الحرب على إيران... غارات إسرائيلية على طهران وهجمات إيرانية على دول المنطقة    رسالة إلى 50 ألف جندي أمريكي في الشرق الأوسط: "انتهى وقت الاستعداد وحان وقت التحرك"    السفارة الأمريكية تحذر رعاياها في السعودية    وزارة الدفاع السعودية تصدر بيانا بشأن الهجوم على السفارة الأمريكية في الرياض    كارلسون.. اعتقال عملاء للموساد في قطر والسعودية خططوا لتفجيرات وإسرائيل تسعى لضرب دول الخليج    السعودية :سماع انفجارين جديدين في الحي الدبلوماسي في الرياض    شملت عددا من الوزراء السابقين.. المحكمة تصدر احكامها في قضية مروان المبروك    عاجل/ الولايات المتحدة تدعو رعاياها الى مغادرة أكثر من 12 دولة في الشرق الأوسط..وهذه التفاصيل..    ليلة الحرب الرابعة.. 7 دول تتعرض لقصف عنيف في آن واحد    احتياطي تونس من العملة الصعبة يغطّي 106 أيّام توريد    عاجل/ إخلاء السفارة الأميركية بهذه الدولة..    حجز 47 قنطارا من الفارينة المدعمة في الدندان..وهذه التفاصيل..    حين يتكلم القانون.. إيتاش دوغان يصنع الاستثناء في "رمضان في المدينة"    عاجل/ وزير الخارجية يوجه هذا النداء الى الجالية التونسية بالخليج والشرق الأوسط..    تأجيل محاكمة الطيب راشد إلى 23 مارس    المنظمة الدولية للهجرة بتونس ترافق 1760 مهاجراً عائداً إلى بلده الأصلي    كلفة زيادة سعر النفط    هيئة «الجليزة» تحتج على تعيين لقاء العمران يوم 6 مارس    دورية أمنية تعثر على مبلغ مالي هام بأحد شوارع..ما القصة..؟!    مع الشروق .. أطنان من السموم في رمضان...إنها الغنيمة قبل الضمير    بورتريه ..مرشد إيران... الجبل الشامخ    ذكريات رمضان فات...قبل شقّان الفطر    بين الإفطار والسحور.. كيفاش تفقد الوزن بنجاح خلال شهر رمضان؟    "مواسم الريح" للأمين السعيدي في جنوب افريقيا والاردن وجزر القمر    شنوا نعرفوا عن المعلمة ''مناعة'' إمبراطورة المخدرات في الثمانينيات؟    تنبيه عاجل لأصحاب السيارات: آخر أجل لخلاص معلوم الجولان 5 مارس 2026    بين قفصة وأم العرائس.. وفاة شخصين واصابة اثنين آخرين في حادث مرور    طقس الليلة.. مغيم جزئيا بأغلب المناطق    معلومات جديدة على مسلسل الموناليزا    مونديال 2026 - هولندا تلاقي الجزائر وديا يوم 3 جوان القادم في روتردام    افتتاح المركز الطبي للحماية المدنية    اتحاد الفلاحة: أسعار الأسماك خيالية في الأسواق    المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط تدق ناقوس الخطر: امنعوا أطفالكم من اللعب بالفوشيك    التمر بالحليب: شوف الفوائد مع شقان الفطر    سهرات متنوعة تؤثث الدورة الخامسة لتظاهرة ليالي المحمدية الرمضانية    مكتب نابل: جمعية "أكاديمي أوف آرتس" تفتتح مهرجان ليالي المالوف بسليمان    التاكيد خلال جلسة عمل بمقر وزارة الصناعة على دور قطاع النسيج في تحقيق التوازنات الاقتصادية والاجتماعية    التوجيه المدرسي 2026: هذه الروزنامة كاملة...