الأمن يُلقي القبض على عصابة السلب والسرقة بشارع الحرية..#خبر_عاجل    مهرجان Jazzit – الدورة الثانية: الكشف عن البرنامج    ترامب: سأدمر جميع محطات توليد الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خرج في إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق    عاجل/ السيسي يوجه هذه الرسالة الى ترامب..    وزارة أملاك الدولة تنشر قائمة العقارات الدولية الفلاحية المعروضة للكراء بالمراكنة للشركات الأهلية    صادم/ فتاة ال16 سنة تروج المخدرات..!    بيان من الحرس الثوري الإيراني حول تفاصيل استهداف طائرة "E-3" أمريكية و"تدميرها" (صور)    بين تونس والبرتغال... هل خسر يوسف الشرميطي الرهان؟    بطولة النخبة لكرة اليد: مواجهات قوية في الجولة السادسة لمرحلة التتويج    عاجل/ بسبب سوء الأحوال الجوية: ال"CTN" تصدر بلاغ هام وتعلن..    وزير الشؤون الاجتماعية : نعمل على إدخال تنقيحات على منظومة الكفالة تتيح للأسر التونسية رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة فاقدي السند    برد، تبروري، وثلوج: عودة شتوية قوية للتوانسة الّي خفّفوا اللبسة..    عاجل/ إسرائيل تعلن استهداف جامعة الإمام الحسين في طهران..    توزر: اختتام المهرجان الدولي للطائرات الورقية بعد ثلاثة أيام من الورشات والخرجات السياحية    العلم يقول اللي أحكم قراراتك تاخذها في العمر هذا    مفاجأة علمية: مادة بسيطة موجودة في البيض واللحم قادرة تحميك من القلق !    عاجل/ بشرى سارة للتونسيين بخصوص نسبة امتلاء السدود..    بسيطرة مطلقة: المنتخب الوطني يفرض كلمته في بطولة إفريقيا للجودو    عاجل/ تزامنا مع ارتفاع الاستهلاك: رئيس الغرفة الوطنية لموزعي قوارير الغاز المنزلي يكشف وضعية التزود بالغاز..    ركبتك توجع فيك؟ : هذه حقيقة ''البرد'' اللّي يهرّي القروش    روسيا تطرد دبلوماسيا بريطانيا بتهمة التجسس    الرابطة الثانية: تعيينات منافسات الجولة الثامنة إيابا    الرابطة المحترفة الاولى: روزنامة بقية جولات البطولة    فرنسا تستعرض قوتها وعمق تشكيلتها في الفوز 3-1 وديا على كولومبيا    طهران: نحن من يحدد نهاية الحرب    عاجل: تقلّبات جوية بهذه المناطق وتحذير مهمّ لمستعملي الطريق    البنك المركزي يوقف تمويل بعض السلع... شنوا يعنيلك هذا كمواطن؟    البطاطا والطماطم والفلفل... الأسوام اليوم في السوق البلدي بأريانة    وزير الشؤون الدينية يفتتح الملتقى التكويني لمؤطري الحجيج التونسيين استعدادا لموسم حج 1447ه/2026م    عاجل: القيروان... يطلق النار على زوجة والده بسبب الميراث... تفاصيل صادمة    البنك الافريقي للتنمية ينظم الدورة العاشرة لسوق الطاقة الأفريقية يومي 8 و9 أفريل 2026، بالغابون    منشور للبنك المركزي يحد من التمويل : شنوا تأثيروا على أسعار الكراهب ؟    حضور لافت للسينما التونسية في الدورة 15 من مهرجان الاقصر للسينما الأفريقية    تأجيل محاكمة والي منوبة الأسبق أحمد السماوي في قضية فساد    إسبانيا تغلق مجالها الجوي أمام الطائرات المشاركة في العمليات ضد إيران    ترامب: إيران ستسمح بمرور 20 ناقلة نفط عبر مضيق هرمز    التلميذ التونسي يقرى بكتب مدرسية من عام 2004 !!!    السينما التونسية تتألق دوليا بتتويج ظافر العابدين في مانشستر... فيلم 'صوفيا'    خطير/ كلاب سائبة تنهش سيّدة بكورنيش حمام الأنف..وهذه التفاصيل..#خبر_عاجل    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    بنزرت: إنقاذ كهل بعد سقوطه في البحر والبحث متواصل عن مرافقه    بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب    كأس تونس: برنامج مقابلات الدور ثمن النهائي    4 عادات يومية على مرضى السكري الابتعاد عنها... التفاصيل    وزير التشغيل يبحث مع مدير عام شبكة اليونسكو يونيفوك،أفاق تطوير المنظومة الوطنية للتكوين المهني    تصعيد رسمي مغربي بعد "استعراض مثير" للسنغال في باريس    سباق محموم على الذاكرة التونسية.. من يحمي ما تبقّى من تراثنا؟    