حالة الطقس ليوم الأحد 20 جانفي 2019    حالات من الحصبة في قسم الاطفال بصفاقس والمدير الجهوي للصحة يوضّح    ماذا قرأ التوانسة ...وماهي الكتب الأكثر مبيعا في سنة 2018‎ ؟    روني الطرابلسي : 2019 ستكون سنة إقلاع القطاع السياحي    صفاقس :كل حيثيات إيقاف “ولية” على خلفية تهجمها على مربي ونعته بعبارات عنصرية    "بئر الحفي تقرأ" تنشط المدينة                                    تفاصيل جديدة حول مقتل طالبة فلسطينية في أستراليا    في لقاء إخباري بباجة حول قضية "الجهاز السري"..دعوة لإسناد شعبي لهيئة الدفاع عن الشهيدين البراهمي وبلعيد    حجز ذخيرة ومسدس ببنزرت    تونس تحتل المرتبة الاولى مغاربيا في مؤشر التجارة الالكترونية بين المؤسسة والمستهلك    توقيع اتفاقية تعاون ثنائي بالأحرف الأولى في الطيران المدني بين تونس ونيجيريا    عبير موسي: سنحتفل بمائوية الحزب الدستوري ونحن في الحكم    لسعد اليعقوبي: المفاوضات الإجتماعية في الوظيفة العمومية لم تناقش الملف التربوي    صفاقس: إصابة مواطنين في منزل شاكر من طلقات بنادق صيد أطلقها عليهما منحرفون مختصون في سرقة المواشي    قطر الخيرية تقدم مساعدات ب 300 ألف دولار لعدد من الولايات التونسية    السليطي: إصدار 3 بطاقات إيداع بالسجن في حق محتفظ بهم إثر العملية الأمنية الإستباقية بسيدي بوزيد    الطبوبي: الاتحاد يدافع اليوم عن السيادة الوطنية وعن استقلالية القرار الوطني وعن ارتهان تونس لصندوق النقد الدولي    مدينة العلوم بتونس تنظم سهرة فلكية لمتابعة الخسوف الكلي للقمر فجر الاثنين    زيت الزيتون التونسي يحتل صدارة المبيعات في كندا    أكَّدت أنَّ أصحاب برج "الدلو" أغنياء ومشاهير..دراسة حديثه تكشف علاقة شهر ميلادك بمهنتك    حمام سوسة: ايقاف اجنبيين وحجز أدوية اعصاب بحوزتهما معدة للتهريب    جربة – مدنين :حجز 31870 علبة سيجارة مهربة من مختلف الأنواع    لماذا يلبس ترامب ربطات عنق طويلة جدا؟    الجامعة الوطنية للنقل تقرر تعليق إضراب 21 جانفي لوكلاء العبور في الموانئ التجارية    6 الاف تذكرة لجماهير البنزرتي في مواجهة الترجي    مقابل 100 ألف دولار للإفريقي..بلخيثر يصل السعودية للتوقيع للقادسيّة    سما المصري: "الصحافة تحت أقدامي.. موتوا بغيظكم"    سمير الطيب: الاستراتيجية الوطنية لتنمية القوارص ستنطلق سنة 2020    فيلم "بورتو فارينا" لإبراهيم اللطيف.. كوميديا تراجيدية حول الثقافة المجتمعية في تونس    كمال بن خليل ل"الصباح نيوز" : هذه العقوبات التي تنتظر الاسماعيلي..وكان بإمكان هيئة الإفريقي الاحتراز على الحكم    قرعة كأس إسبانيا: مواجهة صعبة لبرشلونة وسهلة لريال مدريد    في الحب والمال: هذا ما يخفيه لكم حظكم اليوم    البنك الوطني الفلاحي : الناتج البنكي يتطور وزيادة في ودائع الحرفاء    مصطفى الدلّاجي: أغنيتي الجديدة موجّهة للسبسي    البرلمان الألماني يصنف تونس "بلدا آمنا"    خسائر هائلة    صفاقس:استغلا حادث المرور لسرقة المصابين    السينما    مايا دياب تهاجم وائل كفوري: "ما زلت بدائياً"    قراءات أدبية وعروض فنية من الزريبة إلى الفحص:ليلة القراءة بزغوان    أوروبا: برنامج أبرز مباريات السبت    صورة لابن سلمان ب"تحدي العشر سنوات" تشعل مواقع التواصل    خسوف كلي    أولا وأخيرا:الأنياب والنوّاب    رسالة ليبيا:الجيش يصطاد رؤوس الإرهاب في الجنوب    خبيرالشروق .. تشحم الكبد: من الكبد الزيتي والتليّف إلى سرطان الكبد، الوقاية والعلاج الطبيعي(17)    الحمل الضعيف... مشكلة دقيقة تتطلب الحذر!    فوائد اليوغا الهوائية    حظك اليوم    لصحتك : 4 علاجات منزلية للتخلص من آلام الحلق    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تضحيات النقابيين ودماؤهم تعبّد طريق ثورة الحرّية والكرامة
أحداث 26 جانفي 1978 في سياقها التاريخي: أبرز المنعرجات في تاريخ الاتحاد الحديث: وقائع السبعينات.. مؤتمر قفصة..عاشور واليسار.. النقابات الصفراء .. ونقابة الشرفاء..
