تعرض 14 شخصا إلى التسمم بعد تناول الحليب الرايب وسط مدينة قفصة    طقس الليلة.. سحب عابرة مع ريح قوية بهذه المناطق    وزارة التجارة تعلن إجراءات استثنائية للتحكم في الأسعار وتأمين التزويد خلال رمضان    البطولة الوطنية المحترفة لكرة السلة: نتائج الجولة الختامية لمرحلة التتويج وترتيب الفرق    بطولة القسم الوطني "أ" للكرة الطائرة: نتائج الجولة السادسة من مرحلة التتويج والترتيب    مسابقات الاندية الافريقية: استعمال تقنية الفيديو المساعد للتحكيم "الفار" ابتداء من الدور ربع النهائي (الكاف)    توزر: حجز قرابة 328 كغ من الموز من أجل عدم مسك فاتورات بيع خلال حملة مراقبة مشتركة على الطرقات    عاجل/ نحو اقرار أحكام جديدة تعيد ضبط شروط وإجراءات التمديد في سنّ التقاعد بهذا القطاع..    مائدة رمضان بالصخيرة: مبادرة إنسانية متواصلة للسنة الرابعة    الترجي الرياضي يفوز على الملعب التونسي يستعيد الصدارة    عاجل/ رقم مزلزل: 1381 مخالفة اقتصادية خلال 48 ساعة فقط من رمضان 2026..!    أصعب مهمة في رمضان: تذوق الملح من غير ما تشقّ فطرك...شوف حكم الاسلام    دكتورة للتوانسة: من الإفطار للسحور...هاو كيفاش تشرب الماء    سمية في مسلسل غيبوبة: صراع الأمومة والواجب بين التعاطف والرفض    عاجل/ مقتل 5 أشخاص في انقلاب قارب يحمل مهاجرين..وهذه التفاصيل..    طوابير في الأسواق الأردنية لاقتناء زيت الزيتون التونسي    منوبة: تركيز نقاط بيع خبز "طابونة" مهيّأة ومنظّمة لبائعات من اسر معوزة    منير صالحة يفتح النار على سوسن الجمني ويجلد "الخطيفة"..    رئيسة قسم أمراض الرئة: ضغط حادّ على أسرة عبد الرحمان مامي بأريانة    توقف تصوير مسلسل ''الستّ موناليزا''...علاش؟    جمرة الهواء تنزل في تونس: شنوّا يعني وشنوّا علاقتها بالربيع؟    بصمة "الدريدي" تصنع الفارق: شباب قسنطينة يحقق العلامة الكاملة ب 4 انتصارات متتالية    كراء ''الباراسولات'' في صيف 2026: الأسعار تبدا من 50 دينار وهذا وقتاش تقدموا المطالب    هاشتاغ ثاني أيام رمضان: لقطات مثيرة للجدل وتفاعل واسع مع الدراما التونسية    دبارة اليوم الثالث لشهر رمضان..    جريمة مزلزلة..وحوش في هيئة بشر: زوجان ينهيان حياة ابنتهما طفلة الخمس سنوات..!    اضطراب في توزيع الماء الصالح للشرب جراء اشغال صيانة وتعهد لمحطة تحلية مياه البحر بالزارات من ولاية قابس    منوبة: جامعة منوبة للتضامن الاجتماعي تخصّص اكثر من 3 الاف مساعدة رمضانية للعائلات المعوزة    30 سنة سجنا لقاتل شاب بجهة باب الجزيرة بالعاصمة    الجبل الأحمر: محاصرة عدة عناصر اجرامية خطيرة    وزير التجارة يزور السوق المركزية بالعاصمة لمتابعة الأسعار ومراقبة التجاوزات    منظمة الدفاع عن المستهلك تدعو إلى خفض أسعار اللحوم وتكثيف التزويد في الجهات    أكثر من 2 ملاين تونسي تفرجوا في ''صاحبك راجلك''.. شوف ترتيب برامج رمضان    أسعار أضاحي العيد محور جلسة برلمانية..وهذه التفاصيل..    عاجل/ تحذير من الرصد الجوي.. منخفض "اليونان'" يصل تونس.. وهذه المناطق في قلب العاصفة..    "إضراب مفتوح" في مستقبل سليمان: مطالب مالية مشروعة وتجاهل إداري غير مبرر    حرق الدهون أم حرق العضلات؟ ..السر الخطير الذي لا يعرفه الصائمون عن ممارسة الرياضة قبل الإفطار!    بلدية تونس توصي أصحاب المحلات: ممنوع مضخمات الصوت وقت التراويح    أوقات الصلاة لثالث أيام شهر رمضان..وموعد الافطار..    وزارة النقل: معهد الرصد الجوي ليس مسؤولا عن الانذار المبكر...إذن من المسؤول؟    أجندا ليالي رمضان الثقافية والفنية 2026    يوم تحسيسي بكلية الطب بالمنستير تحت شعار " من أجل صباح آمن وصحة مستدامة " اليوم السبت 21 فيفري 2026    النمسا: قتلى وتعطل حركة النقل بسبب عاصفة ثلجية    ترامب: أدرس توجيه ضربة عسكرية "محدودة" لإيران    ترامب يصدر قرارا بفرض تعريفة جمركية بنسبة 10% على جميع الدول    الطريق إلى الله ... تايزون .. البكاء عند قبر النبي (3)    أحباب الله .. الأرقم بن أبي الأرقم، طفل كالف رجل (3)    نيمار يفجر مفاجأة حول اعتزاله    عاجل: المحكمة العليا الأميركية تُسقط الرسوم الجمركية لترامب    الرابطة المحترفة الأولى لكرة القدم : برنامج مباريات الجولة 22    تشق فطرك مع قول الله أكبر وإلّا تستنى يوفى الأذان؟...ثبت في السنة    وزارة الصحة: تناول من حبّة الى ثلاث حبّات من التمر عند الإفطار خيار صحي بامتياز    عاجل/ بسبب "الخطيفة" محامي يتهم قناة الحوار التونسي بالسرقة ويُفجر قنبلة..    الإعدام شنقًا لقاتل زميله إثر خلافات بينهما    دعاء الجمعة الأولى من رمضان.. قولوا توا    طقس اليوم: سحب أحيانا كثيفة مع بعض الأمطار بهذه المناطق    عاجل/ ترامب يدرس ضربة مبدئية محدودة ضد إيران..وهذه التفاصيل..    تفاصيل البرمجة الرمضانية لقناة التاسعة..    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رحل مارادونا... رحل "فلسطينيّ القلب"
نشر في باب نات يوم 26 - 11 - 2020


بقلم: حمه الهمامي
رحل يوم أمس الأربعاء الثاني والعشرين من شهر نوفمبر الجاري دياغو مارادونا... رحل "الفتى" الذي نشأ في حيّ "فيا فيوريتو" وهو من أحياء العاصمة الأرجنتينية "بوينس أيرس" الفقيرة...حيّ يفتقد فيه الناس إلى "الماء والخبز واللّحم" كما قال الراحل. صنع الفتى الفقير، الحامل رقم 10، مجده "بقدميه المعجزتين" حسب عبارة محمود درويش وتحوّل إلى أسطورة الأساطير في عالم كرة القدم... لا أحد كان يقدر على تكهّن ما يمكن أن يفعله "بقدميه المعجزتين" وهو "يِتْكَعْبِرْ" فوق الملعب ويخترق حصون أعتى دفاعات فرق كرة القدم ويسجّل الأهداف المستحيلة... فاعتلى عرش اللعبة الشعبية الأولى في العالم...
لكنّ الفتى الأسطورة لم يلمع بسحره الكروي فحسب...لقد شغل الناس بمواقفه السياسية التي لا تقِلُّ قوة عن إعجاز قدميه في زمن انتشر فيه الجبن من الطغاة. مارادونا، خلافا للعديد من الرياضيين وغير الرياضيين الذين أثروْا وخانوا أصولهم الطبقية، ظل وفيّا لجذوره رغم ما راكمه من أموال طائلة. لم تَعْمِ الثروة بصيرته ولمّ تغيّر طباعه وقناعاته وظلّ صديق الفقراء والمضطَهَدِين في وطنه وفي أمريكا الجنوبية والعالم. أعطى الكثير من جهده ومن وقته ومن ماله لخدمة قضيّتهم وظل حلمه أن يسعد الفقراء في العالم ويحتلّوا مكانة تحت الشمس.
