ترامب: لا يزال أمامنا عمل لقمع قدرات إيران الهجومية    بزشكيان: إنهاء العدوان ضد إيران هو الحل الوحيد    منظمة التعاون الإسلامي تدين المصادقة على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بسجون الاحتلال    نشرة متابعة للوضع الجوي لهذه الليلة..أمطار والطقس بارد..#خبر_عاجل    بخصوص العناصر الإرهابية العائدة من بؤر التوتر.. الداخلية توضح اجراءات التعامل معها    تم ايقافه بجهة حلق الوادي.. بطاقة ايداع بالسجن ضد مروج مخدرات مصنف خطير    بعد الحكم بالبراءة: القصة الكاملة لقضية فريال يوسف ونادية الجندي    تنميل اليدين ليلاً... متى يكون طبيعياً ومتى يشير إلى مرض؟    النقابة المستقلة للمخرجين المنتجين تدعو الى حوار وطني حول مستقبل المركز الوطني للسينما والصورة    突尼斯驻北京大使馆举办经济推广活动,    سفارة تونس ببيكين تنظم تظاهرة اقتصادية بمناسبة وصول 50 طنا من صادرات زيت الزيتون التونسي    أكثر من 130 ألف خريج تعليم عالٍ مسجلون بمكاتب التشغيل وغالبيتهم من دفعات ما قبل 2021    هل كوب الشاي اليومي يهدد صحتك بالبلاستيك؟ حقائق صادمة    جندوبة: تعليق الدروس بمعتمدية عين دراهم توقيّا من تداعيات التقلّبات المناخيّة    حجّ 2026: تونس تسوغت ثلاثة فنادق قريبة من الحرم المكّي و 5 فنادق في المدينة المنوّرة في الصفّ الأوّل    تسجيل أول موجة تضخم في منطقة اليورو أثارتها حرب إيران    عاجل : منع الاحتفالات المرتبطة باختبارات'' الباك سبور'' لتلاميذ البكالوريا في قابس    وصول دفعة ثالثة تضم 9 تونسيين إلى تونس بعد إجلائهم من لبنان    مؤتمر مصر الدولي للطاقة: وزيرة الصناعة تدعو الى بناء شراكات إقليمية ودولية    المؤتمر 43 لطب العيون من 9 إلى 11 أفريل 2026، بالعاصمة    الرابطة الثانية: لطفي الجبالي يخلف هشام السويسي في تدريب اتحاد تطاوين    هل يفسد فنجان القهوة الصباحي مفعول فيتاميناتك؟ إليك التفاصيل    وزير التربية يتابع مشاريع صيانة وتهيئة المؤسسات التعليمية بسوسة    صاحب منزل مهجور في جربة: فيديوهات "تيك توك" و"إنستغرام" وراء قرار الهدم    عاجل : سفارة أمريكا للتوانسة ...ردوا بالكم من التحيل و هذا شنوا لازم تعملوا    البنك المركزي التونسي يُبقي نسبة الفائدة الرئيسية عند 7 بالمائة    أكثر من 60 ميدالية.. تونس تتألّق دوليًا في مسابقة زيت الزيتون الأفروآسيوية    عاجل-يهمّك تعرّف: هذه الأيام البيض لشوال...أحسن وقت للصيام    عاجل: فلكياً هذا موعد ''العيد الكبير''    بين التعزيزات والغيابات .. مستقبل سليمان يواجه التحدي خارج الديار    الرابطة الأولى: الترجي الرياضي يتحمّل نصف الكلفة .. ودعم عملي لمبادرة النجم الساحلي    تونس: 95 مليون دينار لتمويل الشركات الأهلية لدعم الاقتصاد الاجتماعي    عاجل: تعليق الدروس بهذه المنطقة بسبب الوضع الجوّي    المهدية: إيقاف 9 أنفار من بينهم إطار سام بالوظيفة العمومية وعوني أمن    رئيسة المكسيك تعد بافتتاح "تاريخي" لمونديال 2026 في ملعب "أزتيكا"    بعد هايتي... "نسور قرطاج" أمام تحدٍ كندي من العيار الثقيل    عاجل/ جرحى وأضرار في منازل اثر سقوط شظايا اعتراض طائرة مسيرة في الخرج بالسعودية..    يُعتبر الأرخص في ولاية سوسة: أسوام سوق العراوة اليوم    مراعي ومزارع تحت الخطر: وزارة الفلاحة تطلق نداء عاجل    عاجل/ تزامنا مع التقلبات الجوية: مرصد سلامة المرور يحذر مستعملي الطريق..    عاجل/ متابعة لاستهداف ناقلة نفط كويتية في دبي..هذه آخر التطورات..    