صفاقس: انطلاق عملية رفع الفضلات المكدسة في شوارع المدينة    منذ شهر نوفمبر: 3 بواخر محمّلة بالقمح والشعير غير قادرة على تفريغ حمولتها    النادي الافريقي : احمد خليل يمضي عقدا جديدا الى غاية 2023    بنزرت: توزيع 1200 لتر من الزيت المدعم بعدد من المناطق الشعبية بمعتمدية سجنان    حوالي 75,5% من المكالمات التي ترد على الخط الأخضر تتعلق بالعنف الزوجي    آخر أخبار الحالة الصحية للاعب منتخب الجزائر بغداد بونجاح    وزارة العدل تدعو الى استكمال التلاقيح ضد كورونا قبل 22 ديسمبر 2021    يوسف بوزاخر "رئيس الجمهورية لم يتطرق مطلقا خلال لقاءاته مع ممثلي المجلس الاعلى للقضاء، الى حل المجلس او الغائه "    رمضان بن عمر: خلال 10 سنوات تم ترحيل 10 آلاف مُواطن خاصة من ايطاليا    صفاقس: القبض على شاب بحوزته كمية من الكوكايين لترويجها    تطاوين: جولة جديدة من الحوار بين السلط الجهوية والوفد الجهوي المفاوض للحكومة من أجل تحيين اتفاق الكامور والالتزام بتنفيذه    بنزرت: شاحنة ثقيلة تصطدم بفتاة ال 12 سنة وحالتها الصحية حرجة    ليبيا: اقتحام مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس    تعيين مستشار جديد لألمانيا خلفا لميركل    جامعة الأطباء والصيادلة تتمسّك بالإضراب    الشيء الوحيد الذي يستطيع سعيد الإعلان عنه يوم 17 ديسمبر حسب الزغيدي    معهد الإحصاء: هذه المواد شهدت ارتفاعا في الأسعار    نحو 200 الف طفل يعانون من اضطرابات طيف التوحد في تونس    العوينة: القبض على رجل أعمال خليجي و4 فتيات داخل وكر دعارة    15 يوما في السنة: قائمة أيام الأعياد والعطل في تونس    عادل إمام يحسم الجدل حول حالته الصحية بعد غيابه الطويل عن الساحة    متّهم في ''قضية خاشقجي'': السعودية تطالب فرنسا بالإفراج عن مواطن سعودي.. فورا    جربة: توقف الدروس ب 3 مؤسسات تربوية بسبب كورونا    تونس: هل سيتم تطعيم أطفال ال5 سنوات فما فوق؟    القبض على المشتبه به في قتل عسكري    الكشف عن ملابسات اعتداء عون حرس على شقيقتين في القيروان    هيئة الخبراء المحاسبين تقدم وثيقة خاصة بتنقيح النظام الجبائي لبودن    عاجل: اجراءات هامّة توقيّا من كورونا إستعدادا للاحتفال برأس السنة الإداريّة    كأس العرب: ترتيب الهدافين الى حد الآن    فتح تحقيق والظاهرة محيّرة: انتحار 3 ضباط ... يُغضب النقابات الأمنية    كأس العرب: برنامج مباريات الدور ربع النهائي    هاني عمامو في الترجي التونسي لموسمين ونصف    "الثالوث المحرّم إضافة أم إضعاف للرواية العربية؟ شعار الدورة ال11 ل"مهرجان قافلة المحبة"    أيام قرطاج المسرحية : عروض فاترة في أجواء باردة    الدكتور محمد عبازة في بيت الرواية... المخرجون اغتالوا الكاتب المسرحي!    "صالون هدى ".. طرح آخر للأوضاع في فلسطين    نابل: لإنقاذ موسم القوارص .. دعوات إلى تشديد الرقابة على مسالك التوزيع    هدفان لكل من مبابي وميسي في فوز سان جيرمان 4-1 على بروج    تونس: هكذا سيكون الطقس اليوم    في الذكرى 34 للانتفاضة الأولى    عاجل: إكتشاف نُسخ متحوّرة عن أوميكرون.. وعلماء يحذّرون    الطاقات البديلة الحل الذي غفلت عنه تونس لإنعاش اقتصادها    أخبار النادي الصفاقسي: ماذا في اجتماع خماخم والمدرب جيوفاني؟    قف: الصورة ترتعش!    تعاون في المجال المسرحي    طقس الأربعاء: درجات الحرارة في ارتفاع    صفاقس: فتح الجسر العلوي على مستوى تقاطع الطريق الحزامية كلم 4 مع الطريق الوطنية عدد 14    توقيع لزمة لترميم "الكراكة" بحلق الوادي وتحويلها إلى متحف للخزف الفني    بالصور: إطلالات محتشمة للتونسيات في مهرجان البحر الأحمر بالسعودية    هذه حصيلة نشاط وحدات الشرطة البلدية..    فلاحون في قبلي ينفذون وقفة احتجاجية ويطالبون بالتعويض بسبب تضرر منتوج التمور    كأس العرب فيفا 2021: الجالية التونسية في الدوحة تحتفي بتأهل المنتخب الوطني إلى ربع النهائي    "مُحمّد".. الاسم الأكثر شعبية بين المواليد الذكور في بريطانيا    عامر عيّاد: منعوني من السفر لعلاج مرض    الباب الخاطئ ...الزمان مكان سائل/ المكان زمان متجمّد    اذكروني اذكركم    التقشف والاعتدال في الإنفاق ضرورة عند الأزمات    كسوف كلي للشمس السبت المقبل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من "الاتجاه الإسلامي" الى "النهضة".. حدود القطيعة والتواصل مع الإرث الاخواني؟
نشر في حقائق أون لاين يوم 06 - 06 - 2014

اختارت حركة النهضة بصفة مبكرة بعيد تأسيسها الخروج للعلنية من خلال تقديم مطلب للحصول على تأشيرة للعمل السياسي القانوني في 6 جوان 1981 . و لانها استمرار لفكر ومنهج الجماعة الإسلامية في السبعينات والاتجاه الاسلامي في ثمانينات القرن الماضي فقد ظلت محافظة على طابعها السري، من ذلك أننا لا نكاد نعثر لها على أدبيات تقيم مسار هذه الحركة من الجماعة إلى الحكم. بل أننا نلاحظ أنها اختارت أن يكون التقييم شأنا داخليا، حفاظا على "وحدة الصف"، ولا ينشر للعموم مثلما هو حال العمل الحزبي والسياسي المتعارف عليه.
وفي هذا الاطار وقع الاختيار خلال المؤتمر التاسع الذي انعقد في جويلية 2012 على ترحيل تقييم أداء وسياسات الحركة، خاصة مسؤوليتها عن المواجهة التي حصلت مع نظام زين العابدين بن علي، والتي نجم عنها تعطيل للحراك السياسي والانتقال الديمقراطي، الذي بدأ مع الثلاث سنوات الأولى من حكم الرئيس بن علي. وتأكيدا لثوابت الممارسة السياسية لدى الحركة، المبنية على "السرية"، اختارت الحركة الهروب من تقييم فترة ممارستها للحكم، التي كادت أن تعصف بمؤسسات الدولة ووحدة المجتمع الدولة. من خلال تهربها من عقد مؤتمر تقييمي ومضموني وأيضا انتخابي يفرز قيادة جديدة، واختارت عبر استفتاء داخلي - في مشهد يوهم الأنا والأخر- بالممارسة الديمقراطية في تسيير الحركة، وفي اتخاذ القرارات المصيرية داخلها.
