(تحرير وات/ فتحية بوزيد) - يتزامن دخول فصل الربيع في ولاية نابل، مع انطلاق موسم تقطير زهر "النارنج" الذي يعطّر مدنها وأريافها برائحة أزهارها الفواحة ناصعة البياض، معلنة عن بداية الموسم الذي يميز الجهة. وما إن تكتسي حبات الزهر اللون الأبيض ويكبر حجمها وتعبق منها رائحة عطرية تملؤ المكان، حتى يسارع أهالي الوطن القبلي لجنيها في أجواء عائلية تسودها الغبطة، سواء في الحقول أوحدائق المنازل أوحتى الشوارع التي لا تكاد تخلو من أشجار "النارنج". فلا تكاد تمر في أنهج المدن، حتى ترى السلالم قد وضعت تحت أشجار النارنج، وفرشت المفارش لجمع حبات الزهر ومنع ارتطامها بالأرض للحفاظ على جودتها، فيتم قطفها زهرة زهرة لتتساقط كحبات الثلج البيضاء وتشكل أكداسا صغيرة تنبعث منها رائحة زكية. لقد أصبح الموسم فرصة لإحياء عادات وتقاليد راسخة في ذاكرة أهالي الوطن القبلي، حيث تتجمع العائلات "النابلية" وتعيش أياما من البهجة والسرور، ليكون موعدا سنويا لإعداد "العولة" من ماء الزهر المنعش، الذي يستعمل للتداوي من ضربة الشمس والآلام المعوية، ولصناعة اقنعة تجميل للبشرة، بالإضافة إلى استعماله في صنع الحلويات او إضافة قطرات منه "للقهوة العربي" ليضفي على مذاقها نكهة ساحرة. ولاتزال بعض النسوة يحافظن على استعمال "القطّار التقليدى" وهو وعاء يكون جزؤه السفلي من النحاس والعلوي من الفخار، لضمان جودة ماء الزهر المقطّر، حيث يعتبرن أنه أفضل من الطريقة العصرية التي يتم الاعتماد فيها على قطار من الالمنيوم، ليتم لاحقا حفظ ماء الزهر في قوارير خاصة تسمى "فاشكا" وهي قوارير بلورية ذات شكل خاص ترتكزعلى سلة بلاستيكية، وتتميز بعنق رفيع وقاعدة عريضة وأحجام متفاوتة. ويعتبر موسم جني وتقطير الزهر بولاية نابل، من أبرز خصوصيات الجهة وأعرقها، حيث يكتسي أهمية إجتماعية وإقتصادية بالغة رغم أنه موسم قصير لا يتجاوز الشهر الواحد (من منتصف شهر مارس الى منتصف شهر أفريل). كما أن المساحات المزروعة لا تتجاوز 483 هكتارا، حسب ما ذكره رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري بنابل، عماد الباي، في تصريح ل /وات/. وأوضح الباي، أن عملية التقطير ترتكز أساسا على الجانب الصناعي الذي يستقطب الكميات الأكبر من الإنتاج، يليه التقطير التقليدي الذي يعد موروثا ثقافيا بارزا في تونس عموما وفي نابل بصفة خاصة، حيث لا يكاد يخلو بيت تونسي من ماء الزهر. وأفاد بأنه تم الانطلاق الفعلي لموسم جني الزهر بالجهة منذ حوالي أسبوعين في عدد من المنازل التي تعتمد الطرق التقليدية، وبعض المصانع المختصة في عمليات التحويل، والبالغ عددها 4 وحدات ضمن هياكل مهنية في الوسط الريفي بمعتمديات قربة وبني خيار ودار شعبان ونابل، إلى جانب شركتين تعاونيتين تنشطان في القطاع. وأكد في هذا السياق، أن ولاية نابل تحتل موقعا رياديا في إنتاج الزهرعلى المستوى الوطني، حيث تستأثر ب 83 بالمائة من المساحة الجملية ، وتساهم بنحو 95 بالمائة من الإنتاج الوطني الذي يتراوح بين 11 ألفا و14 ألف طن سنويا نظرا لارتباطه بالتغيرات المناخية وكمية التساقطات المسجلة. وأضاف أن إنتاج مادة "النيرولي" يقدر بحوالي 1 فاصل 4 طن سنويا، يتم توجيه الجزء الأكبر منه نحو الأسواق الخارجية وخاصة منها الأوروبية، ليستعمل في صناعة العطور الرفيعة، بما يساهم في دعم الاقتصاد الوطني من خلال توفير العملة الصعبة. ولاحظ الباي، أن القطاع يواجه جملة من التحديات التي تتجدد مع كل موسم، أبرزها سعر "الوزنة" من الزهر (4 كيلوغرامات)، والتي تقدر بحوالي 20 دينارا، معتبرا أن هذه التسعيرة لا يمكن أن تغطي تكلفة الإنتاج، خاصة مع ارتفاع كلفة اليد العاملة وندرتها. وبين أن نقص اليد العاملة المختصة في جني الزهر بالطريقة التقليدية، دفع بعض المنتجين إلى التوجه نحو الميكنة رغم تأثيرها السلبي على جودة المنتوج، باعتبارها تقلص من عدد مرات الجني وتؤدي إلى خسارة جزء من المحصول. وطالب الباي بضرورة مراجعة سعر "الوزنة" حتى لا تقل عن 30 دينارا، لضمان استدامة القطاع وتحقيق هامش ربح للفلاحين يتيح لهم الجني على مرات عديدة، بما يحافظ على جودة المنتوج ويضمن مردودية أفضل. تابعونا على ڤوڤل للأخبار