صادم: القبض على حفيد متّهم بقتل جدته    عاجل : بشرى لمستعملي الطريق... اكتمال مشروع المدخل الجنوبي قبل موفى 2026"    تفتيش أمني مفاجئ للاعبي بلجيكا بعد فوز عريض على أمريكا    توننداكس يقفل معاملات الإثنين متراجعا بنسبة 0،18 بالمائة    الذهب يتجه لأسوأ أداء شهري منذ 17 عاما    أنشيلوتي يؤكد: دانيلو ضمن قائمة البرازيل في مونديال 2026    مجلس وزاري يتخذ قرارات لإصلاح منظومات الصحة والضمان الاجتماعي والتغطية الصحية    صفاقس.. اصطدام قطار نقل بضائع بسيارة    قفصة ...تنظيم الملتقى الجهوي للموسيقى بالوسط المدرسي    حضور تونسي لافت في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية    تونس مسارح العالم: العرض الاسباني "كولوتشي باو" يستحضر مأساة الاستعمار الغربي لأفريقيا    العلم يقول اللي أحكم قراراتك تاخذها في العمر هذا    توزر: اختتام المهرجان الدولي للطائرات الورقية بعد ثلاثة أيام من الورشات والخرجات السياحية    السينما التونسية تتألق دوليا بتتويج ظافر العابدين في مانشستر... فيلم 'صوفيا'    بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب    معركة «هرمجدون» (Armageddon) في الرؤية اليهوديّة    مع الشروق : من موقعة «الجمل» إلى موقعة الصواريخ فرط الصوتية !    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هناك قوى عملت على خصخصة الدين وتحويله إلى رهينة وضربت المشترك بين كلّ التونسيين والتونسيات
الأستاذ شكري بلعيد المنسق العام والناطق الرسمي باسم حركة الوطنيين الديمقراطيين:
نشر في الشعب يوم 24 - 03 - 2012

يأخذ الحوار السياسي مداه الأعمق وتبرز في ترحاله وتنقّلاته محطّات تاريخيّة ومواقف يصعب فصلها عن شخصيّة الفاعل السياسي، مهما التقت أحداث الواقع مهزلة أو تقاطعت وتطوّرت حركة وتواصلا. لذلك، يصبح من الضروري اليوم على المراقبين عامة والمحلّلين السياسيين خاصة أن ينزلوا منظومة الأفكار من نوازعها المطلقة إلى متغيّراتها النسبة وخاصة تمحيص مدى ارتباطها وتماسكها وتفاعلها مع الأهداف المزمع تحقيقها.
والحوار مع الأستاذ شكري بلعيد، يأتي استنطاقًا لمنظومة الفكر المطلقة ولحيثيات الواقع النسبي في سباق حركة التاريخ والمجتمع التي يبدو أنّه قد ظلّ كذات جماعية احدى كروموزومات تحوّلاتها.
والأستاذ شكري بلعيد هو كائن سياسي بامتياز بما تمثّله هذه الكينونة من وعي متقدّم عمّا هو مطلبي مباشر نحو أفق أرحب يطمح إلى ثمانية بدائل تغطّي خصوصية للشعب ولطبيعة الحكم.
• ناضل الوطنيون الديمقراطيون نحوَ أربعة عقود في إطار اللاتنظم القانوني، فهل الثورة انضجت بما فيه الكفاية الشروط الموضوعيةّ للدخول في مرحلة الحزبية؟
ان مسألة التنظم الحربي، لأي تيّار سياسي، هي مسألة مسار ولبنات ومحطّات وارادة وبالنسبة الى الوطنيين الديمقراطيين لم ينقطع فعلهم التنظيمي في يوم من الأيّام، ولكنّه اتخذ أشكالا عدّة وتجارب متنوّعة طغى عليها البعد الخلفي أو القطاعي، وما تطلبته مستلزمات العمل السرّي، غير أنّ المسار الثوري وهم الذين ساهموا فيه بفعالية منذ يومه الأوّل، قد شكّل منعرجًا مهمّا في الانتقال بالحالة التنظيمية من وضعها السرّي القديم إلى وضعها العلني والقانوني، وهم الآن يتقدّمون في اتجاه مرحلة أعلى وأرقى لبناء أداة تنظيمية جامعة لعموم التيار الوطني الديمقراطي ليتحمّل مسؤولياتها بالأساس حركة الوطنيين الديمقراطيين وحزب العمل الوطني الديمقراطي وبمشاركة فعّالة لعديد المجموعات والكوادر من أبناء التيّار.