في معرض ليبيا للغذاء ...تونس تتألق وتعزّز حضورها الإقليمي    معركة «هرمجدون» (Armageddon) في الرؤية اليهوديّة    مع الشروق : من موقعة «الجمل» إلى موقعة الصواريخ فرط الصوتية !    قفصة: تنظيم التظاهرة الثقافية والرياضية والصحية "ربيع عليم" في دورتها الأولى بعمادة عليم بمعتمدية السند    الشيخ محجوب المحجوبي: هذي العادة في المقبرة غلط والدين يقول غيرها    جائزة أفضل مخرج لفيلم صوفيا بمهرجان مانشستر السينمائي الدولي    الأمطار الرعدية تجتاح الشمال والوسط... شوف المناطق المعنية!    وزارة التجهيز.. استئناف حركة المرور بالمدخل الجنوبي للعاصمة    احسن دعاء للميت    بشرى سارة لمرضى السكري.. وداعاً للحقن اليومية..    انطلاق فعاليات المؤتمر الدولي الطبي الثاني للوقاية من أمراض القلب والشرايين بجزيرة جربة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مجلة «فورين أفيرز» :حل واحد لهزم «داعش»الاحتواء السّاخن
نشر في التونسية يوم 26 - 11 - 2015


لندن (وكالات)
نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية دراسة تعرّضت فيها إلى أسباب فشل الاستراتيجيات المعتمدة من الدول العظمى في مواجهة تمدّد تنظيم ما يُعرف ب«داعش» وخلصت إلى أنّ الاستراتيجية الوحيدة التي يمكن أن تهزم هذا التنظيم هي ما يسمّى ب«الاحتواء الساخن» في إشارة إلى سياسة الاحتواء والحصار التي فرضها المعسكر الرأسمالي على المعسكر السوفياتي طيلة سنوات والتي انتهت بسقوط جدار برلين وانهيار الامبراطورية السوفياتية.
وفي ما يلي ترجمة للدراسة:
نعم، قد تبدو تلك الكلمات صادمة لأول وهلة، ولكن «داعش» بالفعل ليست تنظيمًا إرهابيًا، والقصد هنا ليس نفي قيامها بأفعال إرهابية بالمعنى العام للكلمة، فليس ثمة خلاف على الترويع الذي تقوم به بأفعالها، ولكنه نفي كونها «تنظيمًا إرهابيًا» بالمعنى المتعارف عليه حاليًا، والذي قد يضعها في سلة واحدة مع مجموعات ك«القاعدة» مثلًا، ف«داعش» في الواقع أقرب لكونها دولة فعليًا منها لتنظيم أو حركة مسلحة، ولكنها دولة غير تقليدية كالدول القومية المنتشرة بطول الأرض وعرضها، وهو أمر ينبغي إدراكه جيدًا قبل الشروع في وضع استراتيجيات للتعامل معها واحتوائها أو مواجهتها.
«داعش» ليست وريث «القاعدة»
في خطاب متلفز في سبتمبر الماضي شرح الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطته لإضعاف «داعش»، ومن ثم القضاء عليها، وقام برسم خط مستقيم بين «داعش» و«القاعدة» قائلًا إنها «منظمة إرهابية بكل بساطة»، غير أن أوباما قد ارتكب خطأ كبيرًا هنا، إذ أن «داعش» في الحقيقة تمارس الإرهاب كتكتيك ليس إلا، في حين أن معظم سماتها لا تجعل منها جماعة إرهابية أبدًا، بل دولة نوعًا ما، أو على أقل تقدير كيان سياسي أقرب للدولة الكلاسيكية أو ربما لدول العصور الوسطى. فما هي تلك السمات إذن وكيف تميّزها عن الجماعات الإرهابية؟
تمتلك «داعش» مساحة من الأرض ترتكز عليها وتهيمن فيها على مصادر الطاقة وخطوط الاتصالات وتحاول توسيعها بالقوة، على عكس «القاعدة» والتي تُعَد شبكة متحركة، كما أن معاقلها الأساسية هي بمثابة «عواصمها» أو مدنها الكبرى على غرار الدول القومية، في حين أن المدن التي يتواجد فيها مقاتلو «القاعدة» هي جيوب يلجؤون ويختبئون فيها ليس أكثر، دون أن يقوموا بفرض نظام سياسي أو قانوني فيها، علاوة على أنها تمتلك قوة منظمة من ثلاثين ألف مقاتل على أقل تقدير، بينما تمتلك «القاعدة» بضعة مئات فقط، وأخيرًا فإنها تمتلك إمكانيات عسكرية معتبرة تدخل بها معارك حربية موسعة، في حين تقوم «القاعدة» بعمليات هجوم مفاجئة وسريعة ضد المدنيين بشكل أساسي.