من تعمير البطاقات حتى لنتائج إعادة التوجيه    الممثل فتحي الذهيبي : ''الكاستينغات في تونس يتعملوا كي عرس الجنون''    مركز تونس الدولي للاقتصاد الثقافي الرقمي ينظم الدورة الرابعة من "بيبان لمدينة" في مدينتيْ القيروان وتونس    سيدي بوزيد: تواصل فعاليات برنامج "رمضانيات صحية" بمختلف معتمديات الجهة    ابن عاطف بن حسين: ''كي نسمعوا صوت قوي، نشهدو...وجوهنا تلخلخ، وبعد نضحكوا''    عاجل/حصيلة مرعبة.. الديوانة التونسية تضرب بقوة..كوكايين، ذهب مزيف، ومليارات مهربة..    أبطال إفريقيا: الكاف يراهن مجددًا على التحكيم التونسي لإدارة قمة نارية في ذهاب ربع النهائي    عاجل: خطايا مالية تنجم توصل ''300 مليون'' بسبب البنان..شنّوة الحكاية؟    لهف منهن مبالغ مالية: السجن لمتحيل على الفتيات..وهذه التفاصيل..#خبر_عاجل    20 سنة سجناً لشاب أضرم النار في منزل صديقه بالبحر الأزرق    بطولة انديان ويلز للتنس: معز الشرقي يواجه الليلة المصنف 96 عالميا    موعد ليلة ''النص'' من رمضان    رجل يخرج 35 حصوة من كليته بسبب المشروبات الغازية    جولة نارية في الرابطة الأولى... قمم منتظرة هذا الأسبوع    تونس: الخضرة موجودة في الشوارع ومفقودة في سوق الجملة...علاش؟    عاجل: الإدارة الجهوية للصحة بتونس تعلن عن انتداب إطارات شبه طبية...كيفاش تعمل؟    ثواب عظيم لمن يردد دعاء 12 من رمضان!    بطولة اسبانيا : دربي الأندلس ينتهي بالتعادل 2-2 بين ريال بيتيس وإسبيلية    بطولة فرنسا : مرسيليا ينتفض في الدقائق الأخيرة ويطيح بليون 3-2    وزارة الأسرة والمرأة: 4485 إشعارا يتعلق بالعنف ضد المرأة من 1 جانفي إلى 31 ديسمبر 2025    عميد البياطرة: 3500 إصابة بداء السل سنويا في تونس    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مسرحية ''الشمع'' لجعفر القاسمي: كتابة ركحية جديدة متمرّدة عن المألوف
نشر في باب نات يوم 10 - 12 - 2017

- من الموت والعدم، بعث المخرج جعفر القاسمي في شخصيات عمله روحا جديدة لتحيى، بعد أن كانت جثامين مدفونة في المقابر، فبدأت أجسادها تنبض حركة متخذة منحًى تصاعديّا فتنتفض وتهتزّ ويتعالى الصياح: إنه مشهد التحام الروح بالجسد لتعلن بداية المسيرة الإنسانية في الحياة.
بهذا المشهد استهلّت مسرحية "الشمع" لجعفر القاسمي، وهو عمل من إنتاج "فنون التوزيع الريو"، وأداء صبرة الهميسي ومحمد الجبي وتوفيق العايب وعاصم بالتهامي والصحبي عمر وخالد الفرجاني ووسام البراهمي وأكرم العمدوني ومروان الطرخاني وعبد الرحمان المؤدب.
وقد تمّ تقديمه مساء الجمعة بقاعة الريو بالعاصمة، على إثر حفل الافتتاح الرسمي للدورة التاسعة عشرة لأيام قرطاج المسرحية.
مسرحية "الشمع"، هيّ عمل يتجاوز ماهو تجريبي، بل هي تجربة تبحث عن كتابات ركحية جديدة غير مستهلكة، ويمكن اعتبارها "مجازفة" في الاختيار الجمالي، كما وصفها صاحبها، الذي انطلق من القضايا المركزية للمجتمع التونسي بصفة خاصّة والمجتمع العربي عموما، ليخطّ حكاية ذات أبعاد عميقة في المحتوى رغم بساطتها في الشكل.