اختار مارادونا معسكره بوضوح وهو معسكر اليسار والشعوب المضطَهدة. جعل من ابن بلده، الثائر الأممي أرنستو تشي غيفارا، مثلا يقتدي به. لم يتردد في دعم الأنظمة الاشتراكية والوطنية المعادية للامبريالية الأمريكية في أمريكا الجنوبية. وقف إلى جانب كوبا المحاصرة وأصبح صديقا صدوقا لزعيمها الراحل "فيدال كاسترو". كما وقف إلى جانب فينيزويلا "شافيز" و"مادورو" المتمرّدة على "العم سام". وساند بقوة موراليس (بوليفيا) ولولا (البرازيل) وأورتيغا (نيكاراغوا). وفي الأرجنتين، وطنه، انحاز إلى حكم الرئيس الاشتراكي كيرشنير.
إن مواقف مارادونا من الامبريالية الأمريكية ومن رؤسائها المجرمين لن تمّحي من ذاكرة الشعوب. ففي عام 2005 حضر جورج بوش الابن قمة الأمريكيتين في "مار ديل بلاتا" بالأرجنتين. فالتحق مارادونا بالمحتجين على مجيئه. ولما دعاه شافيز إلى الصعود إلى المنصة، نادى أمام عشرات الآلاف من المحتجين الأرجنتينيين بإخراج "القمامة بوش من الأرجنتين" واصفا إياه بالقاتل والسفاح. وفي السنوات الأخيرة واجه الرجل ترامب ووصفه بالطاغية وصرح بأن أمريكا إذا كانت "تعتقد أنها تستطيع دهسنا فإن ذلك لن يحدث... لن يستطيع الطاغية أن يشترينا". وقد منع مارادونا جراء مواقفه من الدخول إلى أمريكا.
وما من شكّ في أن التاريخ سيسجّل لمارادونا مواقفه الداعمة للشعب الفلسطيني في الوقت الذي هرع فيه العديد من الرياضيين العرب للتطبيع مع الصهاينة أسوة بحكامهم العملاء وبحثا عن المال. "أنا فلسطيني، وقلبي فلسطيني"، هذا ما صرّح به الرائع مارادونا في مونديال روسيا (2018) يوم استقبله الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وكان صرّح قبل ذلك بسنوات (2012): "أنا الداعم الأول لقضية الشعب الفلسطيني العادلة. الشعب الفلسطيني شعب عظيم. ويجب علينا الوقوف إلى جانبه. أحبّ أبناء فلسطين كمحبّتي لحفيدي وسأستمر في دعمهم وسأزورهم قريبا، وليغضبْ من يغضبْ".
إن عظمة مارادونا تتمثل في كونه، خلافا للعديد من الرياضيين المشهورين الذين تنكروا لجذورهم الاجتماعية وباعوا ذمتهم للشركات الاحتكارية الكبرى ولمصاصي دماء الشعوب ومضطهِديها، وظّف شهرته وصيته للدفاع عن القضايا العادلة في أمريكا الجنوبية والعالم. ولم يتردّد لحظة في إعلان ميولاته اليسارية ومواقفه الجريئة دون حسابات صغيرة وخسيسة. وهو ما حدا بالزّعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو إلى منحه لقب: "تشي الرياضة" تيمّنا بالثوري ب"تشي غيفارا". وهو حقيق بهذا اللقب من بين كبار رياضيي العالم.