تنبع الاختلافات عامة بين «داعش» و«القاعدة» من التاريخ المغاير لكل منهما، فقد نشأت «القاعدة» في أعقاب الغزو السوفياتي لأفغانستان، أي كحركة مقاومة في المقام الأول، وقد استمر تبلورها في أفغانستان حيث غابت، أو فشلت في إثبات حضورها على أقل تقدير في أية دولة حديثة بالمعنى الشامل على غرار العراق صدام وسوريا الأسد، فالجغرافيا الأفغانية الوعرة مع هيمنة الحسابات القبلية أكسبت «القاعدة» طابعها «المتمرد» على أية دولة، ناهيك عن أنه لم يُكسبها أية طموحات «دولتية» إن جاز التعبير، فقد كانت «القاعدة» ولا تزال تدعو مسلمي العالم إلى نوع من «التمرد الدولي» على النظام القائم.
أمّا «داعش»، فقد نشأت في أعقاب تراجع شرعية النظام العراقي الشيعي أولًا بعد الانسحاب الأمريكي، لتكسب في صفها قبائل العرب السنة، ثم بنشوب الصراع السوري ثانيًا، لتتمدد في المساحة الواسعة المتمركزة بين الشام والرافدين كنطاقين تاريخيَّين طالما وُجِدَت فيهما كيانات سياسية قوية، وفي ظل هذه الأحداث، انضمت لصفوف «داعش» مجموعة متنوعة من القبائل السنية الغاضبة على النظام العراقي، مع ضباط الجيش العراقي البعثي السابق الحانقين أيضًا على مكتسبات النظام الجديد، وهي سمات بعيدة جدًا عن «عقلية المقاومة» التي بُنيت عليها «القاعدة»، وأقرب لكونها نوعًا ما «مشروع دولة انتقامية».
لماذا ستفشل استراتيجية الحرب على الإرهاب مع «داعش» ؟
في أعقاب حادثة الحادي عشر من سبتمبر، أسست الولايات المتحدة بنية تحتية استخباراتية كاملة، ونوعيات معينة من العمليات العسكرية موجهة ل«القاعدة» وحلفائها، وهي مجموعة مؤسسات تفوق 250 مؤسسة، وتنتج سنويًا خمسين ألف تقرير عن «الإرهاب» وسُبُل تمويله بشكل أتاح لواشنطن تعقب الأموال واستخدام نفوذها المالي الدولي لمنع وصولها ل«القاعدة» قدر الإمكان، علاوة على تعقب شبكات تجنيد المقاتلين، والقيام بضربات جوية في أفغانستان على أماكن لجوء واختباء قياديي التنظيم، وهو نظام أثبت كفاءته في الحقيقة نسبيًا ويفسر غياب أية عمليات إرهابية ضخمة منذ ذلك الوقت في الولايات المتحدة وحتى اليوم.
كل هذه البنية التحتية لا تُجدي في الواقع مع «داعش» كما قد يخيّل للبعض في البنتاغون أو البيت الأبيض، فالطائرات التي قتلت حوالي 75 بالمائة من قيادات «القاعدة» في السنوات الماضية لا يمكن استخدامها لتعقب قادة «داعش» نظرًا لتمركزهم في مراكز حضرية مليئة بالمباني وتضم أعدادًا كبيرة من المدنيين، وليس في المناطق الجبلية النائية والخالية كما في أفغانستان، وعلاوة على ذلك فإن استهداف قادة «داعش» لن يعيقه أصلًا، فهي تمتلك هيكلًا إداريًا يعمل بشكل يتجاوز الشخصيات الموجودة في القمة حيث يتربع البغدادي مع نائبين خدما سابقًا في جيش صدام، هما أبو علي الأنباري مدير عمليات «داعش» في سوريا، وأبو مسلم التركماني مدير عملياتها في العراق، كما يُشرف على مؤسساتها المدنية 12 حاكمًا يديرون الشؤون المالية والإعلامية والدينية.