نشر في الشعب يوم 26 - 01 - 2013

يصعب في مقال صحافي أن نحيط بكل الملفّات والأزمات والمحن التي تعرّض لها الاتحاد العام التونسي للشغل، على امتداد عشريات النظام البورقيبي منذ أواسط الستّينات عندما تمّ الزجّ بالرّاحل الحبيب عاشور في السجن بعد تنحيته من على رأس الاتحاد في قضية كيدية مفبركة وملفقة، بعدما وجهت إليه تهمة « الإهمال إثر احتراق البطاح يوم 7 جوان 1965 بجزيرة قرقنة واكتشاف مخالفات قانونية تتعلق بتأمين الباخرة المتضرّرة، وستكون لنا عودة إلى ملابسات الستّينات في فرصة لاحقة. في هذه الحلقة سنحاول وضع حوادث 26 جانفي 1978 في سياقها التاريخي..
وقائع السبعينات
ننطلق من سنة 1970 بعدما طُويت صفحة التعاضد، وكان النظام البورقيبي يسعى إلى تطويق الأزمة الشاملة في البلاد، ولم يكن له من مفرّ سوى إعادة الاعتبار إلى الاتحاد وقيادته. فعاد الحبيب عاشور إلى الواجهة السياسية بتعيينه في اللجنة العليا التي حلّت محلّ الديوان السياسي للحزب الاشتراكي الدستوري يوم 5 جوان 1970، وعاد عاشور أيضا إلى الديوان السياسي في المؤتمر الثامن للحزب (المنستير 10 15 أكتوبر 1970)، وهو المؤتمر الأوّل الذي تسنّى عقده بعد مؤتمر 1964، كما استعاد عاشور نيابته في مجلس الأمّة إثر انتخابات 3 نوفمبر 1974 التشريعية.
وكان الاتحاد عقد يوم 29 ماي 1970 مؤتمرا استثنائيا تحت شعر « وحدة صماء وأخوّة صادقة»، وانتخب عاشور بإجماع المؤتمرين أمينا عاما، ثمّ عقد الاتحاد مؤتمره الثالث عشر في موفى مارس 1973 وانتخب أيضا عاشور أمينا عاما بالإجماع. وصادق المؤتمر على توصية تقضي بصورة استثنائية باعتبار فرحات الدشراوي عضوا بالمكتب التنفيذي في حالة مكلف بمهمّة حكومية.
مؤتمر 1977
وفي أواسط السبعينات وتحديدا أيام 24 25 26 مارس 1977، عقد الاتحاد أحد أهم مؤتمراته هو المؤتمر الرّابع عشر تحت شعار «حرّية وتقدم»، وتكمن أهميّة ذلك المؤتمر في النفس الجديد والقيادات الشابة التي أدخلها عاشور ضمن المكتب التنفيذي الوطني نذكر منهم خاصة الطيب البكوش. وكان ذلك المؤتمر بداية المواجهة الصامتة بين المنظمة الشغيلة وحكومة الهادي نويرة..
