برلمان تركيا يستعد لإقرار اتفاق على تقديم دعم عسكري لحكومة فائز السراج    تونس : قائمة لاعبي النادي الإفريقي لكلاسيكو النادي الصفاقسي و التشكيلة المنتظرة    مونديال الأندية : معين الشعباني يشرح أسباب الإنسحاب أمام الهلال السعودي    تنطلق اليوم بصفاقس...حملة وطنية لترغيب اليد العاملة في جمع الزيتون    اتحاد الشغل يساند جمعية النساء الديمقراطيات في مواجهة "الحملة القذرة" التي تشن ضدها    سليانة: القبض على عنصر تكفيري مفتش عنه    إضرابات تشل فرنسا قبيل احتفالات أعياء الميلاد    إجلاء 54 ألفا من مدينة إيطالية لنزع فتيل قنبلة من الحرب العالمية الثانية    مساجد جربة: ارث اسلامي فريد يحتاج الى الصيانة والتثمين حتى يكون قبلة للسياح والزائرين    مسار تشكيل حكومة متعثر في تونس واقتصاد ينتظر حلولا    الحرس الديواني بتوزر يحجز 6664 حبة دواء مخدر    أثبتت أنّ “الجمال ليس فقط أوروبيًّا”.. سمراء تفوز بلقب ملكة جمال العالم    سفارة ليبيا في القاهرة تعلّق أعمالها.. حتّى إشعار آخر    اصابة عضلية تبعد المهاجم ابو بكر تراوري عن تشكيلة السي ابي في مواجهة اليوم أمام الشبيبة    كلوب ينتقد دوري الأبطال    فرانس 24: حملة اعتقالات واسعة بالجزائر تزامنا مع انتخاب الرئيس الجديد    أخفاها في ملابسه الداخلية تفاصيل جديدة عن محاولة تهريب مضيف طيران مبلغ 200 ألف أورو (متابعة)    ضبط 5 أشخاص من جنسيات مختلفة بصدد اجتياز الحدود البرية الليبية باتجاه تونس    الجم: حجز كميات هامة من المشروبات الكحولية معدة للبيع خلسة    جندوبة: حجز 3 طن من البطاطا داخل مخزن عشوائي    فرضيات تتويج مهدي عياشي بلقب «ذو فويس ناقد مصري يتحدث عن معجزة تونسية وهالة المالكي تساند    على الطريق السريعة باجة وادي الزرقاء: سيارة جزائرية وراء مقتل واصابة عمال بباجة اثناء نزولهم من «ستافات» (متابعة)    انطلاق الحملة الوطنية لجني الزيتون من صفاقس    إليسا تعلن تعافيها من مرض ''السرطان'' تماماً    نهى رحيم تكشف كواليس «ذو فويس» وما حصل بينها وبين راغب علامة    فرنسا.. دعوة لتعليق إضراب النقل "خلال الكريسماس"    المنيهلة /منزل سري لعصابة النحاس ومواد البناء التي روعت المواطنين    تشيلي.. مفاجأة كارثية بحادث طائرة القطب الجنوبي    المجلس الوطني الطارئ لجمعية القضاة يطالب رئيس الجمهورية بإمضاء الحركة القضائية    ما أعراض حرقة المعدة؟    اريانة: الديوانة تحجز عجلات مطاطية بقيمة 900 ألف دينار    انقطاع الماء بسجن برج الرومي منذ 40 يوما: إدارة السجون توضّح    من هي ملكة جمال العالم لسنة 2019؟    سيدي بوزيد: 1352 مشروعا .. لم تستطع تغيير واقع الجهة    لاعبو السّي آس آس يتضامنون مع سوكاري    إحداث مكتبة بقسم طب الأطفال بالمستشفى الجهوي بالمحرس    مرآة الصحافة    الكشف عن سلاح فعال لمرضى السكري    أخبار النادي الافريقي : منافسة بين العيادي والذوادي.. و40 ألف متفرج لمباراة فيرونا    تدشين قصر الآداب والفنون بباجة بتظاهرة ''فاقا المبدعة''    اليوم في البطولة: صراع بين الإفريقي و«السي .