العثور على ممرضة تونسية متفحمة بليبيا والمرصد يطالب بكشف الحقيقة    وزير التجهيز والإسكان يعطي إشارة انطلاق تدعيم الطريق الوطنية رقم 3 بولايتي زغوان وبن عروس..    المصادقة على اتفاقيتي قرض    استعدادات مهرجان قرطاج    خطبة الجمعة... مرحبا شهر رمضان    الشاي والقهوة وتدهور الذاكرة.. دراسة تكشف نتائج جديدة    وزير الدفاع الوطني يكرّم المنتخب العسكري للملاكمة    النادي الرياضي الصفاقسي يصدر بلاغ هام..#خبر_عاجل    المحرس: حجز لحوم غير صالحة للاستهلاك بالمسلخ البلدي    فضيحة مدوية/ اختراق أمني غير مسبوق: معلومات ضربة عسكرية لايران تظهر في موقع مراهنات..!    الشاب مامي، ناس الغيوان وكارول سماحة يشعلون الدورة السادسة ل"رمضان في المدينة"    مهرجان «قابس سينما فن» يوحّد السينما وفنون الصورة في دورته الثامنة    وول ستريت جورنال: أمريكا تشتري آلاف محطات "ستارلينك" وتهربها لإيران    طاقات نظيفة: الدورة الرابعة لمعرض الانتقال الطاقي في "ريميني" يراهن على إفريقيا لتسريع الاستثمارات الخضراء    هذا شنوا قال فضل شاكر في المحكمة    كسوف الشمس الأول في 2026: أين تُشاهَد «حلقة النار» في 17 فيفري؟    شيرين عبد الوهاب تعود بعد العزلة و أغنيتها تثير ضجة    عاجل: رياح شديدة تتجاوز 105 كم/س تضرب عدة مناطق بتونس!    عاجل: بلدية تونس تحذر السكان من التقلبات الجوية...اتّصلوا بهذه الأرقام    بطولة بو الفرنسية للتنس: معز الشرقي يتأهل إلى ربع النهائي    وزارة المالية تضبط نسب الفائدة للسداسية الأولى من 2026    النائبة سيرين مرابط تدين استمرار عمل روضة في أريانة بعد حادثة انتهاك حرمة طفل    الرابطة الأولى: تعيينات حكام مواجهات الجولة السادسة إيابا    في قضية تعلقت بشبهات فساد مالي: هذا ما قرره القضاء في حق هذا المسؤول السابق..#خبر_عاجل    الديوان الوطني للحماية المدنية يدعو إلى توخّي الحيطة والحذر على خلفية التقلبات الجوية    الكراء المملّك للتوانسة: شكون ينجّم يتمتّع بيه؟ وشنوا الشروط؟    في ضربة أمنية بهذه الولاية: الإطاحة بشبكة تحيل على طالبي العمل بالخارج..    الفيلم العالمي LES LEGENDAIRESفي قاعات السينما التونسية    عاجل : الملعب التونسي ممنوع من الانتداب    جانفي 2026: تقلّص العجز التجاري إلى 1287,6 مليون دينار    كي تذوق الماكلة في نهار رمضان يفسد الصوم ؟    روسيا تحظر تطبيق «واتساب»    مفاجأة صادمة: هذا الطعام اليومي خطر حقيقي    عاجل في رمضان: كلّ تونسي ينجّم يعرف كل الأسعار ويقدّم شكاية من خلال تطبيقة    اليوم الحسم: مكتب الرابطة يفصل في قانونية مشاركة أيمن الحرزي مع النادي الإفريقي    7 ميداليات للعناصر الوطنية في بطولة فزاع الدولية لبارا ألعاب القوى    عاجل/ في بلاغ رسمي..الداخلية تعلن ايقاف هذه العناصر..    