وحلّل عاشور في افتتاح المؤتمر ما يرمز إليه شعار «حرّية وتقدّم» من دلالات قائلا: «إنه ليس من باب الصدفة اختيار هذا الشعر، فهو يرمز إلى مرحلتين مصيريتين في كفاحنا ماضيا وحاضرا ومستقبلا، فالمرحلة الأولى من كفاحنا كانت غايتها الحرّية والاستقلال وهي التي ساهم الاتحاد العام التونسي للشغل في تحقيقها بقيادة الشهيد فرحات حشاد مساهمة وافرة سجّلها التاريخ ولن تمحى.. أمّا في مجال معركة التقدّم والرّقي من أجل الغد الأفضل وتحقيق العدالة الاجتماعية، فقد ساهم ويساهم الاتحاد مساهمة فعّالة ومثمرة في شتّى الميادين الاجتماعية والاقتصادية. إذ حققنا بداية من سنة 1958 العديد من المشاريع الاقتصادية والاجتماعية نذكر منها تعاضديات الإنتاج البحري وتعاضديات الاستهلاك والخدمات والإسكان والمطبعة والتأمين ونزل أميلكار وبنك الشعب وغيرها، ثمّ مرّت بنا فترة صعبة سجّلت فيها أزمات وتعثّرات معروفة لدى الجميع، حتى حلّت سنة 1970 التي استرجع فيها الاتحاد نشاطه وقوّته. ومنذ ذلك التاريخ يواصل الاتحاد نشاطه بكل جدّ وحماس مع كل القوى الحيّة الواعية ومع الحكومة ووزيرها الأوّل الأخ الهادي نويرة»..
وكانت حكومة نويرة رسمت سياسة اجتماعية تعاقدية من خلال إبرام اتفاقية إطارية بين الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية.
واتسم النصف الثاني من السبعينات بالتوتّر الاجتماعي حتّى تفجّرت الأوضاع يوم 26 جانفي 1978 أو الخميس الأسود، وانتهت تلك الحوادث الدّامية الأليمة بتفكّك الاتحاد العام التونسي للشغل ومثول قيادته أمام محكمة أمن الدولة في إحدى أكبر المحاكمات التي عرفتها البلاد.
وكانت أشدّ عقوبة قد سلّطت على عاشور(10 سنوات أشغال شاقة). أمّا بعض من نجوا من تلك المحاكمة، فقد وجدوا أنفسهم منساقين في تلك المساعي اليائسة لإيجاد قيادة بديلة تمسك بزمام الاتحاد.
لجنة نور الدين حشاد ومؤتمر قفصة
بعد شهر فقد من حوادث 26 جانفي 1978 انعقد فيما بين 24 و25 فيفري 1978 مؤتمر استثنائي تحت شعار«الوضوح والنزاهة»، أفرز قيادة جديدة على رأسها التيجاني عبيد..
كانت البلاد بصدد تضميد جراحها، عندما داهمتها حوادث قفصة في بداية الثمانينات. فكيف كانت انعكاساتها على الساحة النقابية؟.
غداة حادثة قفصة (26 جانفي 1980) تبلور الاتجاه نحو عقد مؤتمر استثنائي للاتحاد العام التونسي للشغل لتجاوز مخلفات تلك الحادثة، لكن على أساس تغييب الحبيب عاشور. فقد صرّح آنذاك الوزير الأوّل محمد مزالي اثر استقباله يوم 3 أفريل 1981 من قبل الرئيس الحبيب بورقيبة :«ذكّر السيد الرئيس بتعليماته الواضحة في خصوص عدم السماح للحبيب عاشور بالترشح للكتابة العامة للاتحاد نظرا إلى أنه محكوم عليه بعشرة أعوام أشغالا شاقة لا لأسباب نقابية بل لأسباب سياسية وقانونية»..
في الأثناء تمّ تشكيل لجنة وطنية نقابية برئاسة نور الدين حشاد تعوّض الهياكل الوطنية المسيّرة للاتحاد طبقا لما نصّت عليه لائحة 21 سبتمبر 1980 للسير بالاتحاد بخطى ثابتة نحو مؤتمره الخارق للعادة الذي تقرّر عقده يومي 29 و30 أفريل 1981 بمدينة قفصة. وبذل المساعي لرفع التضييفات عمّن تبقّى من النقابيين وهما الأخوان الحبيب عاشور وصالح برور اللذان لم تشملهما بعد إجراءات العفو لاسترجاع حقوقهما المدنية. وانعقد مؤتمر قفصة في جوّ صاخب لانقسام المؤتمرين حول مسألة رفع الاستثناء عن الحبيب عاشور، وأمكن لرئيس المؤتمر نور الدين حشاد أن يقرّب بين المواقف والحسم في المسألة بمصادقة المؤتمر على لائحة تلزم المكتب التنفيذي الجديد بأن يعمل بحزم لرفع التضييفات والاستثناء..