آس .آس» وإمتاع بين «البقلاوة» والنجم    أخبار اتحاد بن قردان : هل يكون الانتصار الأول لطارق ثابت؟    تونسيات يحتججن ضد التحرش بطريقة غير معهودة    التوقعات الجوية لطقس اليوم الأحد    كل يوم معلومة جديدة    عربية حمادي تكشف خفايا ما حصل بينها وبين الدباغ وتؤكد: «حبيت نوقفها عند حدها»!    بن عروس/ مداهمة مصنع وتحذير من مواد تنظيف خطيرة    مدير ديوان وزير الفلاحة: لا صحة لما يروج عن الإستنجاد بالجيش لجني الزيتون    لماذا تحتفل المرأة الموريتانية بالطلاق؟    المهرجان الدولي لثورة 17 ديسمبر بسيدي بوزيد يوجه الدعوة لقيس سعيد    سليانة : حجز 2600 لتر زيت مدعّم    قفصة.. تحرير 178 مخالفة اقتصادية منذ بداية الشهر الجاري    التلقيح ضدّ الحصبة ضروريّ قبل السفر إلى هذه البلدان    علاج التهاب المعدة بالأعشاب    حظك ليوم السبت    في الحب والمال/توقعات الابراج ليوم الجمعة 13 ديسمبر 2019    اسألوني    منبر الجمعة : الضمير وازع تربوي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حفاظا على الذاكرة ووفاء لنضالات الاتحاد
الذكرى 30 لحوادث 26 جانفي 1978: بقلم: عبد المجيد الصحراوي
نشر في الشعب يوم 02 - 02 - 2008

انقضت ثلاثون سنة عن حوادث 26 جانفي1978، وهي من المحن التي ابتلي بها الاتحاد العام التونسي للشغل، في سياق ما كان يتعرض له من محاولات إضعاف وتدجين من قبل الحزب الحاكم منذ مطلع الاستقلال.وإنه لمن المهم أن نحافظ على ذاكرتنا النقابية وأن نخلّد نضالاتنا النقابية، جيلا بعد جيل من اجل منظمة نقابية مستقلة. فقد كانت أزمات 65 و 78 و 85 عناوين تاريخية بارزة لهذه الملحمة التي خاضها النقابيون والشغالون من أجل الذود عن حرية العمل النقابي والدفاع عن حرمة منظمتهم والنضال من أجل تكريس حق الشغالين في التنمية العادلة وحق شعبنا في الحرية والديمقراطية.ولقد بلغت هذه المعركة ذروتها في أحداث 26 جانفي 1978 باعتبارها مثلت منعرجا تاريخيا حاسما في مسيرة المنظمة وفتحت أمامها آفاقا أرحب لمواصلة نضالها من أجل ترسيخ حريتها وفرض كيانها المستقل وتعزيز مكانتها ودورها في النضال الاجتماعي والديمقراطي ببلادنا. وقد شهدت تلك الفترة ضرب الاتحاد من خلال الزج بقيادته ومئات النقابيين في السجون. وكان على رأسهم الزعيم الحبيب عاشور.
ونتيجة هذا الوضع الصعب الذي شهده في تلك الفترة، لقي الاتحاد العام التونسي للشغل دعما نقابيا من طرف النقابات المغاربية والعربية والدولية وعدد كبير من القادة النقابيين العالميين يتقدمهم الأمين العام الراحل للسيزل أوتو كريستن الذي قام بدور هام في الدفاع عن الحركة النقابية التونسية بالتضامن وبالضغط الدولي.
لقد انتصر الحق في تلك الأزمة بعد أن تم إطلاق سراح النقابيين واسترجاع القيادة الشرعية لمواقعها بالمنظمة الشغيلة سنة 1981 باستثناء الحبيب عاشور الذي استعاد بدوره موقعه كرئيس للاتحاد في المجلس الوطني المنعقد يوم 30 نوفمبر 1981. وأكدت عودة عاشور براءة الاتحاد كما أكدت تمسّك القواعد بهياكلها الشرعية .