• هل تعتقدون أنّ حركة الوطنيين الديمقراطيين قد استوفت كلّ مقوّمات بعث حزب فاعل ومؤثّر خلال المرحلة القادمة؟
حركة الوطنيين الديمقراطيين هي جزء من فعاليات بناء حزب كبير لعموم التيّار الوطني الديمقراطي، وهي مكوّن أساسي لهذا المشروع، لذلك أسميناها حركة بما تعنيه من ديناميكيّة فكرية سياسية تنظيمية، وما تفتحه من آفاق إلى الحدّ الذي تنفي فيه نفسها لتساهم في التأسيسي لحالة تنظيمية أشمل وأكبر وأرقى وهو ما نقدّر أنّه سيتجسّد في المؤتمر التأسيسي الموحّد لعموم التيار الوطني الديمقراطي المزمع عقده في الأشهر القادمة.
اذن كما ترى، فحركة الوطنيين الديمقراطيين التي زفّت نفسها رغم قصر المدّة كعنصر الأساسي في المشهد السياسي منذ 14 جانفي إلى الآن، وتميّزت بوضوح الرؤية السياسية وحضور الاقتراح والممارسة الميدانية قد ساهمت وتساهم في توفير الشروط الأساسية لبناء حزب كبير للتيار الوطني الديمقراطي وهي مهمّة لن تتوقّف عند انجاز المؤتمر التأسيسي الموحّد، بل ستتواصل من أجل بناء حزب اليسار الديمقراطي قادر على أن يطرح قضيّة السلطة على جدول أعماله بشكل جدّي ويفتح باب الأمل أمام قوى الشعب لاحداث تغيير جدّي وجذري يكرّس السيادة الوطنية ويحقّق العدالة والتقدّم الاجتماعيين.
• يرى بعض المراقبين أنّ الأستاذ شكري بلعيد تسرّع في تكوين حركة سياسيّة اعتمدت من الناحية التنظيميّة على جيله بالجامعة التونسية، ومن ناحية ثانية أقصت الروّاد والرموز، فما هو رأيكم؟
هذا الرأي مجانب للحقيقة، أوّلا لست المؤسس الوحيد لهذه الحركة، بل كنت من نخبة كان لها شرف المبادرة بالاعلان عن تأسيس الحركة، وثانيا إن الذين بادروا من أجيال مختلفة، فمنهم من هو من مؤسسي التيار الوطني الديمقراطي ومنهم من مازال يعيش حياته الطالبيّة.
ولعلّ الوقوف على الهيئة التأسيسية، يتبيّن حقيقة الأمر، ثمّ انّ رفاقنا روّاد ورموز التيار الوطني الديمقراطي، الذين شكّلوا ملامح تجربتنا، «ذلك انّ التيار الوطني الديمقراطي لا يتوقّف على تجربتنا فقط»، يتواصلون مع الحركة بمستويات مختلفة.
أمّا كعناصر فاعلة صلب هياكلها أو كأصدقاء لها أو كمتحاورين معها. ثمّ انّ طرح بناء حزب للتيّار الوطني الديمقراطي هو في جزء منه فتح المجال أمام كلّ العناصر الوطنية الديمقراطية من مختلف الأجيال والتجارب لتساهم بفعالية في بنائه، غير أنّه لكل مسار ولكل تجربة نخبة تبادر ولقد تحملنا المسؤولية وكان لنا شرف المبادرة.
وتحملنا أمانة حمل هذه الراية في كلّ المهمات وفي أكثرها صعوبة، وهو ما دعانا الى التفاعل مع لحظة تاريخية فارقة لا تسمح بالتردّد أو الارتخاء لأنّ الزمن غير محايد ومن لا يلتقط اللحظة يتجاوزه المسار.