وأعلن فجر غرّة ماي 1981 من نتائج توزيع المسؤوليات بين أعضاء المكتب التنفيذي الجديد:
الطيب البكوش أمينا عاما
خير الدين الصالحي أمينا عاما مساعدا مكلفا بالنظام الداخلي والمسائل الاجتماعية
عبد العزيز بوراوي أمينا عاما مساعدا مكلّفا بالمالية والإدارة
عبد الرزّاق غربال أمينا عاما مساعدا مكلّفا بالتشريع والتوجيه
خليفة عبيد أمينا عاما مساعدا مكلّفا بالتكوين النقابي
الصادق علوش أمينا عاما مساعدا مكلفا بالعلاقات الخارجية
الصادق بسباس أمينا عاما مساعدا مكلّفا بالإعلام والعلاقات مع المنظمات الوطنية
ناجي الشعري أمينا عاما مساعدا مكلّفا بالدراسات الاجتماعية والاقتصادية
مصطفى الغربي أمينا عاما مساعدا مكلّفا بالشركات والدواوين
- حسين بن قدّور أمينا عاما مساعدا مكلّفا بالعلاقات العربية
الحبيب بن عاشور أمينا عاما مساعدا مكلّفا بالفلاحة و العمال المهاجرين
عبد الحميد بلعيد أمينا عاما مساعدا مكلّف بمحيط العمل.
ولم تم تنقض سنة عن مؤتمر قفصة حتّى عاد عاشور إلى الساحة النقابية رئيسا للاتحاد، في خطّة أحدثت آنذاك خصيصا للخروج من المأزق.
النقابات الصفراء
كانت الأوضاع العامة في البلاد تزداد تعقيدا سنة بعد سنة، وكان لذلك انعكاساته على الساحة النقابية، فطفت على السطح أزمة جديدة في صلب قيادة الاتحاد عند إزاحة سبعة من أعضاء المكتب التنفيذي، وهو ما كان يعرف بقضية «السبعة». وأعلن المبعدون من المكتب التنفيذي في بلاغ صحافي أصدروه يوم 19 فيفري 1984 عن بعث منظمة شغيلة جديدة، هو الاتحاد الوطني التونسي للشغل في ظرف كانت فيه البلاد تعيش على وقع مخلفات انتفاضة الخبز يوم 3 جانفي 1984.
وعقد عبد العزيز بوراوي يوم 20 فيفري 1984 ندوة صحافية جاء فيها «نعقد هذه الندوة بعد أن عقدنا قبلها يوم 29 نوفمبر 1983 ندة غداة رفت السبعة من الاتحاد العام التونسي للشغل. أمّا اليوم فنعقد هذه الندوة للإعلان عن بعث المنظمة النقابية الجديدة..
ضمت تركيبة المكتب التنفيذي للاتحاد الوطني كلاّ من
عبد العزيز بوراوي كاتبا عاما
خير الدين الصالحي كاتبا عاما مساعدا مكلفا بالهيكلة
حسن حمّودية كاتبا عاما مساعدا مكلّفا بالمالية
مصطفى الغربي كاتبا عاما مساعدا مكلفا بالوظيفة والمؤسسات العمومية
ناجي الشعري كاتبا عاما مساعدا مكلفا بالعلاقات العربية والدولية
عبد الرزاق غربال كاتبا عاما مساعدا مكلّفا بالدراسات والتشريع
الصادق بسباس كاتبا عاما مساعدا مكلّفا بالإعلام
عاشور واليسار النقابي
أزمة داخلية أخرى عاشها الاتحاد العام التونسي للشغل في أواسط الثمانينات وتحديدا بداية من 1985، عندما دخل عاشور في صراع مع ما كان يسمى بجناح اليسار في صلب المنظمة الشغيلة. وظهر ذلك علنا عند تعويض الطيب البكوش بكمال سعد في مسؤولية الإعلام في المكتب التنفيذي إثر صدور مقال في جريدة «الشعب» يوم 10 ماي 1985 فيه إقرار صريح بجنوح المنظمة الشغيلة نحو التصعيد «بوادر تصلّب واضحة من قبل السلطة»، وبادر الاتحاد بسحب الجريدة من السوق بعد توزيعها. وتعود خلفيات ذلك الصراع إلى مؤتمر قفصة الذي كان عاشور يعتبره من «تنظيم الوزير الأوّل آنذاك» بينما كان البكوش يردّد: « من يطعن في مؤتمر قفصة، فقد يطعن في قراراته ونتائجه بما في ذلك المجلس الوطني الذي رفع الاستثناء عن عاشور»..