في ظل هذه المكاسب وفي ظل هذه الأرضية المستندة إلى تاريخ نضالي عريق والمرتكزة على واقع نضالي نشيط، انخرطتُ شخصيا في العمل النقابي وبدأته شابا في الوقت الذي عرف الاتحاد خلاله قفزة نضالية نوعية تمحورت حول تحقيق جملة من المطالب المادية والأدبية للعمال والاجتماعية وحتى السياسية لبقية الفئات أهمها مقاومة الاحتكار في القطاع الخاص ووضع حد لسوء التصرف في الأملاك العمومية والحد من ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية للعمال والدفاع عن كرامتهم والدفاع عن استقلالية الاتحاد ورفع الوصاية عنه من طرف الحزب الحاكم، ولئن أمكن تحقيق عديد المكاسب الاقتصادية والاجتماعية في ظل سياسة التعاقد الاجتماعي فإن النصف الثاني من السبعينات اتسم بازدياد التوترات الاجتماعية وارتفاع نسق الإضرابات (من 25 إضرابا في سنة 1970 إلى 452 إضرابا سنة1977) وكلها مطالب ونضالات توجت باستقالة الأخ الحبيب عاشور من الديوان السياسي للحزب تجسيما لتوجهات تلك المرحلة ومقتضياتها. ولعب عمال الشركة التونسية لصنع السيارات «ستيا» التي كنت أنتمي إليها شانها شأن عمال عديد المؤسسات الأخرى والقطاعات دورا أساسيا في تفعيل العمل النقابي بالجهة وفي دفع بقية القطاعات للمساهمة في النضالات النقابية التي خاضها الاتحاد في جميع أنحاء البلاد. وفي هذا الصدد جدت أحداث مؤسفة بمدينة قصر هلال والتي انطلقت من مؤسسة SOGITEX للنسيج حيث توقف العمال للاحتجاج على سوء التصرف الحاصل بالمؤسسة الذي اكتسى بعد ذلك طابع الإضراب الشامل وردا على هذه الحركة النضالية التي كان بالإمكان معالجتها بطريقة أخرى هوجم العمال من طرف قوات النظام العام ووقعت اصطدامات عنيفة عمّت كافة المدينة ونتيجة لذلك نشأت الحركة التضامنية في عديد المؤسسات المجاورة في صيادة وبوحجر والمكنين وغيرها مما أدى إلى تدخّل الجيش واعتقال العديد من النقابيين والعمال وحصل ذلك في أوائل شهر أكتوبر 1977.
وقد انطلقت الواقعة بالمقهى العتيق بنزل القصر بسوسة مما خلّف ردود فعل كبيرة بإعلان عدد الإضرابات الاحتجاجية المماثلة في عديد القطاعات والجهات وقد سارعت السلط إلى تطويق الحادثة بالقبض على مطلق التهديد وإحالته على المحكمة حيث نال عبد اللّه المبروك الورداني المتهم بالتهديد بالاغتيال 4 أشهرا سجنا.
وفي منتصف نوفمبر 1977 انعقدت الهيئة الإدارية الوطنية وأصدرت نداء إلى السلط العليا بالبلاد وخاصة إلى رئيس الدولة آنذاك من أجل تدارك الوضع قبل فوات الأوان وقد قررت الهيئة الإدارية دعوة المجلس الوطني للانعقاد وإلى اتخاذ قرارات مصيرية إن لم تقع الاستجابة إلى نداء الاتحاد المتعلق بإخراج البلاد من الأزمة بصورة سلمية.
لكن للأسف ما من أحد استمع إلى نداء الهيئة الإدارية، بل كان أهل السلطة منشغلين بقضية أخرى يتنازعون عليها فيما بينهم وهي قضية الخلافة وتسبب الموقف من الأزمة في شرخ بين السلطة الحاكمة فانقسمت إلى نصفين حول التمشي الأنجع لمعالجة الأوضاع، وتفجرت الخلافات بصورة شبه علنية منذ ديسمبر 1977 عندما تم إعفاء الطاهر بلخوجة من مهامه كوزير للداخلية في 23 ديسمبر وبصورة غير مألوفة فقد كان خارج تونس (فرنسا) وتم تنصيب عبد الله فرحات كبديل له واستقال ستة وزراء دفعة واحدة من حكومة الهادي نويرة.وعند تنصيب الوزراء الجدد يوم 27 ديسمبر أشار الهادي نويرة إلى استقالات الوزراء بأسلوب تلميحي، مؤكدا أنه لا وجود في صلب الحكومة «لا لرجعيين وتقدميين أو متحررين ومحافظين أو متطرفين أو مائعين».مما زاد في تأزيم الوضع داخل الفريق الحكومي وسيطرة الجناح المتصلب على كل الدواليب، وإعلانه صراحة نهج العنف في التعامل مع النقابيين.وفي 8 و 9 و 10 جانفي انعقد المجلس القومي للاتحاد والتي تواصلت أشغاله ثلاثة أيام في نزل أميلكار برئاسة الحبيب عاشور.وأشار المجلس القومي في لائحته العامة إلى المناورات المتكررة الفاشلة ضد الاتحاد منذ سنوات قصد تقسيم الطبقة الشغيلة وعزلها عن قيادتها الشرعية.