فتح مناظرة خارجية لانتداب أساتذة التعليم الثانوي والفني والتقني    عاجل-كواليس التحكيم: من سيراقب المباراة الحاسمة للترجي؟    تحذير عاجل: عاصفة بحرية عنيفة تضرب السواحل التونسية وتنبيه للبحارة..    عاجل/ ملفات إبستين تنفجر من جديد: كشف مرتقب قد يطيح برؤوس كبيرة من عدة دول..    أمريكا تدرس إلغاء جوازات السفر لهؤلاء الأشخاص    5 نصائح طبّقهم قبل ما تستعمل الذكاء الاصطناعي لتحويل صورتك    من بينها 3 عربية: البرلمان الأوروبي يتخذ هذا الاجراء ضد مواطني 7 دول..    من 5000 إلى 8500 دينار.. كيفاش تتغير أسعار العمرة في رمضان؟    في رهانات التحديث ...تكريما للدكتور عبد المجيد الشّرفي    ياخي برسمي ما عادش فما ''شياطين'' في رمضان ؟    الأكاديمي التونسي رضا المامي يفتتح أول قسم عربي وإسلامي بالمكسيك    الدفع عبر الهاتف الجوال يقفز ب81%... وخبير بنكي يوضّح الفارق بين الدفع ب "الكارت" والدفع ب "الموبايل    كيفاش تتفادى الجوع والعطش أثناء الصيام خلال رمضان؟    عاجل : رسميا.. دولة عربية تحدد موعد بداية شهر رمضان    إيطاليا تقرّ مشروع قانون لفرض حصار بحري على قوارب المهاجرين    رمضان 2026... قائمة أقوى المسلسلات المصرية    بعد الفيديو الصادم.. الإطاحة بمنفذي براكاج طالب بمنفلوري    رئيس الجمهورية يشدّد على حماية التلاميذ من آفة المخدرات    عاجل: معهد الرصد الجوي يحذر من رياح قوية جدا    الهاشمي الوزير يتحصل على وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي    مفاجأة بعد أسبوع واحد فقط من تقليل الملح.. هذا ما يحدث لضغط دمك..!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. سامي نصر (مختص في علم الاجتماع الإجرامي) ل«التونسية»:لا قضاء على الجريمة إلاّ بإصلاح مؤسسات المجتمع
نشر في التونسية يوم 25 - 12 - 2015


بعد الثورة زادت نسبة الانتحار بأكثر من ٪58
قسوة العائلة على الطفل تدفعه إلى الانحراف والجريمة
إذا كان السجن جامعة الجريمة فالتلفزيون هو مدرستها الإعدادية
حاورته: صباح توجاني
هو باحث في علم الإجتماع الإجرامي لديه عديد الدراسات حول هذا الموضوع وحول ملفات أخرى لعل أبرزها التجربة السجنية وما خبره خلالها من حقائق لم يسبقه إليها أحد فكان أن تميز الدكتور سامي نصر عن غيره من الباحثين في الغوص إلى أعماق السجون التونسية وتناول بقلمه الفاضح أدق تفاصيل الحياة داخلها مستنفرا تارة ما لاقاه شخصيا من عذابات الزنزانات المتناثرة هنا وهناك، معتمدا تارة أخرى على ما دونه على غلاف علب السجائر من حكايات وآهات مساجين حقّ عام ومساجين سياسيين وآخرين غير مصنفين، دفعته العقوبات المسلطة عليه في العهد السابق الى الإحتكاك بهم وراء القضبان.
«التونسية» التقت الدكتور سامي نصر فكان معه هذا الحوار.