في ظلّ تلك الانقسامات كانت الخطب والتعاليق الرسمية تشير بأصابع الاتهام إلى من اصطلح على تسميتهم ب « بعض قياديي الاتحاد » والمقصود الحبيب عاشور وعبد السلام جراد ومن كانوا محسوبين معهما في نفس الشقّ.
كان عبد السلام جراد مسؤولا عن النظام الداخلي، وبصفته تلك صدرت عنه مراسلات إلى الإطارات النقابية التي كانت تريد خوض الانتخابات البلدية، بأنه « طبقا لإحدى لوائح الهيئة الإدارية، فإنّ المشاركة في تلك الانتخابات لا تلزم الاتحاد في شيء »، داعيا إلى الانضباط والتقيّد بمقررات الاتحاد.
واتخذت الحملة على « بعض قياديي الاتحاد » وتيرة متصاعدة لتنتهي بالمطالبة بإزاحة عاشور وجراد بالخصوص من قيادة الاتحاد. وكان عاشور يردّد في تصريحاته بأنّ النقابيين وحدهم هم الذين بإمكانهم أن يطلبوا ذلك وأن يطلبوا منّي البقاء أو الانسحاب ».
في خريف 1985، كان يخيّم على البلاد جوّ ثقيل، وجاءت الغارة الإسرائيلية على حمام الشط لتغرق التونسيين في كابوس من الحيرة والانشغال. وإزاء تصاعد المواقف تشكلت لجنة مصالحة (حمودة بن سلامة، مصطفى الفيلالي، الحبيب بولعراس، الشاذلي العياري)، ولم تطل جهود الوساطة أكثر من أسبوع بعدما تراءى لأعضاء اللجنة أن «عاشور غير مستعدّ لأدنى تنازل »..
نقابة الشرفاء
في الأثناء جيء إلى الساحة النقابية بمن اصطلح على تسميتهم ب «الشرفاء» لتعويض القادة النقابية مركزيا وجهويا. وقد سمّوا كذلك لكثرة ما كان الوزير الأوّل محمّد مزالي يصفهم في خطبه بالشرفاء تمجيدا لهم. وفي محاولة من الاتحاد لفكّ الأزمة تولى الصادق علوش الأمانة العامة للاتحاد بالنيابة. بعدما قرّر «الشرفاء» في أواخر نوفمبر 1985رفت الحبيب عاشور رفتا باتا لا رحمة فيه من كل هياكل ونشاطات الاتحاد والتصدّي بكل حزم لكل من تحدّثه نفسه بالتعامل معه وتكوين مكتب قومي للتنسيق بين الاتحادات الجهوية والهياكل النقابية لعقد مؤتمر استثنائي تصحيحي».
وقد وجد المكتب التنفيذي للاتحاد نفسه أمام خيارين اثنين، إمّا الاستجابة لشروط الشرفاء المتزايدة ومنها «إدانة عاشور، إدانة صريحة» والدخول معهم في مؤتمر استثنائي وإمّا عدم الاستجابة.
وكان قرار المكتب التنفيذي الموسّع للاتحاد بتعيين الصادق علوش أمينا عاما بالنيابة، قد قوبل بالرفض من قبل القواعد والهياكل معتبرة ذلك «تنازلا خطيرا».
كان الاعتقاد السائد في البداية أنّ ذلك التنازل قد يفكّ الأزمة ويكون منطلقا لانسحاب «الشرفاء» من الساحة، غير أنّ هؤلاء عقدوا هيئة إدارية «أيام 3، 4 و5 ديسمبر1985 أعلنوا إثرها أنّ «انتخاب الأخ الصادق علوش أمينا عاما للاتحاد خطوة مشعة، وقرار المكتب التنفيذي بإعفاء عاشور من الأمانة العامة خطوة أولى غير كافية وأنّه لا بدّ من تطهير الاتحاد من عاشور وأمثاله».
