التونسية (دبي) يمكن اعتبار عرفان رشيد مؤسسة ثقافية متنقلة، فالرجل مدير للبرامج العربية بمهرجان دبي السينمائي والمدير الفني لمهرجان «بحر السينما العربية» بمدينة مسينا بإيطاليا والذي سيحتفي بالسينما التونسية في دورته القادمة في شهر أوت تحت عنوان «هل كان ربيعا حقا؟» ، ويدير عرفان رشيد موقعا بعنوان «عراق واحد» أنشأه للدفاع عن فكرة العراق الواحد المتعدد في آن ... حين تسأل عرفان رشيد من أي مكان أنت؟ يجيبك بإبتسامة ودودة «أنا عراقي كردي» ويمضي مستغرقا في حديثه الذي لا ينتهي عن السينما وعن المسرح حبه الأول. يؤكد عرفان ان المسرح هو همه الأول، إلا أن السينما طغت على هذا الهم، ويستدرك قائلا إنه لن يهجر المسرح، بل سيعود إليه لأنه يحن إلى غباره وظلامه الدامس. ولد عرفان رشيد الفنان، والناقد السينمائي، والصحافي عام 1952 في مدينة خانقين. أحب الموسيقى، وكان يتمنى تعلّم العزف على آلة الكمان، لكن رغبته اصطدمت بمعارضة العائلة، انتقل مع أسرته إلى بغداد حيث أتيحت له الفرصة بعد انهاء دراسته الثانوية، للدخول الى عالم المسرح، وفي عام 1972 التحق بقسم الفنون المسرحية في أكاديمية الفنون الجميلة، وتتلمذ على يد كبار المسرحيين العراقيين وشارك في عدد من المسرحيات ممثلا . اضطر عرفان إلى مغادرة العراق عام 1978 بعد أن وجد نفسه أمام خيارين، أحدهما أصعب من الآخر، إما الانتماء الى حزب البعث أو الموت، فإختار الحياة خارج «البعث» وخارج العراق، خطط لحياة فرنسية ولكنه وقع في حب مدينة فلورنس الإيطالية حيث صنع حياته صحافيا ومنتجا إذاعيا وتلفزيا وكاتب سيناريو وناقدا سينمائيا، كما شغل خطة مسؤول الإعلام العربي لخمس سنوات في الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، وعمل محرراً في القناة الإيطالية الناطقة بالعربية إلى جانب مساهمته في تأسيس وإدارة القسم العربي لوكالة الأنباء الإيطالية. كما اسس الموقع الالكتروني التلفزيوني «لانتيرن تشانال» الذي يرأس تحريره، وقد حاز عام 2004 على جائزة (إسكيا) وهي أهم جائزة ايطالية في مجال الصحافة والإعلام. في الدورة السادسة من مهرجان الخليج السينمائي، كان حضور عرفان رشيد مختلفا وإن حافظ على هدوئه مع تلك الابتسامة الطفولية، قد يسألك هل شاهدت فيلم «مطر وشيك؟» للمخرج حيدر رشيد، يسألك دون أن ينتظر إجابتك لأن الأب يخشى على إبنه من سهام ناقدة طائشة، ولكن عرفان الذي ابيضّ رأسه شيبا لا يخبرك إن لم تنتبه بمفردك أن له فيلما في المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة ، «كنت هناك في بغداد» ذلك هو فيلم عرفان رشيد، يعلن الفيلم عن نفسه حتى قبل أن تشاهده، هو فيلم الأنا الرواية والعين الشاهدة والروح الملتصقة ببغداد التي تئن بتاريخها، هي أكبر المدن العربية بعد القاهرة، دار السلام وعاصمة العباسيين، ومدينة العلم والمعرفة، غزاها المغول والصفويون والعثمانيون والإنقليز والأمريكان ولكنها دائما بغداد عروس النهرين دجلة والفرات... هل كان بوسع عرفان رشيد أن ينجز غير هذا الفيلم؟ هو فيلم يرى ولا يشاهد... يبدو أن عرفان رشيد يبحث عن السلام أو الخلاص بالمعنى المسيحي للكلمة، وكأن الفيلم كشف حساب مع الماضي ومع الذات. يقول عرفان رشيد: “سألت الشاعر الإسباني رافائيل ألبيرتي عن المنفى، فأجاب: في لحظة ما من حياتك، يتحوّل المنفى وبشكل غرائبي إلى وحش دموي يحاول اقتلاع جذورك من داخلك، بمقدورك الصمود إذا ما اقتنعت حقا بأنك ما تزال هناك في وطنك”، يفتح عرفان رشيد دفاتر التذكارات المغلقة منذ عقود بفعل هيمنة حزب «البعث» على الفضاء العام، فلا صوت يعلو على صوت القائد الواحد الملهم حامي البوابة الشرقية، ولكن بأي ضريبة حميت هذه البوابة؟ ومن هم أولئك الذين دفعوا الضريبة ليظل الحاكم ولا شيء غيره يختزل العراق، فأجمل الأغاني هي التي تتغنى به وأجمل الرسوم هي بورتريهاته وأجمل القصائد في مدحه وأجمل الأفلام تلك التي تتحدث عن أم المعارك وتخلد انتصاراته على الأعداء المتربصين... أما أولئك الذين آمنوا بعراق واحد دون إلغاء لتنوعه العرقي والثقافي والديني فمصيرهم دماء على الإسفلت أو غربة في المنافي البعيدة أو سجن واعتقال... يستعين المخرج بصور أرشيفية ولقطات تلفزيونية قديمة لأحداث من تلك الحقبة القاسية في كل من العراق والشيلي والأرجنتين، دول تباعدت جغرافيا وتقاطعت عذابات وأحلام شعوبها ومثقفيها في العيش بحرية، في دولة مدنية، الحياة ممكنة دون أحذية عسكرية والبيان رقم واحد والقائد الملهم وعقيدة العدو المتربص على الحدود... ينكأ عرفان رشيد جراحات الماضي بعين سينمائية ناعمة لا تخدش، وفي مناخات العتمة المسيطرة على «كنت هناك في بغداد» تنكشف عذابات عرفان الإنسان والفنان، لا يحتاج الفيلم إلى ممثل بقدر حاجته إلى شاهد عيان، إلى ضحية من ضحايا العراق يحاول أن يبرأ من علل الوطن القديمة... فضحتك عيناك يا عرفان، وصمتك الهادر الذي أعاد الاعتبار لجيل من العراقيين غفلت عنهم الذاكرة وأهملتهم روايات البطولة الرسمية فلا يكاد يتذكرهم أحد... كم هو بعيد هذا العراق الذي تبحث عنه يا عرفان؟ وكم هي نائية بغدادك... يسير عرفان رشيد على خطى المعلّم بدر شاكر السياب في قصيدته «أنشودة المطر»: وفي العِرَاقِ جُوعْ وينثر الغلالَ فيه مَوْسِمُ الحصادْ لتشبعَ الغِرْبَان والجراد وتطحن الشّوان والحَجَر رِحَىً تَدُورُ في الحقول … حولها بَشَرْ ولكن «كنت هناك في بغداد» لا يلعن المستقبل، فالمطر وشيك، «إشتدي أزمة تنفرجي»، والصبح آت لا ريب فيه(كم نحن متفائلون معشر العرب)... في عَالَمِ الغَدِ الفَتِيِّ ، وَاهِب الحَيَاة! مَطَر... مَطَر... مَطَر... سيُعْشِبُ العِرَاقُ بِالمَطَر ...» كم وددت لو شاهد سياسيو العراق المتقاتلين كالديكة في المنابر «كنت هناك في بغداد»، أغلب الظن أنهم لو شاهدوا الفيلم لخجلوا من أنفسهم... وأنا ألملم نفسي لأدير وجهي عن شاشة العرض، رأيت في نقطة ما في ظلمة القاعة، ضوءا منبعثا، مرّ بسرعة، أزعم أني رأيت شكري بلعيد... يتغنى ب«ميحانة ميحانة» لناظم الغزالي... أحبّ شكري العراق وعشق بغداد بسهراتها ولياليها التي لا تنتهي بطلوع الفجر، ب «مسقوفها» ودجلتها وفراتها وشعرها ومسرحها... أحب بغداد عاصمة العرب والعروبة... تذكر شكري العراق وهو يترنم... ميحانه ميحانه... ميحانه ميحانه غابت شمسنه الحلو ما جانه حيك.. حيك بابه حيك.. الف رحمه عل بيك هذوله العذبوني، هذوله المرمروني وعلى جسر المسيب سيبوني على جسر المسيب سيبوني» مات شكري ومات قبله بدر شاكر السياب ومهدي الجواهري وشرّد البياتي وسعدي يوسف... ، ولكن العراق باق وبغداد خالدة ... كم وددت لو أتيح لي سؤال عرفان رشيد عن شكري بلعيد؟ هل فكّر فيه وهو يصنع فيلمه؟ لا شك في أن عرفان يعرف شكري من بعيد، تحدثنا عنه عبر الهاتف أكثر من مرة، مات شكري ولكن العراق لا يموت...