتاج والفتوّة إذ أن أعمارهم تتراوح بين 25 و40 سنة وقال إن هؤلاء لا يمكن أن نقول لهم إنتظروا وإصبروا أكثر لنصل إلى نتيجة. وقال إن نسبة التأطير في المجتمع تقاس عادة بنسبة حاملي الشهائد العاطلين والتي تتراوح في مجتمعنا بين 14 و15 بالمائة، وأكدّ انّ هذه النسبة تقاس بها أيضا نسبة تعاسة أو صلابة أجهزة الدولة. وأكدّ ان هناك حملا ثقيلا ودعا إلى اقتسامه بين السلطة والشعب وان يكون «حمل كل التونسيين»، وقال إننا في تونس نرفض حمل الثقل ونرفض القسمة. وأضاف العبيدي قائلا: «ما نلاحظه اليوم أن اغلب المؤسسات في تونس لا تعمل ولا تؤدي دورها على أحسن وجه»، وأشار إلى أنّ الريادة السياسية يجب ان تكون بين السلطة وهذه الفئات التي تعيش على وقع اليأس والتعاسة لأنها لن تصبر كثيرا. وقال انّ «المهدي جمعة» كرئيس حكومة له كلّ المقومات والإمكانيات للنجاح، ولكنه لن ينجح إلا إذا كان هناك تجاوب بينه وبين الفاعلين السياسيين وأيضا مع الشعب ومن يمثله ومع أجهزة ومؤسسات الدولة، وأكدّ أنه على «جمعة» أن يهتدي إلى خطة واضحة وأكدّ أنه على بقية المؤسسات أن تعمل أكثر. وأضاف أنه يتوجب على رئيس الحكومة ان يجد طريقة للتواصل وإيصال الرسالة بوضوح والغوص في شواغل المجتمع، ودعا الى الإفصاح عن التوجهات القادمة وكشف الى أين سيسير بالبلاد إلى حين تحقيق ما وعد به. وأكدّ العبيدي انه بتسلم الحكومة الجديدة لمهامها دخلنا في صلب الموضوع وقال مهما كانت خطة «جمعة» في إدارة المرحلة القادمة فهو مطالب بالتوفيق بين العمل ورأس المال. وعن رأيه في موافقة صندوق النقد الدولي إسناد قرض إلى تونس، قال «العبيدي» انّ هذا القرض سيساهم في مرحلة أولى في حلّ بعض الإشكاليات العالقة، واعتبر انّ أموال القرض متأتية من دول أخرى مانحة وانه بالتالي ستكون هناك شروط في المساعدة، وأكدّ ان المانحين لهذه القروض سيفرضون على تونس منظومة إقتصادية معينة وان الأموال بالتالي لن تكون فقط لتحقيق مصلحة تونس بل ستجمع بين مصالحنا من جهة ومصالحهم من جهة أخرى.