وفي آخر يوم من سنة 1985 مثل عاشور رفقة ستّة عشر متهما من بينهم عدد كبير من النقابيين أمام المحكمة الابتدائية بصفاقس في القضية التي عرفت بقضية التعاضدية العمّالية للإنتاج «كوسوب»، ولم تقف التعقيدات عند ذلك الحدّ، إذ تزامنت الذكرى الأربعون لتأسيس الاتحاد (20 جانفي1986) مع استيلاء «الشرفاء» على مقرّات المركزية النقابية والسيّارات التي كانت على ذمّة إطارات المنظمة في عملية مداهمة نفّذها «الشرفاء» فجرا... وانقطع الأمل في فكّ الأزمة وأعلن أعضاء المكتب التنفيذي الشرعي في بلاغ أصدروه في غرّة فيفري 1986»تمسّكهم بشرعية المكتب التنفيذي وشرعية جميع هياكل الاتحاد المنتخبة وطنيا وجهويا ومحليا بما فيها الزعيم حبيب عاشور ومواصلة تحمّل مسؤولياتهم وطنيا ودوليا طبقا لقوانين الاتحاد وقوانين البلاد..
كما أعلن الاتحاد تراجعه عن تعيين الصادق علوش أمينا عاما بالنيابة. كما رفض النقابيون بقاء الصادق علوش على رأس الاتحاد وطالبوا بتنحيته فورا وهو ماتم بالفعل بعد ايام قليلة وكان هناك إصرار على استبدال قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل، وخاصة الحبيب عاشور ومن ظلّوا معه أوفياء بقيادة أخرى تحت غطاء «توحيد الصفّ النقابي». في غياب القيادة الشرعية للاتحاد العام التونسي للشغل،، انعقد في موفى أفريل 1986 مؤتمر تصحيحي بين المكتب القومي للتنسيق (الشرفاء) والاتحاد الوطني للشغل. وأفرز ذلك المؤتمر قيادة موحّدة ضمّت عن الاتحاد الوطني كلاّ من عبد العزيز بوراوي في خطة رئيس الاتحاد وخير الدين الصالحي في خطة أمين عام مساعد وحسن حمودية في خطّة مكلف بالنظام الداخلي ومصطفى الغربي وعبد الرزاق غربال والصادق بسباس وعبد العزيز الذوّادي والمولدي شويخة وعبد الحميد بن حمدة ومحمد الكافي العمري والبشير المبروك وسعيد الحدّاد والهادي موحة وعبد المجيد خليل (أعضاء)..
ومن جانب «المكتب القومي للتنسيق (الشرفاء) « اسماعيل الآجري في خطة أمين عام وعلي الأشعل (أمينا عاما مساعدا) وعبد الستّار الشنّاوي (مكلفا بالمالية) والطيّب منصور وحامد الدبّابي، المنصف قمر، بلقاسم الحمايدي، علي السميري، محمد التبّاسي، محمد العليمي، محمد دريبك وحامد رويس (أعضاء).
وتشكّل مكتب مضيّق أوكلت إليه مهمّة الإعداد للمؤتمر الاستثنائي الذي حدّد موعده ليوم 20 جانفي 1987 (عبد العزيز بوراوي، إسماعيل الآجري ، حسن حمّودية، علي الأشعل، خير الدين الصالحي، عبد الستّار الشنّاوي).
وحصل يوم 19 ديسمبر 1986 تغيير في هذه التركيبة المنبثقة عن «المؤتمر التصحيحي» بانضمام حساسيات نقابية أخرى بمن في ذلك بعض قياديي الاتحاد العام لخوض المؤتمر الاستثنائي الذي عرف بمؤتمر «عودة الدرّ إلى معدنه». انعقد ذلك المؤتمر تزامنا مع الذكرى الحادية والأربعين لتأسيس الاتحاد «تتويجا لمراحل توحيدية قيادية وقاعدية، فتحققت وحدة الصفّ والقلوب ورجع الدرّ إلى معدنه» مثلما جاء في الكلمة الترحيبية التي ألقاها عبد العزيز بوراوي الذي انتخب أمينا عاما. وبذلك أسدل السّتار على حقبة الثمانينات وعن حقبة من تاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل وقيادييه المنحدرين بدرجات متفاوتة من جيل الأوائل المؤسسين...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.