اختيار أمين عام جديد للجامعة العربية بإجماع عربي كامل    الترجي الرياضي يستضيف صان داونز يوم الاحد 12 افريل القادم في الثامنة ليلا    جائزة أفضل مخرج لفيلم صوفيا بمهرجان مانشستر السينمائي الدولي    الدورة الثالثة للاولمبياد المحلي للمطالعة من 04 أفريل الى 02 ماي 2026 بالمكتبة العمومية ببوعرادة    لقاء هندسي بعنوان "دار المهندس تنبض من جديد" يوم 04 أفريل 2026 بدار المهندس بصفاقس    عاجل/ إسرائيل تعلن تسرب مواد خطرة جراء استهداف مصنع كيماويات بصاروخ إيراني..    عاجل/ ايران تتوعد: مستعدون للرد على أي هجوم ‌بري تنفذه الولايات المتحدة..    عاجل/ تنبيه..بداية من الغد: هذه الولايات دون ماء..    قبل الكلاسيكو: النجم يرّد على الجامعة التونسية لكرة القدم    عاجل: مبادرة تشريعية...شوف كيفاش التعويضات على حوادث المرور باش تتضاعف!    بداية 24 أفريل..دولة عربية تدخل التوقيت الصيفي    شوف مواعيد مباريات الجولة 24 للرابطة الأولى... ما تفوتش المواجهات القوية!    المنتخب الياباني منافس تونس في المونديال يفوز وديا على نظيره الاسكتلندي 1-0    الأمطار الرعدية تجتاح الشمال والوسط... شوف المناطق المعنية!    شوف وين صار الحادث... اصطدام قطارين بالجزائر    اصدار بطاقة ايداع بالسجن في حق مدون وإحالته على المجلس الجناحي بتونس    اعلام بثينة بن يغلان بقرار التمديد في الايقاف التحفظي في قضية صندوق الأمانات والودائع    من الحبوب إلى الأشجار المثمرة: جهود جبارة لتقريب المعلومة الفلاحية وتأمين المحاصيل بوادي مليز    تظاهرة "سينما تدور" تحط الرحال في معتمدية مارث من 02 الى 26 أفريل 2026    الاتحاد في عهد "صلاح الدين السالمي": نحو وحدة نقابية ولمّ شمل البيت الداخلي    عاجل: وفاة الرئيس السابق لهذه الدولة العربية..الحداد 3 أيام    في بالك الي قبل ما تمرض بال diabète بدنك يعطيك هذه الإشارات التحذيرية    خلال ال24 ساعة الماضية: أمطار ورياح قوية بلغت 70 كلم/س    شوف الأخطاء اللي تفسدلك المكنسة الكهربائية    قمة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في افريقيا في دورتها السادسة من 21 الى 23 أفريل 2026 بالجزائر    عاجل: شوف غضب رئيس الكاف... السنغال في ورطة كبيرة    عاجل/ وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال وحداد بثلاثة أيام..    عاجل/ استشهاد 14 شخصا وإصابة آخرين في غارات صهيونية على جنوب لبنان..    وزير التربية: "نعمل على الإحاطة بالمربين"    عاجل/ المسدي تفجر "قنبلة" بوجه قيادة الاتحاد الجديدة: شبهات فساد ووثائق خطيرة تطارد أسماء وازنة..!    شركات النقل في ألمانيا تحذر من موجة ارتفاع الأسعار بسبب غلاء المحروقات..#خبر_عاجل    تونس تتألق في بطولة إفريقيا للجودو للشبان بسبع ميداليات منها أربع ذهبيات    تونس تحيي اليوم العالمي للمسرح وتكريم لثلة من أهل الفن الرابع    اليوم: أمطار متفرقة والحرارة بين 10 و21 درجة    البعثة الدائمة لتونس بجينيف تجدد الإدانة الشديدة لانتهاكات الكيان المحتل في حق الفلسطينيين    الحرب على إيران.. تسريبات عن عملية برية محتملة وإيران تهدد بالرد على استهداف جامعاتها    موقف مدرب الأرجنتين من مشاركة ميسي في مونديال 2026    إيران.. لا يوجد مبرر لبقائنا في معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية    وزارة التجهيز.. استئناف حركة المرور بالمدخل الجنوبي للعاصمة    في عالم الخدمة: كيفاش تختاري لبسة المقابلة باش توري احترافيتك وتواكب الموضة؟    