كشف الأستاذ الدكتور سامي نصر المختص في علم الإجتماع الإجرامي أنّ حوادث الإنتحار التي كثر بشأنها الحديث في الآونة الأخيرة لم تسجل ارتفاعا كما يتبادر الى الأذهان، واستدل في ذلك بالأرقام، قائلا:
«آخر احصائيات العام الجاري تشير الى ان شهر جانفي الماضي سجل وقوع 27 محاولة انتحار من بينها طفل واحد. أما شهر فيفري فقد شهد 40 محاولة منها 6 أطفال فيما جاء شهر مارس ب77 حالة منها 5 أطفال وشهر أفريل ب49 محاولة انتحار ب20 طفلا وشهر ماي 52 ب4 أطفال ثم شهر جوان ب42 لم يسجل فيها انتحار أطفال، فشهر جويلية ب50 محاولة احداها لطفل واحد. ثم شهر أوت 17 حالة ولا وجود لطفل بينها فيما شهد شهر سبتمبر الماضي ارتفاعا في عدد محاولات الانتحار وصل إلى 69 محاولة 3 منها شملت أطفالا.
ويتضح من خلال هذه الأرقام ان محاولات الإنتحار خلال العطلة الصيفية المدرسية وصلت إلى 178 محاولة يوجد بينها 4 أطفال علما أن نسبة الأطفال في كامل تراب الجمهورية تصل إلى 2 فاصل 24 بالمائة من مجموع السكان. وفي المقابل، وخلال فترة الدراسة أي طيلة العام الدراسي تم تسجيل 245 محاولة انتحار منها 36 تشمل أطفالا أي ما يمثل نسبة 14 فاصل 7 بالمائة.
في قراءتك لهذه الأرقام المفزعة، ماذا يتراءى لك؟
قراءتي لهذه الأرقام وغيرها تنير سبيلي بخصوص أسباب تفشي الظاهرة واقدام التونسيين على محاولات الإنتحار، فمن الواضح أن مردّ انخفاض الرقم الجملي لعدد محاولات الإنتحار خلال العطلة المدرسية تجمع أفراد العائلة مع بعضهم البعض وقربهم والإحاطة التي يجدها التلميذ من طرف والديه واخوته وعائلته الموسعة، فخلال الإجازات المدرسية، يتبادل افراد الأسرة الواحدة الحديث ويحتكون ببعضهم البعض ويتبادلون الأحاديث والنكت في ظل انعدام «الستراس» والتوتر والضغط النفسي والعصبي.. وحتى المشاكل البسيطة اليومية تقع بينهم ولكنها لا تفسد علاقتهم ببعضهم بل تقويها وتزيدها صلابة، وبالتالي يكون الفرد في حصانة نفسية بفضل فائض الوقت الذي يتوفر لدى كل فرد وخاصة لدى الأولياء للعناية باطفالهم.
في المقابل وللأسف الشديد خلال السنة الدراسية، لا أحد يملك الوقت ليتحدث إلى الأخر والأولياء يشهدون بذلك، حيث تتوزع اهتماماتهم بين الشغل والمدرسة والمعهد أو الجامعة وإيصال الأطفال إليها وسط الضغط المروري واكتظاظ الطرقات مما يخلق توترا يحول دون اقامة حوار بناء ومفيد مع الأبناء الذين يشعرون بالعزلة والوحدة حتى في ظلّ وجود أوليائهم معهم...وحتى عند العودة إلى البيت، وأمام الكم الهائل من الأشغال الذي ينتظر الأم العاملة، فإنه لا وقت لها لتتحدث إلى أطفالها أو حتى تستمع إلى مشاكلهم، فهي دوما مشغولة بشؤون البيت والطبخ وتنظيف الثياب وغيرها من الأعمال المنزلية التي تؤجل القيام بها الى حين عودتها منهكة من العمل مساء... أما الآباء فقلّما يعودون إلى البيت في نفس التوقيت ان كانوا مخيّرين أم مضطرّين، ولا يجدون متسعا من الوقت وبرودة الأعصاب للنّقاش والحوار مع أبنائهم حول مواضيع تشغلهم....
لذلك تنعدم لغة الحوار في البيوت طيلة العام الدراسي ويقلّ منسوب التفاهم والإستماع إلى الأبناء الذين يزدادون انغلاقا على أنفسهم وتراودهم الأفكار السوداء من قبيل أنهم غير مرغوب فيهم أو أن حياتهم كعدمها...وبفعل هشاشة نفسياتهم فإنه من السهل عليهم الإقدام على محاولات الانتحار.