واعتبر المجلس القومي في لائحته العامة أنّ مثل هذه التصرفات التي تتحمل مسؤوليتها المباشرة إدارة الحزب بالخصوص هي التي كانت سببا في فشل جميع محاولات تنشيط الحوار ، وفي يوم 10 جانفي استقال الحبيب عاشور من الديوان السياسي للحزب الحاكم وعقد ندوة صحفية أعلن فيها «أن وجوده في الهيئتين (أي الحزب والاتحاد) كان متناقضا مع مسؤولياته النقابية». وكشفت الحكومة في بيان تقديم ميزانية الدولة لسنة 1978 عن انتهاجها خيار التصلب والقوة أسلوبا لمعالجة الأوضاع ولا سيما الوضع الاجتماعي ثم توالت الأحداث متسارعة والأجواء متوترة وتولى محمد الصياح مدير الحزب توسيع وتطوير دور الميليشيا لتصبح قوة موازية لقوات الأمن مما تسبب في ارتفاع وتيرة العنف والملاحقات والمضايقات على المواطنين وخاصة منهم النقابيين إلى أن كان يوم 20 جانفي 1978 ذكرى تأسيس الاتحاد التي تميزت بتجمعات عمالية في مختلف دور الاتحادات الجهوية.إنّ ما حصل من اعتداءات يوم 20 جانفي بسوسة في ذكرى التأسيس أدى بنا إلى مواصلة المرابطة ليلا نهارا لحماية أنفسنا من عناصر الميليشيا لأننا أصبحنا مهددين في حياتنا وأذكر أن بعض هؤلاء قصدوا منازلنا للبحث عنا وهم مدججون بالسلاح أذكر من بينهم محمد قصدالله. لقد بقينا مرابطين وعددنا يزيد عن المائتين في ظروف صعبة حتى الساعة منتصف الليل من يوم الخميس 26 جانفي في مقر الاتحاد الذي كان محاصرا من طرف قوات الأمن والجيش بآلياتهم الثقيلة ثم تمت مخاطبتنا بواسطة مضخم الصوت ومطالبتنا بالاستسلام. وقد اقتيد النقابيون رافعين أيديهم تحت السلاح إلى مقرات البوليس التي لا تبعد سوى عشرات الأمتار عن مقر الاتحاد الجهوي وكانوا يركلونهم ويضربونهم حتى وصولهم إلى تلك المخافر.وتتالت الهجومات المماثلة على مقرات الاتحاد بتوزر وتونس والقيروان وزغوان وأمام هذه التطورات الخطيرة انعقدت الهيئة الإدارية يوم 22 جانفي 1978 بقيادة المرحوم الحبيب عاشور الذي أوضح في مداخلته أن أعداء الاتحاد قد بدؤوا يهاجمون النقابيين في الطرقات وفي البيوت وفي أماكن العمل ويحرّضون الناس على مغادرة الاتحاد لتمكين الحزب من تعيين من يريده على رأس الاتحاد وانه زيادة على ذلك فإن هناك هجومات أدهى وأمر تتمثل في تهديد النقابيين بالسجن والضرب واختلاق القضايا العدلية وتصاعد التصلب إلى درجة أصبحت معها عصابات الحزب تهجم على مقرات الاتحاد، وأشار عاشور إلى محاكمة الأخ عبد الرزاق غربال الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس على إثر مداخلته الجريئة في المجلس القومي الذي انعقد بالعاصمة أيام 8 و 9 و 10 جانفي 1978.
وفي مساء الإربعاء 25 جانفي، وليلة شن الإضراب العام عقد أوتو كريستن الأمين العام للجامعة الدولية للنقابات الحرة (السيزل) ندوة صحفية في مقر الاتحاد ببطحاء محمد علي رفقة الأخ الحبيب عاشور أكد خلالها مساندة السيزل للاتحاد العام التونسي للشغل في كامل مواقفه النقابية والاجتماعية.