ارتفاع في انتاج الكهرباء    المهدية: الاحتفاظ بتلميذة بشبهة ترويج المخدرات    احسن دعاء للميت    فاجعة تهز هذه الولاية..والضحية فتاة 18 سنة..!    طريقة الرقية الشرعية من العين والحسد    بشرى سارة لمرضى السكري.. وداعاً للحقن اليومية..    مشروب طبيعي يرتح و باهي للنوم    باجة: منتدى الفلاحة البيئية والتجديد الزراعي يدعو إلى استثمار التنوع البيولوجي لتحقيق السيادة الغذائية والانتقال الزراعي    تونس تشارك في الدورة 57 للصالون الدولي لصناعات التجميل بمعرض بولونيا بايطاليا    تقدّم موسم البذر في الزراعات الكبرى بنسبة 87 بالمائة إلى منتصف مارس 2026    انطلاق فعاليات المؤتمر الدولي الطبي الثاني للوقاية من أمراض القلب والشرايين بجزيرة جربة    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    وفاة شخصين وإصابة ثالث في حادث مرور بالقيروان    العثور على جثة أدمية بغابة الصبايا بمعتمدية الشابة من ولاية المهدية    10 أسرار بش تكون حياتك الزوجية سعيدة    منع الزكاة كبيرة من أعظم الكبائر .. .هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ    خطبة الجمعة...آداب الاستئذان    النجمة درة تحصد لقب أفضل ممثلة عن دورها في مسلسل 'علي كلاي'    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وكالة الاستخبارات الأمريكية وحاضرة الفاتيكان
نشر في أوتار يوم 11 - 11 - 2017

صحيح أن حاضرة الفاتيكان دولة دينية، ولكنها دولة نشيطة على مستوى سياسي أيضا، وإن بدا هذا الدور مغمورا أحيانا، بدعوى الحرص على الفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي. ولعلّ ذلك ما حدا بستالين سابقا ليقعَ في تقديرات خاطئة حين تساءل هازئا عن عدد الوحدات العسكرية التي بحوزة البابا، لارتباط الفعل السياسي لديه بالقوة الجارحة وغفلته عما يستند إليه من قوة ناعمة أيضا. وإدراكا لهذا الدور السياسي والثقل الروحي لحاضرة الفاتيكان، نجد الكثير من الصحف الغربية تضمّ في طواقمها ما يعرف ب"الفاتيكانيست"، أي المتخصص في الشأن الفاتيكاني، يتولى بالتحليل أنشطة الفاتيكان الدينية والسياسية. وفي كتاب إريك فراتيني المعنون ب"السي آي ايه في حاضرة الفاتيكان"، الذي هو عبارة عن بحث مطوّل، يرصد فيه صاحبه ويتابع أنشطة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لثلاثة بابوات: البابا الحالي خورخي ماريو برغوليو (فرانسيس)، والبابا المستقيل جوزيف راتسينغر (بندكتوس السادس عشر)، والبابا الراحل كارول ووجتيلا (يوحنا بولس الثاني). فالولايات المتحدة تعي جيّدا ما لهذه الدويلة من تأثير في السياسة الدولية، وإن كان اتساعها لا يزيد عن أربعة وأربعين هكتارا. ولكن جيش الكنيسة الحقيقي هو جيش فريد، يضمّ في صفوفه أكثر من 400 ألف كاهن، و 760 ألف راهبة. كما تربط الفاتيكان علاقات دبلوماسية ب177 دولة، وتشمل تحت إشرافها ثلاثة ملايين مدْرسة، وخمسة آلاف مشفى، ويضم "الكاريتاس" (دُور الإحسان)، 165 ألف عنصر بين متطوّع وعامل يقدمون خدمات ل24 مليون نفر؛ وبالتالي فمن الطبيعي أن تخصص وكالة الاستخبارات الأمريكية جانبا من انشغالاتها لهذه الدولة.