• الأكيد أنّ تاريخ «الوطنيون الديمقراطيون» يزخر بعديد الكفاءات والطاقات من أجيال مختلفة ومن حقوق اجتماعية متنوّعة، هل يعتبر المؤتمر القادم دعوة مفتوحة لهذه الكفاءات والطاقات للالتحاق بالحركة؟
بالنسبة الى حركة الوطنيين الديمقراطيين وحزب العمل الوطني الديمقراطي قد شكّلا لجنة للحوار ستتصّل بكل المناضلين والمناضلات في كلّ التيار الوطني الديمقراطي دون اقصاء شعارنا في ذلك الحزب القادم يتسّع للجميع على قاعدة نتّحد لننتصر.
• هل أن حركة الوطنيين الديمقراطيين لا تزال وفية لأطروحاتها الايديولوجية ومرجعياتها النظرية ورؤيتها لطبيعة المجتمع؟
بالنسبة الى حركة الوطنيين الديمقراطيين فانها تعاطت مع مصدر رئيسي وروافد عدة في بلورة مرجعيتها الفكرية والتراث الذي تستند اليه، حيث اعتمدت وتعتمد الجدل المادي التاريخي أداة ومنهجا، في فهم وتفسير وتحليل الواقع والتاريخ والاشتراكية العلمية نظرية عامة للتغيير الثورة، والثورة الوطنية الديمقراطية نظرية خصوصية لحل التناقضات التي تشق المجتمع التونسي، كل ذلك يتغذى من روافد عدة أهمها تجارب مختلف الشعوب والحركات الثورية والتقدمية على مستوى عالمي مع العلم اننا لا نعتبر اية منها أنموذجا لاننا أصلا ضد فكرة الأنموذج كما الاستفادة النقدية من مختلف حركة التحرر الوطني العربية والاستفادة النقدية من الحركة الوطنية والاجتماعية التونسية وسندها الحركة الاصلاحية من جهة وما راكمه اليسار الجديد من جهة ثانية من مقولات فكرية ومن مواقف سياسية ميزت مسيرته لعل أهمها مركزية المسألة الديمقراطية واعتماد مقولة حقوق الاسنان وخصوصية المساواة أساسا للمواطنة الفاعلة كلها شكلت روافد ننهل منها ونستفيد لاننا نرى أنفسنا ابناء شرعيين لكل هذا المسار.
أما فيما يتعلق ببعض المقولات مثل قراءتنا لطبيعة المجتمع او غيرها، فهي محل تمحيص وقراءة علمية ومراجعة نقدية ينجزها رفاقنا من ذوي الاختصاص.
اذن بايجاز، فاننا في هذا المستوى بالذات مشروع مفتوح على المستقبل يريد بلورة نظرة خصوصية حول الثورة ولا يكون رهينة لقراءة سلفية مغلقة للموروث الثوري.
• لا شك في أن المال السياسي، قد لعب إما دورا مؤثرا وايجابيا للبعض أو دورا محدودا سلبيا للبعض الآخر، ألا يعتبر عداؤكم للنهضة وللحزب الحاكم سابقا من العوامل الأساسية في محدودية النتائج التي أحرزتموها؟
فيما يتعلق بقراءتنا لنتائج انتخابات المجلس التأسيسي وقبل ان نحمّل غيرنا المسؤولية سواء تعلق الامر بالمال السياسي او باستغلال المساجد او توظيف الدين او السيطرة على اعلام... نحن كنا الطرف الوحيد الذي قدم نقده الذاتي وحمل نفسه المسؤولية من ذلك:
اننا قرأنا الواقع الشعبي العام قراءة اختزالية لا تتجاوز الموجة الثورية العالية مجسّدة في القصبة (I) والقصبة (II) ولم نر الوضع العادي بكل تشعباته بما جعل تقديرنا لموازين القوى يكون خاطئا.
في مستوى الخطاب كان خطابنا، بقدر ما احترم طبيعة المهمة في انتخاب مجلس تأسيسي لصياغة دستور جديد، بقدر ما كان هذا الخطاب معزولا عن المزاج العام للجماهير ومتعاليا على وعيه العام بما جعله نخبويا.
عدم ادراكنا لحقيقة موازين القوى السياسية، وهي مسألة تتعلق بكل القوى التقدمية، حيث تقدمنا للانتخابات مشتتين، بل وفي حالة من الاستعداء والاستهداف في عديد الحالات مما أثر سلبا.