وكما يعلم الجميع، فلقد جوبه الإضراب العام بالقمع والاعتقالات وسفك الدماء باستعمال كل الوسائل وتدخل الجيش وأعلنت حالة الطوارئ. وقد خلفت هذه الأحداث عشرات القتلى ومئات الجرحى وامتلأت السجون بآلاف من العمال والمناضلين النقابيين ومن الشباب العاطل عن العمل المنتمين إلى الأحياء الشعبية المهمشة هذا وقد لعبت عناصر الميليشيا التابعة للحزب الحاكم دورا أساسيا في التخريب والنهب بغية توريط الاتحاد وإطاراته النقابية وتحميلهم مسؤولية الخراب الحاصل.
وانعقد في 25 فيفري 1978 والبلاد في حالة طوارئ مؤتمر صوري وقع خلاله تنصيب قيادة موالية للسلطة السياسية وتحت إشراف الحزب الحاكم وعين التيجاني عبيد أمينا عاما للاتحاد.وتمت مقاطعة هذه الهياكل المنصبة من قبل النقابيين والعمال كما رفضتها المنظمات النقابية العالمية، والتف النقابيون في تونس حول هياكلهم وقيادتهم الشرعية.
رسالة تكذيب:
وكردّ منّا على الادعاءات التي تعمّدت بعض وسائل الإعلام الرسمية نشرها والتي تفيد بأننا نتلقى معاملة عادية داخل السجن قمنا بتحرير مراسلة من داخل السجن بإمضاء 32 نقابيا من الموقوفين تفند ادعاءات وكالة الأنباء الرسمية بأننا نتلقى معاملة حسنة وتوضح للرأي العام حقيقة ما تعرضنا له من تعذيب وسوء معاملة داخل الزنزانات وقد قامت بنشرها جريدة الرأي أنذاك.
الكوكي: رمز التضحية والصمود:
لقد مثّل المرحوم حسين الكوكي طوال فترة حياته الزاخرة بالتضحيات وحتى لحظة استشهاده بالسجن رمزا للبطولة والصمود أمام غطرسة الاستبداد مؤمنا بقيم الاتحاد ومنافحا عن مجتمع أكثر عدلا وأكثر حرية...لقد كان رحمة الله عليه معطاء، جوادا وسخيا بروحه وجسده، إنه وحيد أخواته البنات الأربع وكان بسمة أبيه الفلاح الملتحم بالأرض وأمل كلّ العائلة في الإفلات من العذاب والمعاناة اليومية... لقد علّمته مصاعب الحياة وشظف العيش ومكابدة المتاعب كيف يظل وافقا لا يلين وسلّحته بالصمود والمقاومة، مقاومة الظلم والحيف حتى النفس الأخير موقوفا بالسجن إلى أن وافاه الأجل المحتوم يوم 15 فيفري 1978.
محاكمة نقابيي سوسة:
لقد حوكمنا طيلة شهر أوت 1978 وكانت محاكمتنا علنية حضرها العشرات من المحامين المتطوعين والذين لعبوا دورا كبيرا ومشرفا أذكر منهم العميد منصور الشفي والأساتذة الناصر بن عامر والمرحوم فاضل الغدامسي والهاشمي بللونة وراضية النصراوي وعبادة الكافي وحامد بن رمضان ورؤوف بوكر والصحبي القروي ورؤوف النجار وعبد الوهاب الباهي والدالي الجازي وجمال الدين بيدة وعبد الستار بن موسى والهادي بوفارس والبشير خنتوش وتوفيق بودربالة والأزهر القروي الشابي والدكتور جغام وغيرهم كما حضرها الصحافيون والمراقبون وقد لعبت الصحافة ومنها جريدة الصباح حيث كان يعمل الأخ محمد العروسي بن صالح والذي غطى وقائع المحكمة بأمانة كبيرة وتعرض هو وزميله عبد الحميد القصيبي إلى التهديد والملاحقة وكذلك جريدة الرأي وجريدة la démocratie دورا في إنارة الحقيقة للرأي العام أنذاك كما لا ننسى الدور الكبير الذي لعبته الصحافة العالمية والتضامن النقابي الدولي وخاصة النقابات الأوروبية والعربية والمغاربية والعالمية كالسيزل بقيادة أمينها العام أتو كريستن وقد ساهمت حملة التضامن الواسعة في الرفع من معنويات عائلاتنا كما غذت فينا روح الصمود حيث خضنا إضرابات عديدة عن الطعام لاقت تعاطف حتى المساجين العاديين بسجني سوسة وتونس العاصمة.