إريك فراتيني مؤلف الكتاب الذي نتولى عرضه هو من مواليد ليما في البيرو، وهو جامعي يدرّس في جامعة مدريد، وقد سبق له أن نشر أكثر من عشرين مؤلفا في القضايا الأمنية والاستخباراتية، منها "المافيا: مائة عام من كوزا نوسترا"، و"العراق البلد المتقلّب"، و"أسرار حاضرة الفاتيكان"، و"غِربان حاضرة الفاتيكان". في مستهل كتابه يستعرض الأجهزة الرئيسة في حاضرة الفاتيكان المهتمة بالشأن السياسي، حيث تبرُز سكرتارية الدولة كجهاز رئيس يتكفل بترويج الأيديولوجيا السياسية للحبر الأعظم. فضلا عن ذلك، نجد "الدوائر التكوينية" (I Colleggi)، وهو جهاز تتمحور مهامه في تكوين الممثلين البابويين في الخارج. والغرض الأساسي للدوائر التكوينية هو التدريب السياسي لرجال الدين في روما ثم ترحيلهم إلى بلدانهم وتصعيدهم في التراتبية الكنسية بقصد التأثير في سير النظام السياسي العام.
في تناول فراتيني لمسألة الفاتيكان والاستخبارات الأمريكية، يوزّع كتابه على ثلاثة أقسام، كل قسم مخصص إلى بابا من البابوات الثلاثة، ثم يقسم القسم الواحد إلى مجموعة من المعنونات بحسب القضايا التي تتركز عليها الاهتمامات الاستخباراتية. مشيرا إلى أن الخط العام للسياسة البابوية يتبدل تكتيكه من بابا إلى آخر مع محافظة على الجوهر. يقول فراتيني حوّلت وكالة الاستخبارات الأمريكية الكرسي الرسولي وحشدا من الكرادلة والأساقفة والموظفين السامين إلى أهداف لعملها، لما يحظى به الفاتيكان من سلطة رمزية في العالم.
في القسم الأول المخصّص للبابا الحالي يُبرِز فراتيني أن تتبّع الشأن المتعلق بفرانسيس، من قِبل "وكالة الأمن القومي"، قد انطلق منذ انعقاد الكونْكلاف (مجلس الكرادلة الخاص بانتخاب البابا) وذلك عَقب الاستقالة المفاجئة لراتسينغر، حيث باتت كافة المكالمات الهاتفية الصادرة والواردة على الفاتيكان عرضة للتنصّت، وامتدت المراقبة لتشمل المعنيين ب"الإيور" الذراع المالية للفاتيكان، بوصفه قطب الرحى الاقتصادي والمالي للكنيسة. وفي جمع المعلومات وتحليلها تعتمد "وكالة الأمن القومي"، وفق فراتيني، على أعوان نشطين في روما بحوزتهم تكنولوجيا متطورة، يعملون في مكاتب حصينة تابعة للبعثة الدبلوماسية، وبمقدورهم تخزين المعلومات عبر نظام الإشارات. ويورد فراتيني أن أعوان المخابرات في سفارة الولايات المتحدة لدى الكرسي في وسعهم التنصت على كافة الاتصالات في حاضرة الفاتيكان، سواء تلك الواردة عبر الهواتف النقالة أو "الوايرلاس" أو المارة عبر الأقمار الاصطناعية. مضيفا أن بمقدور الأعوان تحديد من يخاطب ومن يتلقى المكالمة وذلك بوساطة نظام "بريسم" المخصص للتجسس الرقمي، ناهيك عن مراقبة الحواسيب بمجرد أن يلج المرء الشبكة العنكبوتية. موضحا أن شركات غوغل وياهو وفايسبوك وميكروسوفت وآيبل وسكايب ويوتوب وآأول وبالتالك ودروبوكس، يربط جميعها تعاون وثيق مع وكالة الأمن القومي.
فأثناء التحضير لاختيار البابا الجديد، عَقِب استقالة راتسينغر، تحوّل المائة وخمسة عشر كردينالا إلى "بيت القديسة مارتا" خلْفَ كاتدرائية القديس بطرس للتشاور بشأن المرشَّح الجديد، وقد عمل الحرس السويسري، جندرمة الفاتيكان، على تعطيل كافة أنواع التواصل من وإلى بيت مارتا تفاديا لأي عملية تنصت وحفاظا على سرّية مداولات المجمع، لكن الحرس السويسري ما كان يعلم أن كافة الاتصالات الصادرة والواردة إلى الفاتيكان قبل ذلك اليوم، كانت عرضة للتنصت أثناء التجمعات العامة التي سبقت انعقاد المجمع.