وكانت النتيجة معروفة مسبقا، اذ تم "الإجماع" على تأجيل المؤتمر من أجل التفرغ الى الاستحقاقات الانتخابية القادمة. هذا ما يجعل المراقبين الموضوعيين يجمعون على أن "النهضة" ما تزال تشتغل وفق آليات "الجماعة السرية" المغلقة على نفسها، وما تزال أيضا تحتكم الى التراث الفكرى لمرحلة السبعينات والثمانينات، من ذلك أنها لا تزال تستند في رسم سياساتها الى وثيقة "الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي"، التي تعود الى بداية الثمانينات ولم نسمع أن الحركة أدخلت عليها تعديلات، بل على خلاف ذلك فان كل مؤتمرات الحركة الأخيرة قامت بتزكية هذه "الوثيقة" التي تتناقض مع التزامات الحركة، خاصة ما ورد في الدستور الذي تتباهي الحركة بأنه من انجازاتها.
كما ما تزال الحركة أو على الأقل قطاع واسع داخلها متمسك بحلم البدايات أي قيام "دولة اسلامية" يكون القران "دستورها" . دولة لا تعترف بحدود ما يسمى ب "الدولة الوطنية". بناء علي ما تقدم من شواهد، فان حركة النهضة لم تجرى أية مراجعات وهي تحافظ على تقوقعها ضمن أدبياتها الاخوانية، برغم حالة المرونة التي أبدتها في التعامل مع الحراك السياسي الجاري في تونس بعد الثورة، خاصة بعد سنتين من الحكم، كشف عن عجز بنيوي لدي الاسلاميين في التعاطي مع مسألة الحكم وادارة شؤون الدولة.
من هنا، فان قبول الحركة باكراهات السياسة كان نتيجة تغير في الموازين في الداخل والخارج وليس نتيجة مراجعات قام بها الغنوشي وجماعته. وهذا ما سنحاول التركيز عليه في هذه الورقة، من خلال التطرق الى حدود التواصل والقطيعة مع "الأخونة". في محاولة للكشف عن حالة الجمود الفكرى والتنظيري –بعد 33 سنة من العمل - وعدم قدرة "النهضة" على تجاوز ارث "الاتجاه الاسلامي" الاخواني.
1. تبرأ سياسي من "تهمة الأخونة
أعلن الشيخ راشد الغنوشي، زعيم "حركة النهضة ( التي تحسب على كونها تسبح في دائرة "الإخوان المسلمين")، في 9أكثر من مناسبة. أسابيع قليلة بعد تصنيف السعودية للإخوان "جماعة إرهابية". أن "النهضة حزب تونسي يعمل ضمن قانون الأحزاب في تونس ويعمل وفق ما تمليه عليه مؤسساته ولا يتبع أحدا خارج البلاد". وأضاف " نحن نرتبط بالمسلمين في كل العالم برابطة الأخوة الإسلامية والفكر ولا يوجد لدينا (بابا) مثل النصارى. أنا رئيس النهضة المنتخَب ولستُ رئيس أي حزب أو تنظيم خارج بلادي، والإخوان في مصر لهم حزبهم وتنظيمهم المستقل عنا"[1] . ما مدى مصداقية مثل هذا التصريح الذي يعلن صراحة عن "فك الارتباط" بين النهضة والإخوان؟ هل هي مجرد مناورة سياسية؟ أم تعبير عن خيار استراتيجي ومبدئي سيحدد مستقبل العلاقة بين الطرفين؟
القرار الخليجي، رمي بظلاله داخل الفاعلين في الحقل السياسي التونسي، نخب وأحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني. التي ما تزال تنظر بعين الريبة إلى إخوان تونس – نعنى هنا حركة النهضة -، عبر علاقة ما زالت تخيم عليها أجواء "أزمة الثقة"، برغم كل "التنازلات" التي قدمتها النهضة، ولعل أبرزها قرار الخروج من الحكم بصفة طوعية، والقبول بحكومة "مستقلة" كمخرج للأزمة السياسية، التي فجرها اغتيال قادة أحزاب، وشيوع عنف الجماعات السلفية المتشددة، وسط تسامح وصل درجة التواطؤ خلال فترة حكم النهضة الإسلامية.