وهذه الرواية في المسرحية تحكي أحداثها عن عائلة تقطن منزلا آيلا للسقوط كائنا بجانب مقطع مهجور (داموس) لاستغلال الفسفاط، وتعيش العائلة صراعا فيما بينها، صراع مع ماضٍ ولّى ولن يعود.
ومصطلح "الشمع" في العنوان لا يدلّ على ذاك المعنى الرومنطيقي ولا يوحي بالشمعة التي تستعمل للإضاءة والقابلة للذوبان رغم أنها كانت لتؤدّي جزءا من هذه الدلالة من خلال ما تتّقد به الشخصيات من طاقة وحيوية في الأداء ثمّ تندثر في القبر والدّهليز لترمز بذلك إلى نهاية المسيرة الإنسانية في الحياة، وإنما ل "الشمع" مقاصد أخرى بما هي أعمدة حديدية ارتكز عليها سقف المنزل الآيل للسقوط، ليلعب بذلك وظيفة تشخيص الفضاء المكاني للعبة المسرحية.
وللمكان ثلاثة مستويات رئيسية ذات منحى عمودي ارتكز عليها هذا العمل المسرحي، وتمّ تسخيرها للتعبير عن عمق الحكاية من ناحية، ولطرح جمالية جديدة جعلت من العرض حيّا وعميقا شكلا وتعبيرا وصوتا وصورة.
وهذه المستويات الثلاث للمكان في مسرحية "الشمع" هيّ: "الدهاليز" أو ما يمكن تسميتها ب "عالم ما تحت الركح" وهو عالم يتّسم بالظلمة والموت والعدم.
أمّا الفضاء المكاني الثاني، فهو "المنزل" (عالم الركح).ويتمثّل المستوى الثالث للمكان في "السقف" (عالم ما فوق الركح).
ويحتلّ "السّقف" المرتبة العليا للمكان، وهو آيل للسقوط في كلّ لحظة ولذلك كانت الأعمدة الحديدية (الشمع) أداة لتماسكه.
وفي المسرحية يرمز "السقف" إلى الدولة بالمفهوم السياسي، أمّا "الشمع" بما هو أداة وصل بين أرضية الركح والسقف، فهو ركيزة من ركائز المحافظة على ما تبقى من الدولة لضمان استمراريتها وديمومتها وإنقاذ سكانها من "الهلاك" بعد الانفلات الذي شهدته البلاد بعد 14 جانفي 2011، وصراع التيارات السياسية للوصول إلى السّقف (السلطة) وبروز ظاهرة الإرهاب وغياب ثقافة العمل وتصاعد وتيرة الاحتجاجات واستمرار عمليات القمع البوليسي والتعذيب، وكاد الإنسان يفقد فيها ماهيته ومعناه الوجودي وينحدر إلى مرتبة الحيوان.
يبدو تأثر المخرج جعفر القاسمي جليّا بالمسرحي البريطاني "بيتر بروك"، وهو ما يبرز في التقسيم المكاني للركح إلى عدّة فضاءات مستخدما تقنية الإنارة، وهي أماكن قائمة على التضادّ خدمة لثنائية الحياة والعدم، وهذا التقسيم للركح يجمع بين مساحات مضاءة ودافئة ووظيفيّة وحيّة عندما يكون الممثل بصدد اللعب على هذه المساحة الركحية، وفي المقابل، هناك مساحة أخرى على الركح سلّط عليها المخرج إنارة زرقاء اللون فبدت جامدة وغير وظيفية وميتة ويظل الممثل فيها دون حركة.
أسماء الشخصيات في "الشمع" هي الأسماء نفسها الحقيقية للممثلين، وقد تعمّد المخرج المحافظة عليها لإضفاء واقعية أكثر على العمل المسرحي، كما عوّل عليها المخرج بقوّة لملء ما يصطلح تسميته ب "المساحة الفارغة" وهي تقنية تعتمد أساسا على لعب الممثل على الركح ولا تعترف بتقنيات الديكور لتشكيل الفضاء.