وقد تطرّق فراتيني من جملة ما تطرق إليه إلى مسألة تغاضي البابا الحالي عن الدكتاتورية في الأرجنتين حين شغل منصب أسقف بيونس أيرس، وهي مسألة لا تزال مثار جدل، آخرها صدور كتاب في إيطاليا للوريس زاناتا "الكنيسة والدكتاتورية في أرجنتين برغوليو" يبرز أن الكنيسة كانت في قلب التاريخ الأرجنتيني، وقد باركت عسكريين ورعت ثوريين، ودعت للمسيحي الثوري وناجت الرب المناهض للثورات. ووفق ما يورده إريك فراتيني، اعتمادا على ما تفحّصه من تقارير استخباراتية، أن برغوليو لم يسلم من مظنّة التورط في الأحداث التي شهدها الأرجنتين خلال "الحرب القذرة" (1976-1983) بوصفه المسؤول الأول عن الكنيسة. فإدانة رجل الدين كريستيان فون فرنيخ، القسيس السابق في شرطة بيونس أيريس، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، تحشر برغوليو ضمن سلسلة المتواطئين. حيث أُدين فون فرنيخ بانتهاك حقوق الإنسان والتورط في تصفية معارضين والمشاركة في حالات تعذيب واعتقال. وعلى ما يورده فراتيني أن تورط الكنيسة الكاثوليكية في تلك الانتهاكات يمكن أن يضع البابا فرانسيس موضع تهمة وأن يؤثر على سلطته المعنوية والروحية. ولعل حالة فرانسيس في خضمّ الوضع الذي ألمّ بالأرجنتين يتلخص في قول أدولفو بيريز إسكويفال، الحاصل على جائزة نوبل للسلام سنة 1980، أن برغوليو قد خانته الشجاعة لمعاضدة الكفاح من أجل حقوق الإنسان، ولكنه ما كان متواطئا مع الدكتاتورية. يبدو هذا القسم مشحونا بالمعلومات "الاستخباراتية"، على ما يذكر فراتيني، لكنها في الحقيقة تظهر أحيانا من الأمور المتداولة في أوساط المهتمين بالشأن السياسي.
وفي القسم الثاني من الكتاب المخصص إلى جوزيف راتسينغر تحضر قضايا العالم الإسلامي بشكل بارز ضمن سياسة الفاتيكان، خصوصا عَقِب محاضرته الشهيرة في راتيسبونا (2006) وما خلّفته من قلاقل لِما تضمنته من اتهام صريح للإسلام بالعنف. وقد عبّر تقريرٌ صادرٌ عن السفارة الأمريكية في حاضرة الفاتيكان عن الاستغراب من انزلاق البابا المثقف إلى تلك المشاحنة وعدم تقديره عواقب ذلك، خالصا إلى أن البابا لم يكن أنيقا في كلامه، الأمر الذي يدفع الاستخبارات الأمريكية لأخذ التهديدات الموجهة إلى قداسة البابا على محمل الجد. ففي برقية صادرة من السفارة الأمريكية لدى حاضرة الفاتيكان في ديسمبر 2008 إلى وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس شرحٌ مفصّل للتعاون الوثيق مع حرس الفاتيكان بقصد تطوير السبل الأمنية الناجعة للمراقبة والحيطة.
من جانب آخر أَوْلى القسم المخصص لراتسينغر اهتماما لانشغال المخابرات الأمريكية بموضوع الحوار بين الأديان. وقد أُعدَّت في الغرض ثلاثة تقارير صدرت سنتي 2007 و 2009. يورد التقرير الأول أن البابا عَقب يومين من اعتلائه سدة بطرس أقدم على تنحية رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان الكردينال مايكل فيتجيرالد، بما يفصح أن البابا الجديد ما كان راضيا على أداء شخص "شديد" القرب من العالم الإسلامي، ليستبدله بالكردينال جون لويس توران المعروف بمواقفه المتشددة من الإسلام. مشيرا التقرير إلى أن الإسلام لا يزال ينضوي تحت المجلس البابوي للحوار بين الأديان، الذي يضم الهندوسية والبوذية والديانات الإحيائية، في حين تنضوي اليهودية تحت المجلس البابوي لتطوير الوحدة بين المسيحيين، والأمر فيه دلالة على موقع الإسلام في التصور المسيحي الغربي.