هي أول تجربة انتخابية حقيقية خضناها بمنطق التعبئة السياسية وليس بمعنى التعبيئة الانتخابية وما تتطلبله من ضرورة بناء جهاز للدعاية والتحريض وما يتطلبه من امكانات مالية كبيرة ومن خطاب مطمئن يقوم على الوعود ويكون غير استهدافي وغير استفزازي يظهر حقيقة مواقف الحركة خاصة والقوى التقدمية عامة في انها قوة بناء واقتراح وليس قوة احتجاج فقط.
هذا أهم ما قدمنا فيه نقدنا الذاتي وغيره كثير ونأمل ان يشكل منطلقا للتجاوز وتغيير موازين القوى في الواقع مع غيرها من القوى الديمقراطية والتقدمية.
• كنتم من الحركات القريبة من الطبقة الشغيلة، بل من اكثرها دفاعا عنها لكن يبدو أن هذه الطبقة قد خذلتكم، فما هو تسفيركم لذلك؟
هذه الطبقة لم تخذلنا، بل نحن الذين لم نوفق في ايجاد الصيغ والخطاب الذي يمكننا من التواصل معها بشكل دائم وفعال، ذلك ان هذه الطبقة قد ساهمت مساهمة فعالة في المسار الثوري وأغلب الشهداء من ابنائها، وقدمت عطاء جبارا، اذن العيب في عدم كفاية وعي ومبادرة القادة الثوريين كما يقول لينين.
لذلك على القوى الثورية والقوى التقدمية ان تغادر مساحات فعلها الضيق النخبوية لتتواصل بشكل يومي ودائم خارج المناسبات الانتخابية مع هذه الجماهير، ومشاكلها واحتياجاتها وثقافتها السائدة ووعييها المزيف بثقافة الاستبداد والاستلاب.
اذن لنكون محل ثقة الطبقة العاملة وعموم جماهير شعبنا علينا ان نقدم أولا برامج ومقترحات تجيب عن احتياجاتهم الحقيقية، وثانيا بناء قنوات التواصل اليومي الميداني معها في مواطن حضورها.
• لئن لعب الاتحاد العام التونسي للشغل دورا مهما في الثورة، فإن المجتمع الانتخابي لم يصوّت لمن هم أقرب اليه، فما هو تفسيركم لذلك؟
الاتحاد كان الغائب الاكبر في انتخابات 23 اكتوبر، وهو في تقديري خطأ كبير، خاصة ان هذه الانتخابات تتعلق بصياغة دستور سيحدد مستقبل البلاد والاجيال ومن بينها مستقبل عموم الاجراء.
والانتخابات لا يمكن ان تتم طبقا للقرب او البعد من الاتحاد العام التونسي للشغل، بل تتم من خلال نوعية البرامج وآلية التواصل مع الناخبين وهي من عناصر القوة للاتحاد التي لم تستثمر خاصة ان الاتحاد حاضن لكل القوى من جهة ولعب دورا رياديا في المسار الثوري من جهة ثانية وتلازم البعد الاجتماعي مع البعد الوطني عامة في مسيرة نضاله ثالثا.
وهذا ما يتطلب في تقديري من النقابيين البحث عن الصيغ التي تضمن حضورهم في المؤسسات الدستورية للدولة مع حفظ استقلاليتهم، مع العلم ان ذلك ما عاشته عديد الدول والشعوب.
• على هامش اشغال المؤتمر العادي الحادي والعشرين للاتحاد العام التونسي للشغل ودخلتم في سجال مع حزب العمال الشيوعي التونسي، هل ترون ان هذا الجدال يضر بالحركة التقدمية في بلادنا أم يدفعها الى تصحيح أخطائها؟
هذا جدال من جانب واحد، طرحه رفاقنا في حزب العمال الشيوعي التونسي، وكنا نود لو انه لم يتم لانه مغلوط بالاساس وفيه اساءة مزدوجة للقوى التقدمية وللحركة النقابية، حيث اننا كحركة كنا ومازلنا بقدر مساندتها ودفاعنا عن الاتحاد بقدر احترامنا لاستقلاليته الضامن الحقيقي لديمقراطيته الداخلية، كان على رفاقنا في حزب العمال التريث وعدم الدخول في ردود فعل متشنجة لا يستفيد منها الا أعداء اليسار وأعداء الاتحاد.
• ما هو المطروح في نظركم على الحركات التقدمية و «الحداثية» في المستقبل القريب وفي ظل حكم حركة النهضة؟
أولا، أنا لا أفضل استعمال مفهوم القوى الحداثية ذلك انه مفهوم مرتبط بالبنية الثقافية الفرنسية وله دلالات ليبيرالية، قد تغالط وتخاتل فهمنا لمجريات الصراع الاجتماعي في اي بلد.