ثم هنالك عامل آخر ولكنه استراتيجي في حث الأطفال وإقدامهم على محاولة انهاء حياتهم ويتمثل في تقليدهم ما يرونه في التلفزات وفي الفضائيات التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء واضحت تسوق من حيث تريد أو لا تريد لخطاب يشجع على الإنتحار، فلغة الأرقام تؤكد انه إثر بث برنامج قصير حول اقادم طفلة على قتل نفسها، تم تسجيل 13 محاولة انتحار بنفس الطريقة أدّت احداها إلى وفاة الطفل بنفس الطريقة التي انهت البنت حياتها بها.
لذلك كله أقول وأكرر بأننا نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى الى ثقافة الفرح والتمتع بمباهج الحياة مهما كانت بسيطة أو صغيرة، فنحن اليوم نروج لثقافة الحزن والألم عبر مواقع التواصل الإجتماعي الرهيبة وعبر تلفزاتنا التي كثر فيها الصراع والعراك والتجاذبات السياسية التي ملها التونسيون وكرهوها حتى اصبحوا يغيرون كل محطة تمعن في جمع الفرقاء السياسيين لخلق «البوز».
تحدثت عن مواقع التواصل الإجتماعي ..فهل تعتقد انها مسؤولة أيضا عن تفشي ظاهرة الإنتحار في صفوف شبابنا وأطفالنا؟
أجل أجل، أعتقد جازما ان مواقع التواصل الإجتماعي وعلى رأسها «الفايس بوك» هي فضاءات مشحونة بالألم والحزن والتباكي، فالألم عندئذ متوفر بكثرة عوض الفرح والسعادة.. ثم وعلى عكس ما يرى البعض فالعالم الإفتراضي هو أكبر فضاء للعزلة، صحيح ان معك 5 آلاف صديق يتحدث معك عدد منهم والبقية يتفرجون ولكن لا يوجد معك في الحقيقة الملموسة أي صديق... بمعنى لا وجود لصديق حقيقي واحد ولا وجود لثقافة التنوع والرأي والرأي الآخر...والدليل انك بحركة صغيرة جدا تدوس بها على زر يمكنك ان تمحو وجود أي شخص لا من صفحتك فقط بل من حياتك ايضا. إذن فالأنترنت عالم عزلة حقيقية على عكس ما يعتقده البعض ....
ما صحة ما يروّج بأن نسبة حالات القتل ارتفعت بعد الثورة؟
سأجيبك بلغة الأرقام التي تؤكد تسجيل 214 حالة قتل خلال الأربع سنوات الممتدة من 2007 إلى غاية 2010 وقد تم تشريح الجثث في مستشفى شارل نيكول بالعاصمة. أما خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى غاية سنة 2014 فقد تم تسجيل وقوع 294 حالة قتل. بخصوص الإنتحار خلال الأربع سنوات التي سبقت الثورة سجلت 334 حالة ثم ارتفع العدد خلال الأٍربع سنوات الأولى التي تلت الثورة ليصل الى 570 حالة انتحار.
مادمنا بصدد دراسة لغة الأرقام، ما هي أكبر فئة عمرية تقدم على الإنتحار في تونس؟
الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و39 عاما وبعضهم من المراهقين الذين تصل نسبتهم إلى أكثر من النصف أي 25 بالمائة فيما تصل نسبة العزاب إلى 49 بالمائة من مجموع المقدمين على الإنتحار. أما العاطلين عن العمل فنسبتهم مرتفعة تصل إلى 65 بالمائة ...طبعا والأسباب واضحة ولا أحد يجهلها.