أتيحت لي الفرصة لملاقاة أيقونة كرة القدم العالمية في أواخر نوفمبر 2016 بكوبا بمناسبة وفاة فيدال كاسترو. التقيته المرة الأولى ب"سانياغو دي كوبا" في ليلة التوديع الأخير للزعيم الكوبي العظيم. لما قدمتني إليه المترجمة وعلم أنني تونسي، قهقه ووضع يده على عينيه. فهمت مباشرة سبب ضحكه فقلت له هدف "يد الله"، في إشارة إلى الهدف الشهير الذي استعان بيده لتسجيله في شباك الفريق الأنجليزي في ربع نهائيات كأس العالم 1986 بالمكسيك دون أن يتفطن إلى ذلك الحكم التونسي علي بن ناصر الذي أدار المقابلة واحتسب الهدف. ولما سئل مارادونا لاحقا عن كيفية تسجيل الهدف أجاب بما معناه بعامّيتنا التونسية: "شوية براسي وشوية بيد ربي". « un peu avec la tête et un peu avec la main de Dieu »
وقد أردف مارادونا ذلك الهدف بهدف ثان اعتبر أفضل هدف في تاريخ الكؤوس العالمية إذ أنه راوغ نصف لاعبي الفريق الإنجليزي بمن فيهم الحارس قبل أن يضع الكرة في الشباك. وقد اكتسبت تلك المقابلة بعدا سياسيا إذ مثّل انتصار الفريق الأرجنتيني في تلك المقابلة وتمريغ مارادونا أنوف اللاعبين الإنجليز في التراب نوعا من الثأر للهزيمة العسكرية التي ألحقتها انجلترا بالأرجنتين قبل أربع سنوات في حرب "المالوين". وقد ظل الإنجليز لسنوات طويلة حاقدين على الحكم التونسي علي بن ناصر.
تحادثنا عن كاسترو وعن مكانته في قلوب الفقراء والمضطهدين عبر أنحاء العالم. وتوادعنا. وشاءت الظروف أن نلتقي مرة ثانية بالقاعة الشرفية بمطار "لاهافانا" يوم مغادرة كوبا. في هذا اللقاء تحدثنا أكثر عن الوضع في تونس وعما عرفته من تطورات بعد الثورة. كان الرجل شديد التواضع، ضحوكا، وديعا، مختلفا عن ذلك الشخص الشرس الذي يظهر في الملاعب... استمع بانتباه وشغف إلى ما قدّمته إليه من معطيات. وتوادعنا ليرحل كلّ منا إلى وطنه...
رحل مارادونا... تاركا حسرة كبيرة في قلوب عشاق كرة القدم...وحسرة كبيرة أخرى في قلوب أنصار حرية الشعوب في مختلف أنحاء العالم وخاصة في أمريكا الجنوبية.
حين اعتزل مارادونا اللعب وعاد إلى الأرجنتين، كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش:
"ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين؟
مع من سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلق طمأنينة القلب، وخوفه، على قدميه المعجزتين؟
وإلى من نأنس ونتحمس بعدما أدمناه شهرا تحولنا خلاله من مشاهدينا إلى عشاق؟
ولمن سنرفع صراخ الحماسة والمتعة ودبابيس الدم، بعدما وجدنا فيه بطلنا المنشود،
وأجّج فينا عطش الحاجة إلى بطل...بطل نصفق له، ندعو له بالنصر، نعلّق له تميمة، ونخاف عليه وعلى أملنا فيهمن الانكسار؟".
وماذا عسانا نقول اليوم وقد رحل مارادونا عن هذا العالم بملاعبه ومدنه وأحيائه الفقيرة؟
رحل اللاعب،
ورحل المكافح الشهم للظلم والطغيان...
رحل حبيب الفقراء والمظلومين
رحل "تشي الرياضة"...
لن نسمع في القريب شخصا من حجمه
يدعو إلى إلقاء رئيس أمريكي مجرم
في القمامة
لكنّ الأرض ولاّدة...
ستزهر يوما ما ألف مارادونا...
فوداعا أيها الرجل...
ونِعْمَ ما تركت من أثرٍ...
---
ختاما:
من هو الملك؟
مارادونا أم بيلي؟
أنا أصوّت: دياغو مارادونا
لأنّ للرجل خصلة زائدة:
الالتزام.
تونس في 25 نوفمبر 2020


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.