وعليه أفضل استعمال مفهوم «التنويرية» أما في ما يتعلق بالسؤال، فان المطروح على القوى التقدمية والديمقراطية والتنويرية في ظل حكومة النهضة او في غيرها هو:
بلورة برنامج الحد الادنى الديمقراطي الذي يستجيب لتطلعات الشعب في بناء الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية والذي يقطع نهائيا مع مقومات نظام الاستبداد والفساد.
بناء جبهة سياسية واسعة ديمقراطية تكون كافية لبناء كتلة تاريخية اقتراحية ومبادرة تطرح نفسها قيادة للتحالف الشعبي الواسع وبديلا حقيقيا وواقعيا لقوى الردة والتقهقر والرجعية.
اذن على القوى التقدمية والديمقراطية والتنويرية ان تطاول المرحلة ولا شيء ينقصها، فلها من النساء والرجال ومن الكوادر والكفاءات ومن خبرة الدربة ومن التجربة والرصيد، ما يجعلها أقوى قوة في البلاد على شرط توفر ارادة الالتقاء وارادة البناء وارادة التقدم.
فنحن في مرحلة مفصلية يتم فيها الفرز بين مشروعين:
مشروع ديمقراطي ذي اساس اجتماعي.
مشروع استبدادي كلياني معادٍ للوطن والشعب.
• ظلت فكرة توحيد اليسار طوباوية امام حالة الانقسام والتشرذم والزعاماتية التي سكنت نفوس بعض قياداتها، فهل مازلتم مع هذه الفكرة أم أنكم قد صرفتم النظر عنها؟
ان مسألة وحدة اليسار وجب ان ينظر اليها الآن من مداخل عديدة فوحدة اليسار لا يعني ان يكون في حزب واحد بل يجب ان تتم في اطار بناء البرنامج الواحد وهو شيء يسير يمكن انجازه.
ووحدة اليسار يمكن ان تتم في جبهة واحدة على قاعدة ذلك البرنامج. وساعتها يتحوّل إلى قوة اساسية وصمام أمام لاي جبهة، وطنية واسعة بل لعموم المسار الثوري.
وهو طموحنا ونسعى الى انجازه مع غيرنا من القوى السياسية السيارة.
أما في خصوص مسألة الزعاماتية فهي تحيلني مباشرة على ثقافة الاستبداد، ذلك انه لا يمكننا النضال من اجل الديمقراطية الا بتنظيمات ديمقراطية وبقيادات ديمقراطية اساسها القيادة الجماعية التي لا تتناقض مطلقا مع وجود قادة وزعماء منصهرين في آليات القيادة الجماعية.
لذلك متى توفرت ارادة السياسة الصادقة يمكن بناء جبهة يسارية فاعلة.
• بينت نتائج الانتخابات أن الدين لم يكن انعكاسا واهما في أدمغة البشر بل إن الفكرالمادي هو الوهم الذي سكن في أدمغة اليسار حول الواقع المادي والاجتماعي؟
المسألة ليست مجرّد اطروحة فكرية بقدر ما ان المقولة الفكرية متى تغلغلت في اذهان الناس تحوّلت الى قوّة مادية.
الاسلام شكْل يُعتبر مقوّما مركزيا للشخصية الوطنية التونسية وعليه فإنّه يعتبر بهذا المعنى اهم واقعة مادية في حياة شعب تونس.
• المسألة اذن: كيف تمّ استثمار هذا المعطى؟
هناك قوى عملت على خوصصة الدين وتحويله الى رهينة لديها وضربت المشترك بين التونسيين والتونسيات في سبيل تحقيق نتائج انتخابية مباشرة، متناسية ان ذلك شكل يعتبر مدخلا الى ضرب الانسجام الاجتماعي للتونسيين وضربا لوحده كيانهم وهو ما نراه اليوم من هجمة سلفية تجد غطاء سياسيا من حزب الحكومة المؤقتة مرّة معلنا ومرات بتواطؤ صامت كما شكل مدخلا الى ضرب التوافق والاجتماع وذلك بفرض قراءة خاصة للاسلام، هي في حقيقتها قراءة بشرية لا تختلف عن غيرها من القراءات زاعمة انها القراءة الوحيدة لابسة لباس الالهي بما أدّى الى افساد السياسة وتدنيس الدين وخسارة المجتمع.