ولئن اتسمت أغلب المشاهد بالقسوة كتقنية في أداء الممثّل، فإنها لم تخلُ أيضا من بعض المواقف الساخرة وهي سخرية سوداء في ظاهرها هزل وفي محتواها مجموعة من القضايا الاجتماعية والسياسية، وقد لعبت هذه المواقف الساخرة وظيفة إراحة المشاهد من عناء تتابع الأحداث.
وتميّز أسلوب العمل المسرحي، بالحضور اللافت للممثلين على خشبة المسرح والسيطرة التامة عليه من خلال تركيز الوعي الجسدي والنفسي على المسرحية والمشاهدين وقد كان للانضباط اللافت في حركة الممثلين وأدائهم خلال العرض المسرحي كله بعد جمالي في الاستحواذ على تركيز المشاهد الذي ظل مشدودا للروح الجماعية على خشبة المسرح والأداء الفردي والجماعي للممثلين حركةً وقولاً.
فكانت الطاقة المنبعثة من الممثلين تسيطر على الجو العام مما أدى إلى هذا التفاعل الجميل بين جمهور المشاهدين والممثلين.
ولم يخل لعب الشخصيات على الركح من عنصريْ المفاجأة والتشويق، على غرار الممثل توفيق العايب في دور "الجدّ"، إذ يكتشف الجمهور في المشهد الختامي للعرض أنها شخصية متوفية لكنها حاضرة فقط في أذهان الشخصيات وجسّدها توفيق العايب على هيئة طيف.
والجدّ في هذا العمل، يُقصد به تلك الأفكار القديمة والعادات والتقاليد المكبّلة لمسيرة تقدّم الدولة ومواطنيها فكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وهي أيضا تلك الأفكار التي حجبت عن الناس النظر إلى الأمام نحو المستقبل، وهو ما يتجلّى في الإيديولوجيا السياسية بالأساس، التي عاد بعضها إلى ارتداء الحلّة البورقيبية، وارتدى فريق سياسي آخر جبّة الخلافة واعتنق تيّار آخر للماركسية وغيرها، وهو ما حاد بالعمل السياسي عن القضايا الكبرى للبلاد المتمثّلة في ارتفاع نسبة البطالة وتدهور القدرة الشرائية للمواطن واستفحال ظاهرة الهجرة غير الشرعية وتقسيم المواطنين إلى "أجداد" أي إلى موروثات فكرية وإيديولوجية ولّت مع الزمن.
جمال الصورة من حيث الشكل والمحتوى في مسرحية "الشمع"، هو عنصر أساسي قارّ في التجارب الإخراجية الثلاث السابقة لجعفر القاسمي (بوراشكا والفلايك ورق حقائب ريتشارد الثالث)، وهو توجّه جريء لطرح واقع جديد غير مألوف في الفن الرابع، وقد "يشكّل منعرجا حاسما في المسرح التونسي لما يقترحه من بديل شكلا ومضمونا، أداء وتعبيرا وصوتا وصورة" كما ذهب بالقول إلى ذلك الناقد المسرحي الراحل توفيق بكار متحدّثا آنذاك عن مسرحية "حقائب" سنة 2010.
تجدر الإشارة إلى أن هذا العمل الجديد يعدّ التجربة الإخراجية الرابعة في رصيد الفنان المسرحي جعفر القاسمي في صنف الاحتراف.
وسبق لجعفر القاسمي أن توّج بجوائز كبرى في أعمال سابقة على غرار مسرحية "حقائب" التي حازت على جائزة الركح الذهبي لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 2010 وهي الجائزة الأولى في تاريخ المسرح التونسي والعربي، بالإضافة إلى تتويج مسرحية "ريتشارد الثالث" بجائزة أفضل عرض مسرحي في الدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي بالشارقة في جانفي 2014.
لمح


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.