وانتحار الأطفال الذي كثر الحديث بشأنه منذ سنوات قليلة ...؟
بعد الثورة سجلت نسبة الإنتحار عامة ارتفاعا بأكثر من 58 بالمائة مقارنة بما قبل الثورة حيث لم تكن نسبة الشباب المنتحر تتجاوز 50 بالمائة قبل 2011 ثم أضحت اليوم أكثر من 52 بالمائة من عموم المنتحرين. وبما أنك تركزين على فئة الأطفال، أقول بأن نسبتهم كانت في حدود 7 فاصل 38 قبل الثورة ثم ارتفعت قليلا لتصل إلى 7 فاصل 5 بعد عام 2011.
اذن تطورت نسبة الأطفال المقبلين على الإنتحار وإن بشكل نسبي؟
لا ...لا لم ترتفع النسبة ولكن تطرق وسائل الإعلام واهتمامها بهذه الفئة هو الذي ارتفع وازداد بعد الثورة حيث اصبحت هناك حرية اعلام وحرية تعبير وأضحت كل المواضيع قابلة للتطرق فقط... وأصبحنا نرى توظيفا سيئا جدا لقضايا انتحار الأطفال.. نعم هو توظيف غير بريء بالمرة غايته جلب القراء والمشاهدين ومن ثمة جلب المستشهرين ليس أكثر... وقبل ذلك كله، تستغلّ بعض وسائل الإعلام قضايا انتحار الأطفال أو حتى مجرد محاولات الإنتحار التي يقدمون عليها للتأكيد على فشل حكومة ما وسياسيين بعينهم...فالتوظيف عندئذ سياسي بالدرجة الأولى وربحي أيضا.
والحقيقة كما أكدته سابقا ان جرائم اليوم تختلف كثيرا عن جرائم الأمس وقول العكس اعتبره من المغالطات المتداولة. اعتبار تفاقم الظاهرة الإجرامية عموما وجرائم القتل بشكل محدد ضمن إفرازات الثورة التي عرفتها البلاد وإن كان الانفلات الأمني ساهم في تفاقمها وتحرر الإعلاميين والمختصين في المجال الاجتماعي والاجرامي أخرج هذه الظاهرة من قائمة «التابووات»... وقد حاولنا منذ سنة 2005 رصد أهم القضايا التي تم عرضها على الدوائر القضائية وتناولتها الصحف التونسية، خاصة مع غياب الإحصائيات الرسمية حول هذا الموضوع وذلك في إطار متابعة نتائج بحثنا المتضمنة بأطروحة الدكتورا في علم الاجتماع الإجرامي.
بوصفك درست هذه الجرائم وغصت في تفاصيلها، ماهي الأسباب التي تقف وراءها؟
الحقيقة أنها جرائم فظيعة لأسباب تافهة:
- أوّلا، أصبح المواطن التونسي يرتكب جرائم قتل لأبسط الأشياء مثلما ورد بالعناوين التاليّة بعدة صحف تونسية: «3 إخوة يقتلون خصمهم ضربا وركلا» بسبب خلاف حول صابة الزيتون، أو «ملاسنة ساخنة تنتهي بقتيل» أو «رفضته زوجا فطعنها 6 مرّات»، «مصرع شاب حرقته حبيبته السابقة لأنّه قطع علاقته بها»، أو «شقيقان قتلا ابن خالهما وأحرقا جثته من أجل بورطابل و50 دينارا» وأيضا «نهاه عن الكلام البذيء في محضر أسرته فطعنه بسكين» أو «بعد خروجه من الإصلاحيّة ب10 أيّام قاصر يقتل طالبا بسكّين لأنّه لم يمكّنه من سيجارة أو دينار!»... «قتله بواسطة سكّين لأنّه ربط علاقة مع صديقته القديمة»، «قتل شقيقه بطعنة سكين من أجل قطعة أرض صغيرة!» ،... وما تجدر الإشارة إليه هو أن جل الصحف التونسية اليوم تنشر جرائم مشابهة وتقريبا نفس أسلوب صياغة العناوين.