مثلما كان لوقع "صدمة" إسقاط حكم الإخوان في مصر مفعول الزلزال على النهضة الإسلامية في تونس. من خلال قبولها المشاركة في حوار وطني تنص بنوده على ضرورة مغادرتها للسلطة، وهو ما حصل بالفعل. بعدما أدرك زعيم النهضة أن الدور القادم سيكون عليهم، ما جعله يسرع بإقناع إخوانه بضرورة عدم التمسك "بالشرعية الانتخابية"، من أجل تجنب إعادة "السيناريو المصري"، وقبل أن "يسقط المعبد على رؤوسهم" مثلما ورد في تصريح شهير للغنوشي موجه لأبناء النهضة الرافضين للتنازل والتسوية السياسية.
وهو سيناريو مكن النهضة من خروج امن من الحكم، مع المحافظة على "موقع رئيسي" في المشهد السياسي وفي الخارطة الحزبية التونسية. ذات الموقف البراغماتي تسلح به الغنوشي مرة أخرى، لتجاوز تداعيات القرار الخليجي والمتمثل في اعتبار "الإخوان" و"مشتقاتها" في كل الأقطار العربية والإسلامية تنظيمات إرهابية. من خلال "تبرأه" من الإخوان، وتأكيد أن النهضة حزب تونسي، يخضع للقانون التونسي، ولا تربطه أية علاقة بالإخوان التي قال أنها "تنظيم مصري". برغم وجود شواهد دامغة على صلة وثقى كانت وما تزال تربط الغنوشي بمكتب الإرشاد، وبالتنظيم الدولي للاخوان وواجهته الدعوية الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برئاسة المرشد الروحي للاخوان الشيخ يوسف القرضاوي . فما هي طبيعة هذه الروابط التاريخية؟ وهل انفكت أم أنها مجرد "مناورة" أو "تقية" من قبل الغنوشي لتجاوز العاصفة؟
2- روابط تاريخية
في الواقع، وبالعودة إلى مسار نشأة وتطور الحركة الإسلامية في تونس، فان كل الشواهد تؤكد بصفة قطعية وجود رابطة عضوية بين "الجماعة الإسلامية في تونس" – الاسم الذي كانت تطلقه الجماعة على نفسها حتى بداية ثمانينات القرن الماضي - و جماعة "الإخوان" في مصر، وبالتنظيم الدولي للإخوان عند نشأته. لكن الملاحظ أن هذه الرابطة بدأت تعرف برودا أو تفككا، على المستويين التنظيمي والحركي. نتيجة تباعد في التفاعل مع الواقع ومع المتغيرات الفكرية والاستراتيجية. برز من خلال وجود حالة جمود لدي التيار الاخواني التقليدي ممثلا في تيار "الدولة/ المركز" – مصر -، مقابل حيوية أو ديناميكية لدي تيار "دول/الأطراف" مثل تونس خاصة، التي تزعم رئيس حركتها راشد الغنوشي خطا تجديديا في المستوي الفكري تمت ترجمته من خلال رؤية سياسية براغماتية، مستفيدا من سنوات اقامته الطويلة في الغرب/ لندن، وبعد اجراء قراءة نقدية لتجربة العمل الاسلامي في تونس.
برز هذا التباين داخل الساحة الاخوانية، من خلال طريقة التعامل مع الأوضاع المستجدة بعد ثورات "الربيع العربي" التي أوصلت التيار الاسلامي للحكم في كل من مصر وتونس. ففي الوقت الذي اختار فيه "المرشد" في مصر خيار المواجهة مع المجتمع والدولة، وبالتالي الانتحار السياسي والرفض المجتمعي. فضل راشد الغنوشي في تونس "الشرعية التوافقية" على "الشرعية الانتخابية"، فكان أن غادر الاسلاميون الحكومة لكن حافظوا على المشاركة في الحكم. ما سيسهل في المستقبل عملية ادماج التيار الاسلامي المعتدل في الحياة السياسية، بعيد أن يكون قد تخلص من عقلية الهيمنة السياسية التي تسكنه، من خلال مقولة "التمكين" للمشروع الاسلامي، أو عبر السعي لفرض نمط مجتمعي بديل، مرفوض من قبل نخب المجتمع ومن قبل الطبقة الوسطى التي هي أساس وحدة وتماسك المجتمع والدولة.