في السجن المدني 9 أفريل:
إثر الجلسة مباشرة تم تطويق المحكمة بالكامل بفيالق عديدة من قوات البوليس بتشكيلات وأزياء مختلفة واقتادونا تحت حراسة مشددة إلى السجن المدني بسوسة حيث مكثنا بضعة أشهر وتم إخلاء سبيل عدد كبير منا ولم يبق إلاّ 12 شخصا من مجموع 101 تم إحالتنا بعدها إلى سجن 9 أفريل بتونس العاصمة حيث تعرفت على الزعيم الحبيب عاشور مباشرة وأذكر أنه قال لي حرفيا: الحمد لله لم نكن وحدنا في هذه المرة إن الشباب والرأي العام الوطني والدولي معنا خلافا لأزمة 1965 وستثبت الأيام براءتنا وسنعود قريبا إلى اتحادنا وسيحاكم المجرمون الحقيقيون يوما. بقينا في حالة إيقاف على ذمة دائرة الاتهام وكانت التهم الموجهة إلينا على درجة كبيرة من الخطورة أهمها على ما أذكر: حمل المواطنين على مهاجمة بعضهم البعض بالسلاح وإثارة القتل والنهب والحرق بالتراب التونسي وتكوين عصابة مفسدين وغيرها من التهم التي لا أستحضرها وهي تهم تندرج ضمن الفصل 72 الذي تبلغ العقوبة فيه إلى حد الحكم بالإعدام والأشغال الشاقة مدى الحياة باعتبارها من الجنايات الخطيرة.
في محكمة أمن الدولة:
وجرت محاكمات مماثلة في مختلف أنحاء البلاد قبل أن تنتصب محكمة أمن الدولة الرهيبة في بوشوشة حيث كان الإصرار واضحا على إدانة القيادة النقابية رغم انسحابات لسان الدفاع احتجاجا على الانتهاكات وفصول الإحالة.وأصدرت المحكمة يوم 9 أكتوبر 1978 ليلا أحكامها القاسية وكانت الأحكام كما يلي:الحبيب عاشور وعبد الرزاق غربال 10 سنوات أشغالا شاقة والصادق بسباس وحسن حمودية وخير الدين الصالحي 8 سنوات أشغالا شاقة ومحمد الصالح بن قدور ومصطفى الغربي والطيب البكوش وصالح برور 6 سنوات أشغالا شاقة ومحمد عز الدين وعبد الحميد بلعيد واسماعيل السحباني ومحمد شقرونومحمد الناجي الشعري وعبد الرزاق أيوب 5 سنوات أشغالا شاقة وعبد العزيز بوراوي وعبد السلام جراد وسعيد قاقي وسعيد الحداد وعلالة العامري ونور الدين البحري وأحمد الكحلاوي ومحمد الصالح الخريجي ومحمد الدامي 6 أشهر سجنا مع تأجيل التنفيذ واعتبار التهمة الموجهة إليهم هي مضمون الفصل 388 من مجلة الشغل.ولأن الحق يعلو ولا يعلى عليه فقد خرج الاتحاد أكثر قوة وتماسكا إذ تم إطلاق سراح كل النقابيين وعودة المطرودين واسترجاع القيادة الشرعية لمواقعها بالمنظمة الشغيلة خلال مؤتمر قفصة سنة 1981 الذي انعقد في غياب عاشور إذ كانت السلطة مصرّة على إبعاده وعزله عن الاتحاد. وأمام تمسّك القواعد العريضة برمز المنظمة الشغيلة اضطرت السلطة إلى الرضوخ، وانعقد يوم 30 نوفمبر 1981 مجلس وطني تاريخي تمّ فيه بالخصوص إقرار خطة استثنائية تمثلت في إسناد رئاسة الاتحاد بصفة خاصة إلى المرحوم الحبيب عاشور، فطويت بذلك صفحة الاستثناء.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.