ودائما في نطاق الإحاطة بمفهوم الحوار، يورد فراتيني الآثار المترتبة عن زيارة العاهل الراحل الملك عبدالله للفاتيكان سنة 2007، رغم أن العربية السعودية لا تربطها علاقات دبلوماسية بالفاتيكان. أوضح التقرير تحمّس الملك للحوار وإن أعرب عن خصوصية المملكة وسط العالم الإسلامي، لكن الفاتيكان ألحّ من جانبه على ضرورة تيسير شؤون العبادة لمليون وستمائة ألف مسيحي يعيشون على أرض المملكة، ليتناول التقرير شعور البابا بالخيبة من نسق تقدّم الحرية الدينية ليس في السعودية فحسب بل في العالم الإسلامي. والملاحظ في عرض الباحث فراتيني لعديد القضايا إيثاره إيراد الوقائع كما رشحت من التقارير الاستخباراتية دون تدخل بالتعليق من جانبه أو إبداء موقف نقدي، ما يسقط الكاتب أحيانا في أسلوب سردي للأحداث، يجعل عمله شبيها بالحوليات.
كما يعبّر أحد التقريرين الصادرين سنة 2009 عن غلبة التوظيف السياسي لمقولة الحوار، فعلى إثر إرساء علاقات دبلوماسية بين الفاتيكان والجامعة العربية خلال العام 2000،لم تخلّف مذكرة التفاهم الموقّعة بين الجانبين أي مبادرة فعلية. من جانب آخر يُفصح التقرير عن التوظيف البراغماتي للحوار الإسلامي المسيحي، فعلى إثر حادثة راتيسبونا سعى البابا لامتصاص الغضب المتصاعد من العالم الإسلامي من خلال القيام بزيارة إلى تركيا، أوحى عبرها أنه لا يعارض انضمام تركيا إلى المجموعة الأوروبية، لكنه يحضّ الطرف المعني على مزيد ترسيخ قيم الحرية الدينية واحترام حقوق الإنسان، ويعلق إريك فراتيني قائلا إن المصالح الاستراتيجية للفاتيكان وتركيا وأمريكا حاضرة بقوة، فالكل يناور سياسيا حتى حاضرة الفاتيكان.
ودائما في نطاق ما يتعلق بالحوار، يقول فراتيني بشأن الزيارة التي كان البابا المستقيل يزمع القيام بها إلى الأردن وفلسطين، في مايو 2009، أن الجانب الأردني هدف بالأساس إلى تحريك النشاط السياحي، لا سيما وأن الأمير غازي قد استثمر في المجال السياحي في أطراف الموضع الذي شهد تعميد السيد المسيح؛ في حين كان الإسرائيليون بوساطة سفيرهم لدى الكرسي الرسولي يلحّون على أن يُشِيد راتسينغر علنًا بالحرية الدينية التي ينعم بها المسيحيون في إسرائيل وبما ليس لها مثيل في الشرق الأوسط.
من جانب آخر يتعرض فراتيني في القسم نفسه إلى مسألة هامة لدى الجانب الأمريكي بشأن تصريح البابا أثناء التحضير لانعقاد مؤتمر أساقفة إفريقيا في 2011 حول مشكلة مرض فقدان المناعة المكتسبة، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة، معتبرا أن مرض فقدان المناعة في إفريقيا لا يمكن تخطيه باللافتات الدعائية وبتوزيع العازل الوقائي، فذلك مما قد يفاقم الأزمة. وفي الواقع تتلخص مقاربة راتسينغر لمسألة انتشار مرض فقدان المناعة في إفريقيا في الإحجام عن الممارسة الجنسية والامتناع عن الاختلاط والوفاء داخل الأسرة، وهي الرؤية العامة للاهوت الكاثوليكي بشأن التصدي لهذا المرض. وفي التحاليل التي دبجها محللو وكالة الاستخبارات الأمريكية، ضمن التقرير نفسه، قدروا مدى خطورة تصريحات البابا في حثّه أساقفة إفريقيا على "عدم الاستسلام لقوانين السوق والسياسة المالية العالمية" واعتبروا ذلك مناهضا للهيمنة الاقتصادية الأمريكية، ما يضع البابا على نقيض خيارات الليبرالية الاقتصادية التي تسعى أمريكا جاهدة إلى ترويجها في أرجاء العالم، وربط محللو الاستخبارات ذلك بالتغيرات الحاصلة داخل الكنيسة الكاثوليكية التي تشهد تراجعا ملحوظا في أوروبا وتطورا بارزا في إفريقيا.