من ناحية أخرى، تمثل «داعش» تحديًا كبيرًا لوسائل مكافحة الإرهاب التقليدية المرتكزة على قطع التمويل والتجنيد والدعايا الإعلامية. ففي حالة «القاعدة» التي لم تمتلك مساحة تفرض عليها سيطرتها كان حتمًا عليها اللجوء إلى شبكات تمويل دولية، وهي شبكات كُشفَت بسهولة عن طريق الاستخبارات الأمريكية وتم قطعها بشكل أصبحت معه «القاعدة» تعاني في الحقيقة من نقص شديد في التمويل في السنوات الأخيرة. أما «داعش» فإن امتلاكها أراضٍ واسعة يتيح لها استغلال الموارد الموجودة فيها وتشكيل ميزانية خاصة كأي كيان سياسي ذي سيادة.
وتسيطر «داعش» حاليًا على 60 بالمائة من نفط سوريا وعدة حقول بغربي العراق، وهي ناجحة بالفعل في بيع النفط بأربعين دولارًا للبرميل في السوق السوداء بتركيا والأردن، وتجني من مليون لثلاثة ملايين دولار يوميًا، وتلك الأموال مضافة بالطبع لعمليات السطو التي تقوم بها حين تستحوذ على مدينة جديدة، كما فعلت مع فرع البنك المركزي في الموصل، ومع الآثار القيّمة التي تتستولى عليها وتُباع هي الأخرى في أسواقها السوداء، بل وحتى مع الماشية التي يمتلكها بعض السكان، إضافة إلى الضرائب الثقيلة المفروضة على كثيرين، من الفلاحين وأصحاب الأراضي وحتى المسؤولين عن شبكات المحمول وشركات توزيع المياه والكهرباء، وهو سلطان مالي يفوق ما تحلم به أيّة منظمة مسلحة، ولم تتمكن السلطات الأمريكية من معرفة حجمه بالضبط حتى الآن.
لماذا لن تنفع دعوة «الإسلام الصحيح» مع ال«دواعش» ؟
بعيدًا عن السمات المادية ل«داعش»، والتي لا تتيح لاستراتيجيات مكافحة الإرهاب الغربية أن تقوّضها، تأتي صعوبة أخرى على الناحية المعنوية أو ما يخص الدعايا وهي صعوبة مواجهة الأفكار ال«داعشية» بدعوة إسلامية مضادة معتدلة كانت أم متطرفة، ف«القاعدة» طالما استندت لقواعدها «الأخلاقية» إن جاز القول، والتي كان من المفترض أن تجعل منها مثالًا يحتذى به للأمة الإسلامية وللتمرد من أجلها، فالظواهري، ومن قبله بن لادن، ظهر ولا يزال بصورة توحي بالزهد جالسًا على الأرض في كهف أو معسكر أو مكتبة، في محاولة لجذب الشباب المسلم المتديّن لخطاب يداعب المشاعر الإسلامية بالأساس، والتي لم تكن تتطلع بأي شكل إلى إشباع رغباتها عند الانضمام ل«القاعدة» ولكن لتحقيق ذاتها الإسلامية.
«داعش»، على النقيض، لا تكترث كثيرًا بالشرعية الإسلامية التقليدية اجتماعيًا وروحيًا، والمستندة لمفاهيم كالزهد والورع والدفاع عن الأمة، بل هي تعتمد في الواقع على بث صورة عنيفة عنها لجذب أتباعها، وهي تهتم بالأساس بحشد النفوذ والسلطان والمال والأراضي في شكل من أشكال السلطان الإسلامي الكلاسيكي المجرد من القيم الدينية (على غرار تجارب مشابهة في التاريخ الإسلامي منها بعض الأمويين والعباسيين كما نعرف).