في مقال له موسوم ب "العناصر الفكرية المكونة للحركة الاسلامية بتونس" [2] ، يشير راشد الغنوشي الى "تعقد الظاهرة الاسلامية" في تونس، ويقول أنها "ثمرة تمازج وتفاعل لعناصر ثلاثة أثمر تفاعلها واشتراكها تكوين الظاهرة بدرجات وأنصبة متفاوتة، ولم يكن تفاعلها يسيرا، ولا تأثير كل منها متساويا دائما لتأثير الأخر، بل كان مركز الثقل متنقلا بينها من مرحلة الى أخرى، وكان الصراع الظاهر أو الخفي بينها قائما دائما بوعي أو من غير وعي". ويرى الغنوشي أن من العناصر المكونة للظاهرة الاسلامية في تونس. نجد "التدين السلفي الاخواني" وخاصة "الفكر السياسي والاجتماعي الاخواني والقائم على تأكيد شمولية الاسلام، ومبدأ حاكمية الله سبحانه، ومبدأ العدالة الاجتماعية". كما اعتمد أبناء الحركة في البدايات على منهج تربوي اخواني، بالاعتماد وفي المقام الأول على رسائل المرشد حسن البنا، وهو منهج "يركز على التقوى والتوكل والذكر والجهاد والجماعية والاستعلاء الايماني والاخوة، والتقلل من الدنيا وتحري السنة، حتى في الجزئيات".
في المستوي التنظيمي، برغم نفي راشد الغنوشي وقيادات الحركة الاسلامية في تونس، وجود أية صلة تنظيمية بالاخوان، حيث يشددون على أنهم حركة تونسية. فان أحمد المناعي، مدير المعهد التونسي للعلاقات الدولية – وهو معروف بقربه من حركة النهضة – قد صرح بأن "رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي كان في السبعينات عضوا فاعلا في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين... وان تنظيم الاخوان لديه عدد من الوثائق التي تثبت انخراط حركة النهضة التي كانت تسمى "الاتجاه الاسلامي" في التنظيم الاخواني سنة 1974 و اشار المناعي الى ان مقر الاخوان بمصر يحتوي على عدد من الصور لقيادات التنظيم و من بين هذه الصور توجد صورة رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي" [3] كما أكد مؤسس الحركة الاسلامية بالمغرب عبد الكريم مطيع الحمداوي "أن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي كان يعمل لحساب "الاخوان المسلمين" لاختراق الحركة الاسلامية ببلاد المغرب في نهاية السبعينات من القرن الماضي"[4] أي في بدايات العمل الاسلامي الحركى في تونس والى نهاية السبعينات من القرن الماضي، قبل أن تنفتح الحركة الاسلامية في تونس، على أدبيات وتجارب اسلامية أخرى، لعل أهمها أدبيات الثورة الايرانية، التي عجلت باقتحام الاسلاميين في تونس، مجال العمل السياسي العلني بصفة مبكرة على خلاف اخوان مصر. وهو قرار كان محل خلاف كبير بين اخوان تونس ومصر.
3- فك الارتباط
أ- نقد المدونة الفكرية الاخوانية
ان موقف راشد الغنوشي، الصادر مؤخرا الذي تبرأ فيه من "الانتماء للاخوان"، لا يمكن فهمه الا في سياق العلاقة التي بدأت تبرز بين الجانبين مباشرة بعد قيام الثورة الايرانية، التي أحدثت هزة في مسلمات الفكر السياسي والاجتماعي الاخواني، تم التعبير عنها خاصة من قبل الحركة الاسلامية في تونس. والذي مثل بداية خلق مسافة نقدية بين تونس والقاهرة. لكن هذا لا يعني القطيعة بين "المرشد" و الشيخ الغنوشي، حيث تواصلت روابط التضامن والتنسيق بين الطرفين. برغم بروز خلافات جوهرية، ستتعمق خلال فترة التعاطي مع الحكم، وهذا ما سنحاول ابرازه والكشف عنه.