كما لا تغيب المسائل الأمنية عن هذا القسم من الكتاب، ففي تقرير مفصّل بعنوان "الفاتيكان يؤيد الرأي القائل بأن إيران لا تتعاون مع الوكالة الذرية" صادر عن السفارة الأمريكية بحاضرة الفاتيكان في شهر أكتوبر من العام 2010، تضمّن مواقف باولو كونفيرسي الأستاذ في الجامعة الغريغورية وأحد مستشاري البابا في المجال العلمي وإبراز دعم الفاتيكان اللامشروط للسياسة الأمريكية في ما تنتهجه من ضغوطات على طهران.
أما في القسم الثالث والأخير المخصص للبابا يوحنا بولس الثاني، فيستعرض الباحث فراتيني من خلاله تقريرا صادرا عن السفارة الأمريكية في الثالث عشر من سبتمبر 2002، يبرز فيه السعي الجاد للولايات المتحدة لكسبِ البابا إلى صفها أثناء التحضير لإسقاط صدام، بعد أن أعلن ووجتيلا معارضته للحرب واشترط في حال اللجوء إليها أن تكون تحت غطاء دولي. حيث يبيّن التقرير الاختلافات الجوهرية في مفهوم الحرب العادلة بين الفاتيكان والولايات المتحدة. ويستعرض فراتيني اعتمادا على جملة من البرقيات والوثائق المساعي الحثيثة للسفير الأمريكي جيمس نيكلسون لدى الكرسي الرسولي لإقناع المسؤولين في الفاتيكان بضرورة التعجيل بهجوم على العراق. حيث يورد فراتيني في إحدى فقرات كتابه ردّ المونسنيور فرانكو كوبولا، القاصد الرسولي إلى منطقة الشرق الأوسط، قبل شهر من اندلاع الحرب في العشرين من مارس 2003، عن سؤال طرحه الطرف الأمريكي مستفسرا عن الوضع العام في العراق النفسي والاجتماعي على إثر عودة المبعوث من زيارة قابل فيها صدام، قائلا: "هم متقبّلون للحرب وهو قدريون على عادة العرب".
في جانب آخر من هذا القسم من الكتاب يتعرض فراتيني إلى ما شهدته العلاقات بين إسرائيل والفاتيكان من تحوّل عميق إبان ووجتيلا. فبعد أن أعلن البابا سنة 1986 في خطابه في بيعة روما أن اليهود هم إخوتنا الكبار، وأن الكنيسة تستمدّ جذورها من تلك الزّيتونة المباركة التي طعّمت أغصان الزّيتون البرّي للأغيار؛ بعد خمس سنوات وتحديدا مع انعقاد مؤتمر السلام في مدريد، تلقى البابا صفعة قوية من إسرائيل برفض حكومة إسحاق شامير مشاركة الفاتيكان في المؤتمر بدعوى أنها لا تربطها علاقات دبلوماسية بالطرفين المتنازعين. والملاحظ عموما في الكتاب غياب التوازن بين الأقسام الثلاثة التي وزعت حسب الباباوات، هذا إضافة إلى أن مضامين بعض المعنونات تأتي سطحية، لكن ذلك لا يخفي صرامة منهج الكاتب في التعاطي مع الأحداث من خلال الوثيقة المخابراتية التي تبقى منيعة على كثير من الدارسين والباحثين.
الكتاب: "السي آي ايه في حاضرة الفاتيكان".
المؤلف: إريك فراتيني.
الناشر: سبيرلينغ و كوبفر (برشلونة-ميلانو) ‘باللغة الإيطالية'.
سنة النشر: 2017.
عدد الصفحات: 570ص.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.