لعل ذلك يفسر جزئيًا تدفق الكثير من المسلمين الأوروبيين ل«داعش» ومن الطبقات الوسطى والعليا، فهم يتمتعون بالأساس بدولة حديثة ذات قيم ديمقراطية وحقوقية لربما لا يكترثون لها، في حين أنهم مجتمعيًا مهمشون في بعض البلدان، وفي معظمها في الحقيقة فإنهم كغيرهم من الشباب الأوروبي غير المسلم يعانون من نزعة فقدان الإيمان بالمنظومة القائمة بشكل عنيف وعدمي، كما نرى في حركات اليمين الفاشي المنتشرة الآن بغرب وشرق أوروبا، وباعتبارهم أقلية في تلك البلدان، فإن ممارسة كهذه لا تتُاح لتلك الشريحة من المسلمين بقدر ما يمكن تحقيقها بالذهاب إلى «داعش».
باختصار، فإن «القاعدة» تحاول استقطاب مسلمين، وفق تعريفها للإسلام الحق بالطبع، للعمل على تحقيق أهداف بعيدة المدى هي حشد المسلمين قدر الإمكان للتمرد على منظومة كافرة في نظرهم، أما «داعش» فإن الإسلام بالنسبة لها مصدر شرعية شكلية، في حين أن عامل الجذب الأساسي للانضمام لها هو تنفيذ رغبات القتل أو الجنس أو المال، وهي كلها أهداف قصيرة المدى وفردانية أكثر منها جماعية في الحقيقة، وكل ذلك يعني أن مكافحتها عبر بث رسالات عن الإسلام الحق أو الوسطى أو المعتدل، إلى آخره، ليس لها أيّة جدوى في ظل دعاية «داعشية» تستقطب فعليًا شرائح مسلمة لا تبالي بأيّة من تلك القيم بقدر ما تحاول التنفيس عن غضبها (ضد المنظومة) وإشباع ملذاتها في آن في إطار دولة ترفع لواء «الهوية الإسلامية» كنوع من الانتماء القومي الفاشي، لا كعُصبة أممية عقائدية على غرار «القاعدة».
لماذا ستفشل سياسات مكافحة التطرف في إضعاف «داعش» ؟
كانت هناك نقطة ضعف رئيسية في «القاعدة» هي غياب أيّة مساحة جغرافية، وبالتالي نقطة ارتكاز ديمغرافية وثقافية، تعتمد عليها، فهي شبكة حاولت الوصول للعالمية عبر التواصل مع حلفائها في الشيشان وإندونيسيا وكشمير وفلسطين وتركستان الشرقية وغيرها، لكن عالميتها تلك قوضت كثيرًا من قدرتها على الحشد وضبط الصفوف، بل إن غياب «حكمها» السياسي المباشر، رغم تمتعها ب«حاكمية» دعوتها بين تلك المجموعات، كان يعني مع الوقت نجاح السلطات المحلية التابعة لكل بلد في اجتذاب السكان المحليين بتقديم الخدمات وتحسينها، علاوة على عدم قدرة التنظيم الأم على مراعاة مصالح كل حليف له وفق سياقه الجغرافي والتاريخي والصراع الرئيسي الذي يخوضه في إقليمه.
أمّا «داعش» فلا تعاني من تلك المصاعب، فهي أولًا تحكم نطاقًا تبسط فيه حكمها المطلق بشكل لا يتيح لأحد أن ينافسها فيه بتقديم خدمات أو ما شابه بسهولة، كما أنها تقدم بنفسها خدمات خاصة بها كدولة، وثانيًا فإنها مرتكزة جغرافيًا وديمغرافيًا على نقطة قبائل العرب السنة بين العراق والشام بشكل يجعل الأجندة الرئيسية واحدة نتيجة وحدة السياق الإقليمي، وكل أفرع الدولة كما تسمى عالميًا هي مجرد مجموعات مسلحة تمتلك سياقها وأجندتها الخاصة أعلنت البيعة ل«داعش» ليس إلا، ولكنها لا تأتمر بالضرورة بها فعليًا، وأعلنت بيعتها على الأرجح في إطار معارضتها للنظام القائم وفق معركتها.
ثالثًا وهو الأهم، وفي إطار امتلاكها لكيانها السياسي، تمتلك «داعش» على الأرض جيشها الخاص، وهو ما يعني أن واحدة من حجج مكافحة التطرف التي تستند لتخويف المحليين من مغبة إغضاب الدولة أو الجيش النظامي غير موجودة أصلًا، وجيش «داعش» حديث تقنيًا وإن لم يكن كذلك مهنيًا، فهو الآن مسلح بالدبابات أمريكية الصنع التي استولى عليها، وأنواع ذخيرة حديثة، وسيارات مصفحة، وسيارات هامفي مسلحة، وسيارات مضادة للألغام، وغيرها، كما أنه يُدار بالطبع بواسطة جنرالات سابقين بجيش صدام، وإن كان البعض يرى أنه يمكن استغلال خلافات بين أولئك الضباط البعثيين وأمرائهم المتطرفين من «الدواعش» لكن يبدو حاليًا أنه بالإمكان فض ذلك التحالف بأي شكل.
