من إكراهات المرحلة الراهنة أن الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية القادمة خطف الأنظار عن مشهدنا المحلي والجهوي وحراكه الاحتجاجي المتصاعد. من الصعب الاعتقاد مسبقا أنه ثمة رابط بين عودة الحراك الاحتجاجي المحلي والجهوي هنا وهناك وقرب المواعيد الانتخابية ولكن المؤمل أن يساهم هذا الحراك في تصحيح المفاهيم السائدة في أذهان بعض سياسيينا حول مفهوم الدولة القوية، العادلة، القادرة، وحول العلاقة بين المركز والهامش وحول مقومات مناويل التنمية القادمة بعيدا عن الشعبوية والوعود الزائفة ودغدغة مشاعر المواطنين. آخر محطات الحراك المحلي الجهوي كانت جربة خلال الأيام الأخيرة والمحطة الموالية ستكون مدينة صفاقس نهاية الأسبوع القادم بمناسبة يوم «الغضب» المعلن ليوم 27 سبتمبر الجاري . جربة، جزيرة الأحلام، جربة الهادئة الوديعة العذبة، جربة رمز التسامح في بيئة تنساق أكثر فأكثر إلى نفي التسامح تطلق صيحة فزع قوبلت بمعالجة أمنيّة غير مبررة على الاطلاق. المشكلة بقدمها، بسيطة نسبيّا وحلولها ممكنة، بعضها على المدى القصير وبعضها على المدى المتوسط والبعيد. جربة أقدم محطاتنا السياحية وأكثرها مزايا تفاضلية بحكم الجغرافيا وروعة شواطئها وخصوصياتها الثقافية الضاربة جذورها في أعماق التاريخ (والتي تعود إلى عصر الحضارة الأمازيغية المغيبة في تاريخنا وفي خطابنا السياسي والثقافي والتعليمي والاعلامي) تعيش مشكلة من غير المعقول أن تعيشها منطقة سياحية رائدة في القرن 21 ، ورغم قناعتنا أن جميع مدننا تعاني بدرجات متفاوتة من مشاكل وأوضاع بيئية مؤسفة، فإن ماهو مقبول وممكن تحمّله في بعض المدن لا يمكن قبوله في الواجهات الأهم لبلادنا وفي مناطق صورتها في العالم. الحل في جربة هو في مجمله بسيط ولكنه يرحّل في كل مرّة إلى المستقبل غير المعلوم لتنعقد الأوضاع أكثر وتعود إلى أذهان أهالي الجزيرة الكثير من التساؤلات الوجودية من نوع : أي معنى للحق في الماء دون الحق في الحياة في بيئة سليمة وأي معنى للحق في الحياة دون تلازم مع الحق في هواء نقي سليم؟ المشكلة بيئية صرفة هكذا تبدو، ولكنها في الحقيقة أعمق بكثير في جذورها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. نلمس من هذا الوضع البيئي المتردي في ظاهره رواسب ومخلفات الاثر العشائري الكامنة في جهة مدنين والتي يصعب على الآخر من خارج الجهة فهمه وإستيعابه حيث لا تزال الجهة تعاني من بقايا الفعل العشائري تحت أنظار السلط المحلية والجهوية وصمت السلطة المركزية، وهذا الكامن والخفي في أذهان أهالي جربة أذكى في لا وعيهم فكرة الانفصال عن ولاية مدنين والمطالبة بتحويل جربة إلى ولاية. اقتصاديا ينمو الاستثمار في قطاع السياحة بجزيرة جربة وتكبر بالخصوص شبكة المؤسسات الفندقية بها بمبادرات من كل من هبّ ودبّ، من حرفيّي القطاع ومن الدخلاء عليه بما يحمله هؤلاء الدخلاء من عقلية التحيل في مظاهرها المختلفة، والأغرب أن دولتنا أغدقت بسخاء على المستثمرين في الفندقة بحوافزها وتسهيلاتها وتشجيعاتها ولم تكلف نفسها طوال العقود الأربعة الأخيرة تأمين التطوير الضروري المتوازن لشبكة التصرف في النفايات والفضلات والمياه المستعملة ورسكلتها وفق المعايير المعتمدة في المناطق السياحية العالمية. أما سياسيا وإداريا فالمشكلة لا تعكس فقط عجزا بيّنا للنيابات الخصوصية في التصرف في الشأن المحلي مثلما هو الحال بالنسبة لجل النيابات الخصوصية القائمة، ولكنها تعكس كذلك معوقات تنظيمنا الاداري والسياسي في علاقة المنطقة بمركز الولاية، وفي علاقة الولاية بالادارة المركزية وفي تعدد النظراء في السلطة المركزية لمعالجة وضع محلي تعذّر حلّه محليا وجهويا والنتيجة تحركات احتجاجية، فإضراب عام. فمسيرات فمعالجة أمنية، أما المشكلة فلا تزال قائمة!. ومن جزيرة الأحلام جربة إلى صفاقس مدينة العمل والكدّ والجهد، إلى مدينة جميع المشاريع المنسية والمعطلة بعضها يعود إلى نهاية السبعينات إلى المدينة التي كانت في ما مضى عاصمة الجنوب فأصبحت في عزلة خانقة تدمّر طاقاتها وقدراتها وفرصها المتبقية في مزيد الإسهام في إنعاش الاقتصاد