انتقد راشد الغنوشي في كتابه "من تجربة الحركة الاسلامية في تونس" المنهج الفكري الاخواني، معتبرا أنه "يضم الجانب العقائدي الأخلاقي على حساب الجوانب السياسية والاجتماعية، ويقيس الأوضاع والجماعات بمقياس عقيدي، مما ينتهي معه الأمر الى تقسيم الناس الى أخوة وأعداء، ويغلب جانب الرفض في تعامله مع الواقع والثقافات الأخرى، وحتى مع المدارس الاسلامية الأخرى، فهو أحادي النظرة، ويكاد يشكل منظومة مغلقة."[5] . لم يتوقف موقف الغنوشي عند نقد التصورات الفكرية الاخوانية التي مثلت الاطار التكويني للاسلاميين في تونس، الذي اكتشف أنه قد بين قصوره في التعاطي مع الواقع التونسي الذي يتسم بحركة تحديث قوية وعميقة، هذا الفكر نعته الغنوشي بالتجمد والانغلاق وعدم التفاعل مع الواقع المتغير، لتختار الحركة الاسلامية في تونس عنه بديلا ما أطلق عليه الغنوشي ب "التدين العقلاني": الذي يتألف من العناصر التالية: احياء التراث العقلاني الاسلامي، النقد الجذري الصارم للاخوان، اعادة الاعتبار للمدرسة الاصلاحية، اعتماد الفهم المقاصدي للاسلام بدل الفهم النصي. وفي هذا الاطار ينتقد راشد الغنوشي "اعتماد التدين الاخواني على المقياس العقيدي في تقسيم الناس الى مؤمن وكافر، اعتبر التدين العقلاني ذلك تهميشا للصراع الحقيقي، اذ التقسيم الحقيقي ينبغي أن يكون على أسس سياسية واجتماعية: وطني وخائن، ثوري ورجعي، فلاح واقطاعي اذ يمكن أن يكون مسلما عميلا وماركسيا وطنيا". كما شدد أيضا على "اعادة الاعتبار للمدرسة الاصلاحية في تونس (خير الدين باشا، الحداد وغيرهم...) ولمنجزاتها في امتدادها الحديث، من خلال ما أنجزته البورقيبية، مثل تحرير المرأة والعقلانية في التعليم". ومثل هذا الموقف العقلاني، سنجده هو المحدد في الموقف السياسي لحركة النهضة، باختيارها مغادرة الحكم استجابة لقراءة موضوعية لما ألت اليه الأوضاع من أزمة سياسية تنذر بتفكيك وحدة المجتمع والدولة، فاختارت الخروج من الحكم والتسليم بتغليب "التوافق السياسي" بين كافة مكونات الساحة السياسية، على خلاف ما حصل مع اخوان مصر، الذين عمدوا الى احتكار القرار السياسي وبالتالي الانفراد بالحكم واعادة انتاج الممارسة السياسية لما قبل ثورة 25 يناير. ما جعلهم ينتهون الى عزلة سياسة كانت مقدم للثورة على حكمهم.