الحل الوحيد حاليًا: الاحتواء «الساخن»
باختصار إذن ستفشل استراتيجيات محاربة الإرهاب نظرًا لكونها مصممة على مواجهة شبكات عالمية غير مرتكزة على نطاق جغرافي معين بشكل واضح، وستفشل سياسات مكافحة التطرف نظرًا لقيامها على افتراض تواجد التنظيمات التي تواجهها في إطار دولة ذات سيادة، وليس أن تكون هي نفسها بوجه دولة ذات سيادة فعلية ك«داعش»، وأخيرًا ستفشل دعايات «الإسلام الصحيح» نظرًا لعدم تقديمها ما يبحث عنه في الحقيقة المنجذبون للدواعش، وهذا قد يدفعنا ببساطة للقول بأن التدخل البري المباشر، على غرار الحروب التقليدية بين الدول إذن، هو الحل الوحيد بوجه تلك «الدولة» غير أنه حل يكلف كثيرًا، ولا يبدو أن أحدًا يمكن أن يقوم به في المنطقة الآن.
ما هو الحل إذن؟ الحل هو استراتيجية احتواء على غرار ما قامت بها الولايات المتحدة سابقًا ضد السوفيات، وما كانت تقوم به حتى وقت قريب ضدّ دول كلاسيكية ولكن معادية لها، ككوبا، بل ولا تزال تقوم به بالفعل مع كوريا الشمالية، والاحتواء هذه المرة يجب أن يكون ساخنًا نظرًا لسخونة الأحداث الإقليمية الجارية، لا باردًا كما في الحالات السابقة، أي أن التحالفات السياسية والاقتصادية التي ستقوم بتهميش «داعش» في منطقة البادية التي تتمركز عليها حاليًا، يجب أن تتولى بين الحين والآخر عمليات عسكرية محدودة بوجهها، كما قد يحدث بالفعل من جانب تركيا على حدودها، أو من أي طرف آخر، وسيكون ضروريًا تعزيز تلك العمليات المحدودة بقوات جوية بالطبع، وفي الحالة التركية ووفق الاتفاق الأخير بين أردوغان وأوباما فإنها ستكون حماية جوية أمريكية.
إجمالًا، «داعش» ليست ابنة «القاعدة» رغم خروج قياداتها من ثوبها سابقًا، ولكنها في الواقع بنت التدخل الأمريكي والثورات العربية وانقلاب الحسابات الإقليمية في السنوات الماضية، وهي أشبه بكوريا شمالية مسلمة منها إلى أيّة حركة إرهابية أخرى، والتي كانت هي الأخرى بنت الحرب الباردة في الجزيرة الكورية لا بنت الشيوعية، والنظر ل«داعش» باعتبارها تنظيمًا إرهابيًا يهدد بخلق سياسات خاطئة قد تعزز من قوتها، ووضع القضاء عليها في المرحلة الحالية باعتباره هدفًا واحد من تلك الأخطاء، فالدول غير المرغوب فيها أيًا كانت في التاريخ (وبغض النظر عن الأطراف التي تقوم بتعريفها كذلك) لا يتم اقتلاعها بين ليلة وضحاها.
«داعش» تلزمها إذن سياسة احتواء ونفس طويل لا يكون السلاح فيها هو كل شيء، مما يضعفها كطرف معتمد بالأساس على العنف والتوسع، ويكون فيها نموذج لتقديم حياة متكاملة للأفراد الواقعين تحت حكم غيرها في الجوار اقتصاديًا وثقافيًا، ليضعف مجددًا كيانًا معزولًا نسبيًا ولا يملك سوى السلاح والمال السائل، وهو نموذج جرى ولا يزال يجري مع دول مماثلة، ككوريا الشمالية، والتي تقبع تحت احتواء وانعزال تام وإن ظلت موجودة ككيان سياسي، في حين تقدم أختها الجنوبية مساحة حرة لحياة حوالي أربعة أضعاف سكانها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.