- ثانيا، العديد من جرائم القتل كان ضحيّتها أحد الوالدين، وقد تحدّثت صحف مختلفة عن هذه الجرائم مثل جريمة وقعت بحي ابن سينا «توفي شيخ الثمانين بعد أن صرّح (قبل وفاته) بأن ابنه عنّفه»، وجريمة قتل بشعة وقعت بمنطقة قرمبالية «قتل أمّه التي تسوّلت من أجله!»، وجريمة وقعت بسكرة، «طعن أمّه حتى الموت من أجل المال» وفي سليانة «نحر أمّه لأنّه فشل في الامتحان» وفي طبرقة «غضب منها فقتلها بآلة حادة» (أمّه)، «حرّض أصدقاءه على قتل والده» (من أجل سرقة مبلغ قدره 20 ألف دينار من خزينة المصنع) وفي بنزرت «قتلت والدها لأنّه متصاب»...
- ثالثا، العديد من جرائم القتل كان ضحيتها أطفال أبرياء، ومن هذه العناوين نذكر: في حي الزهور، «عذّب ابنة صديقه حتى الموت»، في دوّار هيشر، «ذبحت ابنة الجارة انتقاما من أمّها»، في الزهروني، «اكتشفت خيانة زوجها فألقت بطفلها في القنال»، في باجة، «أغضبته زوجته فرمى برضيعه على الحائط»، في سليانة، «انتقاما من زوجها أغرقت أطفالها الأربعة في البئر»...
- رابعا، ارتفاع جرائم قتل الزوجات بشكل مثير، واحتلت صدارة جرائم القتل الأسرية بنسبة تفوق 35 %.
أيّ دور للأسرة والإعلام والمحيط الخارجي للفرد في المساهمة في الحد من تفاقم ظاهرة الإجرام برأيك؟
رغم تعدد المؤسسات الاجتماعيّة التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالظاهرة الإجراميّة بشكل عام وجرائم القتل داخل نفس الأسرة بشكل خاص مثل مؤسسة الأسرة، والمؤسسة الإعلاميّة، المؤسسة الأمنيّة، والمؤسسة القضائيّة، والمؤسسة السجنيّة... فإنّنا سنحاول الاقتصار على مؤسسة الأسرة والمؤسسة الإعلامية.
فالأسرة هي المؤسسة الاجتماعيّة الأولى التي يتفاعل معها الفرد ويتأثّر بها، ويصنّفها بعض المفكرين ضمن ما يسمى بالوسط الاجتماعي المفروض، أي الوسط الذي يفرض على الفرد ولا يساهم في اختيارها ويميّز تشارلز كولي بين الجماعات الأوّلية والجماعات الثانويّة لذلك يصنّف العائلة ضمن «الجماعات الأوّلية الأساسيّة التي ينتمي إليها الأفراد تلقائيّا… أمّا الجماعات الثانويّة فهي الجماعات الكبيرة التي يطلق عليها اسم المنظمات الاجتماعيّة كالجيش والقوات المسلحة، الجامعة والمصنع الكبير». وتتحدّد خصائص الجماعات الأوّلية حسب تشارلز كولي بكونها جماعة صغيرة الحجم تتميّز بعواطف وعلاقات اجتماعية متماسكة، وهي الجماعة التي تزرع المقاييس الأخلاقيّة والقيمية الأساسيّة عند أعضائها وتلعب دورا كبيرا في صقل سلوكهم وأخلاقهم وإيديولوجيتهم في قالب معيّن.
كما تساعد على إرساء قواعد الاستقرار والطمأنينة في المجتمع من خلال سيطرتها على وسائل الضبط الاجتماعي التي تدفع الأفراد للالتزام بالقواعد السلوكيّة التي يقرها ويلتزم بها المجتمع». والسؤال الذي نطرحه هو كيف يمكن لمؤسسة العائلة أن تساهم وتغذي السلوك الإجرامي لدى الفرد مما يدفع أحدهم إلى ارتكاب جرائم قتل تكون ضحيتها من نفس الأسرة؟
يمكن للمؤسسة العائليّة أن تشكّل عاملا مشجّعا ودافعا للإجرام من خلال الحالات التاليّة: أوّلا، سوء معاملة الوالدين للولد: من الأمور التي يكاد يجمع عليها علماء التربية، هو أن الطفل إذا عومل من قبل أبويه معاملة قاسية، وأدّب من قبلهم بالضرب الشديد، والتوبيخ القارع، والتشهير والسخرية، فإن ردود الفعل ستظهر في سلوكه وخلقه، وإن ظاهرة الخوف والانكماش ستبدو في تصرفاته وأفعاله، الأمر الذي قد يؤدى به إلى ترك المنزل نهائياً تخلصاً ممّا يعاني، وهكذا قد يتعرض إلى حياة التشرد والجريمة.