الوطني بدءا بالتفاعل الايجابي مع جميع الجهات المجاورة لها عوض أن تبقى مثلما أرادُوا لها الملاذ المفضّل للفقراء والمفقرين والمهمشين من أهلنا في هذه الجهات . صفاقس أصبحت مدينة لا يطيب العيش فيها نتيجة الآثار السلبية للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها منذ نهاية الستينات والذي قابلها حصار ممنهج استهدف عزلها عن محيطها الوطني والدولي، فكل شيء يسير نحو الأسوء في جهة صفاقس بدءا بأريافها التي لا تقل تعاسة عن ارياف تونس العميقة وصولا إلى المدينة التي أصبح أهاليها بالكاد يتنفسون وإن تنفسوا فهم في المراتب الأولى للمصابين بمرض السرطان والأمراض التنفسية (عافاكم اللّه) هذا هو حال المدينة التاريخية للفلّ والياسمين والورد «العربي»!. وللأمانة فإن المسؤولية هنا مشتركة بين المجالس البلدية والجهوية التي تعاقبت على إدارة الشأن المحلي والجهوي وبين الدولة التي كافأت الجهة بإهمالها لأهمّ المشاريع الوطنية القديمة الجديدة تجاهلا لها أو بطئا في إقرارها وانجازها أو مماطلة أو حتى تعطيلا للقليل ممّا تمّ الشروع في انجازه، حتى أصبح من الصعب اليوم على أية دولة جدية ضبط سلّم أولويات في انجاز ما يلزم من المشاريع المتراكمة، كالمدينة الرياضية، وميناء المياه العميقة خارج المدينة والقاعدة العسكرية البحرية اللائقة والمتطورة وشبكة المترو الخفيف، والطريق السيارة الرابطة بين صفاقس وجهات الوسط الغربي( القصرين وسيدي بوزيد وقفصة) يما يسمح بفكّ العزلة في الاتجاهين واستحثاث نسق انجاز الطريق السيارة صفاقسقابس وغلق معمل «السياب» ونقلة محطة القطار بما يسمح بتوفير أفضل الحلول لاستكمال مشروع تهيئة تبرورة إلخ... وبالمناسبة، ونحن على أبواب حملتين انتخابيتين تشريعية ورئاسية أهمس بكل لطف في أذن السيد الباجي قائد السبسي لأصحح له ما قاله إلى أهل الجهة يوم زارهم وهو رئيس الحكومة المؤقتة بمناسبة افتتاح معرض صفاقس الدولي ردّا على استفساراتهم في خصوص بعض المشاريع في الجهة بما معناه أن «الصفاقسية عندهم الفلوس وينجموا يعولوا على رواحهم» ...فصحيح أن جزءا من الصفاقسية يملكون من رأس المال بدرجات متفاوتة ما قد لا يتوفر لدى تونسيين في جهات أخرى، ولكنهم يملكون شيئا من رأس المال لأن يشتغلوا ويشغلّوا لا لأن يحلّوا محل الدولة في انجاز ماهو موكول للدولة وفق المتعارف عليه في جميع الأنظمة السياسية في العالم. كانت الأمور تسير بصفة طبيعية في جهة صفاقس، وكان أهلها يتعايشون مع معاناتهم في صبر على أمل غد أفضل لولا الخطأ الاستراتيجي الذي إرتكبته الحكومة المؤقتة بالحديث عن مشروع المدينة الاقتصادية العظيمة بالنفيضة خطأ في التوقيت وخطأ في الاتصال وخطأ في المكونات وخطأ في تقدير المردودية الاقتصادية المباشرة لهذا المشروع، وهذا الخطأ الاستراتيجي أثار حفيظة أهالي الجهة واستفز مشاعرهم وأيقظ مطالبهم المتراكمة المشروعة وحقهم في نصيبهم العادل من الثروة الوطنية بقدر إسهامهم كجهة في نصيبهم العادل من الثروة الوطنية بقدر إسهامهم كجهة وكناشطين اقتصاديين في تحصيل هذه الثروة الوطنيّة فدعوا إلى إعلان يوم 27 سبتمبر القادم يوم «غضب» جهوي تعبيرا عن رفضهم كما فهموه من «حقرة» للجهة ومن تهميش متواصل لأهلها من طرف دولة قامت للقضاء على كل أشكال «الحقرة» والتهميش. من جربة إلى صفاقس، وقبلها جهات أخرى وقد تتبعها جهات أخرى، نعيش على حقيقة واحدة أن ثورة الهامش على المركز فشلت في تثوير مناويل التنمية المعتمدة تقليديا وفي تصوّر معالجات جديدة للاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة بإلحاح بالأدوات المطلوبة كما بالثقة المطلوبة بين الجهات والدولة، حتى أن المركز بقي مركز وبقي الهامش على هامشيته. وحتى الدستور الجديد في تعاطيه مع المسألة الجهوية والمحلية لم يكن جريئا في مستوى تطلعات الجهات فإكتفى بإرساء بعض المبادئ العامة الجديدة التي لن تغيّر من واقع الجهات شيئا كبيرا طالما أنه أبقى على نفوذ المركز (السلطة المركزية) وعلى «استبداده» واستئثاره بالقرار النهائي وهو ما يوحي بأن الجهات قد تكون على موعد بعد سنوات قليلة مع انتفاضة جديدة.