وعليه، فإن طرح المسألة الدينية وعلاقة المجتمع به وجب ان تتم في اطار فصل الدين عن السياسي وتحرير الدين من التوظيف الحزبي واشراق الدولة على دور العبادة وضمان حيادها واعتبار القائمين عليها بمثابة الموظفين العموميين المحمول عليهم الحياد امام الفرقاء السياسيين.
• لم يقدر اليسار في امريكا الجنوبية ولوج أبواب السلطة الا عندما تحوّل في طرحه من الاشتراكية العلمية إلى الديمقراطية الاجتماعية، فهل ستستأنسون بمثل هذه التجارب كقوة يسارية؟
هذا السؤال انبنى على استنتاج اطلاقي لا أشاطره.
ففي تقديري، ان تجربة امريكا الجنوبية، تجربة ثرية انبت على اجراء مصالحات تاريخية كبرى أهمّها:
مصالحة بين الاشتراكية والبناء الديمقراطي لمؤسسات الدولة.
مصالحة القوي الثورية مع ثقافة الشعب من خلال ما اصطلح على تسميته بلاهوت التحرّر وعزل الرجعية الكنسية التقليدية.
المصالحة بين النخب في رسم علاقاتها مع الولايات المتحدة الامريكية، حيث زاوجوا بين مواجهتها بشكل مباشر أو عبر بناء تحالفات واسعة شكلت متنفسا لهم.
كما بنوا مصالحة كبري مع المؤسسة العسكرية خاصة فى البرازيل وتشيلي بحيث حيدوا القوى الرجعية فيها في خوطة أولى وأبعدوها في خطوة ثانية.
كل هذه التسويات هي تعبير عن مرحلة انتقالية، فيها مزاوجة بين متطلبات الصراع وموازين القوى، ومرحلة الاهداف المراد انجازها.
ونحن في تونس مطالبون اليوم بالتفكير الجدّي في احداث مصالحات او تسويات تاريخية ترتبط بهذه المرحلة الانتقالية تسوية في علاقة بما أسماه قرامشي «بالاصلاح الثقافي والاخلاقي للمجتمع والدولة» اي توطين قيم الحرية والتقدّم وعموم القيم الكونية داخل ثقافتنا الوطنية.
تسوية سياسية ايضا بين كل الفاعلين السياسيين تقطع مع ثقافة «الاحتراب» والتشفي والانتقام والغلب وترسي قيدًا سياسيا أساسه آليات مدنية سلمية في ادارة الاختلاف والتعدّد بين كلّ الفرقاء.
تسوية تاريخية في ابعاد المشترك من حيث الصراع والتنافس والتوظيف وخاصة الدين والادارة والمؤسسة التربوية والمؤسسة العسكرية.
وجب ان تكون مشتركا بين كل التونسيين والتونسييات وخارج مجال الاستقطاب والصراع.
ووجب اجراء تسوية تاريخية تتعلق بنمط منوال التنمية الواجب اتباعه فتونس بلد صغير وامكانياته محدودة لذلك وجب بلورة حوار وطني جدّي بعيدًا عن خطاب التعبئة الانتخابية لصياغة مقوّمات اساسية لمنوال تنمية عادل في اسس اجتماعية يراكم الثورة ويحدّد آليات توزيعها بشكل متوازن.
ثم تسوية تاريخية في تحديد الاطار العام لعلاقات تونس الدولية طبقا لأولويات تحفظ، بل وتكرس السيادة الوطنية.
ان اجراء هذه التسويات في تقديري، هو المخرج الحقيقي في بناء تونس الجديدة يكون فيها لقوى الحرية والتقدّم ولقوى اليسار دورًا مهمّا ورافعة أساسية وبديلا قائما، ذلك أن المهم في الحياة الديمقراطية هو كيف نستطيع ان نقدم قوّة وبديلا جدّيين في أعين الشعب يمكنهما ان يشكلا أساسا للتداول على السلطة ويفتحان باب الامل ضد كل انواع الطغيان والاستبداد بما في ذلك الاستبداد الديمقراطي القاڈئم على كيان كبير وكيانات «قزمية» تتحوّل ضرورة الى ديكور.
فالديمقراطية الحقيقية تتطلب كيانات سياسية حقيقية في الحكم والمعارضة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.