ثانيا، تخلي الأبوين عن تربية الولد: من العوامل الرئيسية التي تؤدي إلى انحراف الطفل تهاون الأبوين وتخلّيهما عن تربيته التربية الصحيحة وعدم القيام بواجب المسؤولية تجاه من ترعاهم، وتقوم على تربيتهم، فإذا قصّرت الأم مثلا في واجبها التربوي لسبب من الأسباب، وإذا أهمل الأب مسؤولية توجيه وتربية أولاده لانشغاله بمطالب الحياة أو غيابه المستمر عن المنزل أو لانصرافه في أوقات الفراغ إلى اللهو والسهر مع الأصحاب فلا شك أن الأولاد سينشؤون نشأة اليتامى، ويعيشون عيشة المتشردين، بل سيكونون سبب فساد وأداة إجرام للمجتمع بأسره».
ثالثا، التنشئة الاجتماعيّة وتوريث الإجرام: التنشئة الاجتماعيّة تعني جعل الفرد مناسبا للحياة في المجتمع وأنّ وظيفة العائلة ترتبط بمقولة التنشئة الاجتماعيّة التي هي «عمليّة التثبيت التي تستمر طوال الحياة كلّها، حيث يتعلّم الفرد القيم والرموز الرئيسيّة للأنساق الاجتماعيّة التي يشارك فيها، والتعبير عن هذه القيم في معايير تكون الأدوار التي يؤدّيها هو والآخرين»، لكنّ العديد من الأفراد يجدون أنفسهم داخل وسط عائلي يشجعهم على الدخول إلى عالم الإجرام والجريمة منذ مرحلة طفولتهم، وبالرجوع لكل ذلك لا نستغرب من تفشي ظاهرة القتل التي يكون فيها الجاني والضحية من نفس الأسرة.
ومن بين المؤسسات الاجتماعيّة التي رأينا من الضروري التركيز عليها نظرا لعلاقتها بالظاهرة الإجراميّة بصفة عامة وجرائم القتل بصفة خاصة المؤسسة الإعلاميّة.. هذا الكيان الاجتماعي الجذّاب والمؤثّر على مختلف الفئات العمريّة المكوّنة للمجتمع، وذلك لما لها من سلطة مباشرة وغير مباشرة على سلوك الأفراد والجماعات، وأيضا للدور الذي أصبحت تقوم به خاصة مع انتشار وتطوّر الوسائل الإعلاميّة في مختلف أقطار العالم في السنوات الأخيرة.
إضافة طبعا لأهميّة المادة الإعلاميّة التي تتناول عالم الإجرام والجريمة، والتي أصبحت تطغى على أغلب وسائل الإعلام، كما احتلت المؤسسات الإعلاميّة صدارة اهتمام المختصين في علم الإجرام وعلم النفس الجنائي وعلم الاجتماع الجنائي وهي تشكّل من منظور سوسيولوجي «ظاهرة اجتماعيّة يمكنها أن تؤثّر في الظواهر الأخرى، كما يمكنها أن تتأثر بهذه الظواهر...».
كما تحوّلت الجريمة إلى مادة إخبارية هامة يمكن من خلالها دراسة الشعوب والمجتمعات، وظهر ما يسمى بالإعلام القضائي أو الإعلام الإجرامي الذي يحاول تعقّب الجرائم والإجراءات القضائيّة المتّصلة بها، وأثيرت قضية تأثير وسائل الإعلام على الرأي العام بشكل جدي في السنوات الأخيرة، ومركز اهتمام العديد من الباحثين في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، واحتلّت صدارة المؤسسات الاجتماعيّة التي تمّ اتهامها بتدعيمها للسلوك الإنحرافي والإجرامي. ويقول أحد الأطباء الأمريكيين في جامعة كولمبيا: «أنّه إذا صحّ أن السجن هو جامعة الجريمة، فإنّ التلفزيون هو المدرسة الإعداديّة للانحراف»، بعد أن أصبح هناك اتفاق على أن لهذه الوسائل أثرها الفعّال في تشكيل القيم والاتجاهات المناهضة للجريمة، والمساعدة على إقرار الأمن وفي المقابل، هناك اتفاق مماثل على أن هذه الوسائل قد تنحرف أحيانا عن القيام بدورها المطلوب، بل تؤدّي إلى تأثير معاكس يشجّع على الانحراف ويوعز بارتكاب الجريمة من خلال ما يعرض بالسينما والتلفزيون أو ما ينشر بالصحف والمجلاّت».
وتتم عمليّة تأثير وسائل الإعلام على انتشار الظواهر الإجراميّة عبر ثماني طرق (انظر مقالنا محاولة في سوسيولوجيا الإعلام الإجرامي: حادثة «سليمان» نموذجا، نشرت بموقع الأوان الجمعة 7 أوت 2009،)، وتتمثل هذه الطرق في: التعليم، فعبر الأشرطة والأفلام المستوحاة من قصص واقعيّة أو خياليّة.. يمكن للفرد تعلّم «أساليب ارتكاب الجرائم وأنماطها عن طريق ما تنشره من وسائل سرقة السيّارات، وإخفاء معالم ملكيتها، وكيفيّة تزوير الوثائق، ووسائل الغش التجاري وغيرها من أساليب الانحرافات السلوكيّة»، وقتل الاشمئزاز والاستنكار من الجرائم، وجعل الجريمة مرغوبة، لتصبح بذلك الحياة اليوميّة للمجرمين جذّابة، إضافة لما يسميه غابريال تارد التقليد والمحاكاة، وفقدان الأسرة مكانتها والدور الذي كانت تقوم به في السابق، وفقدان الاستقلاليّة عند تقبّل الفرد للرسالة الإعلاميّة، وخاصة عندما يتحوّل هذا الجهاز إلى مصدر تعليم وتوجيه ومصدر انصياع من قبل المتقبّل، ف «مع دخول التلفزيون إلى البيوت، أصبح الأطفال خاضعين إلى تأثيرات كثيرة. وعندما يصبح التلفزيون أداة اجتماعيّة، فذلك يعادل ظاهرة على مستوى كبير من فقدان الاستقلاليّة المعروفة في علم النفس المتعلّق بنمو الطفل في البداية حالة الالتحام مع العائلة، ثم يكبر بعدها ويقول «أنا» ويعارض. وهذا ما يعرف بالتفرّد أو التميّز عن الآخرين، لكن التلفزيون يخلق حالة التحام جديدة لا يستطيع الطفل فيها أن يقول «أنا» أو «لا» لأنّه في موقع المسيطر عليه» كما تحدّث أهل الاختصاص أيضا عن ظاهرة قتل الإحساس جرّاء مشاهدة برامج العنف وغيرها من المظاهر الإجرامية.
وهكذا يتضح أن معالجة تفاقم الظواهر الإجرامية لا يجب أن تقتصر على معالجة الشخص «المجرم» أو القاتل، وأن مسألة التأهيل والإصلاح لا تتوقف فقط على المؤسسات العقابية بل يجب أن تشمل مختلف المؤسسات الاجتماعية بدءا بالأسرة ومرورا بالمؤسسات التعليمية والتربوية، وصولا للمؤسسات القضائية والعقابية».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.