ب- نقد الممارسة السياسية للاخوان
بعد امتصاص "صدمة" ما حصل في مصر، التي تلت عزل الرئيس الاخواني محمد مرسي من قبل المؤسسة العسكرية استجابة لمطلب مجتمعي واسع. لم يتورع راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة عن تحميل الاخوان جانب من المسؤولية عما حدث. غير أن هذا لم يجعله يتجاوز سقف التمترس وراء اعتبار أن "الأزمة في مصر ولدت من خلال التمرد على الشرعية باستغلال صعوبات وحتى أخطاء، لا من خلال التصحيح، الذي هو من واجب المعارضة، وإنما من خلال الرفض لإرادة الشعب المعبّر عنها في انتخابات حرّة نزيهة شارك فيها الجميع واعترف الجميع بنتائجها، فالمشكل هو مشكل فشل ديمقراطي وفشل النخبة الحداثية المصرية في الوفاء بمقتضيات الديمقراطية"/6/. وهنا يحاول الغنوشي البروز في صورة المدافع عن الديمقراطية، في انسجام تام مع مواقف العواصم الليبرالية الغربية وكذلك واشنطن، التي يريد الغنوشي أن يتماهى معها بغاية الترويج لصورة "الاسلامي الديمقراطي".
وفي هذا السياق يقول الغنوشي : "الآن هناك إصرار عنيد على تعريف جديد للديمقراطية وعلى تعريف جديد للشرعية تؤمن بأن طريق الشرعية الديمقراطية ليس صناديق الاقتراع وإنما الحركة في الشارع"، وشدد الغنوشي على أن هذا المنطق "معناه إلغاء الديمقراطية وتوليد شرعيات غير مصادر الانتخابات، ولو أننا سايرنا هذا لأعطينا الحق لكل من يفشل في الانتخابات أن يقود تحركا في الشارع لينتج شرعية"[7] .
برغم "الليونة" في نقد اخوان مصر وتحديدا مسؤوليتهم في دفع الوضع نحو التأزم وتأخير بل رفض كل فرص البحث عن حل سياسي على غرار ما حصل في تونس. فان راشد الغنوشي ألمح الى فشل وساطته في اقناع الاخوان بالوساطة، التي قال أنها حظيت "بترحيب من أكثر من جهة دولية ومصرية"، لكن الأحداث كشفت لاحقا عن عجز الغنوشي في اقناع مرسي والمرشد خاصة بتجاوز تداعيات الأزمة، التي كان يدرك جيدا أنها "ستكون لها انعكاسات كارثية ليس على مصر فقط بل على الربيع العربي والتونسي الموصوف بالنجاح"[8] .
على خلاف اخوان مصر، فان المنهج والممارسة السياسية لحركة النهضة في تونس بزعامة الغنوشي تميزت بمرونة كبيرة –بل مفاجئة- في التعاطي مع المتغيرات والضغوطات الداخلية والخارجية وقراءة براغماتية لتطورات الأحداث وموقع النهضة فيها، وهو ما لم يدركه اخوان مصر. فالى جانب الضغط الذي قادته المعارضة، إلا أن ذلك لم يكن العامل الوحيد الذي أدى إلى هذه النتيجة، وقد لا يكون العامل الحاسم. فإلى جانب ذلك يوجد عاملان آخران قد أسهما بقدر واسع في جعل هياكل الحركة تقبل بهذه النهاية غير السعيدة لأول اختبار لها في الحكم.
يتعلق العامل الأول بما حدث في مصر. لقد أخافت عملية إخراج الإخوان المسلمين من السلطة قادة "النهضة"، وأشعرتهم بأن المناخ الإقليمي والدولي قد اختلف كثيرا عما كان عليه بعد الثورات، وبالأخص عند وصول الإسلاميين إلى الحكم في كل من تونس ومصر. "لقد أدرك راشد الغنوشي أن التحرك الشعبي الواسع ضد الرئيس محمد مرسي، ثم الانقلاب عليه من المؤسسة العسكرية، ودعم معظم دول الخليج لذلك، إلى جانب الموقف الأمريكي غير الحاسم وتأرجح السياسات الأوروبية تجاه الحدث، لم تكن سوى مؤشرات قوية على بداية رفع الغطاء الدولي عن الإسلاميين بعد فترة وجيزة من إدارتهم لشؤون الحكم في بعض دول المنطقة"[9].
4- القطيعة.. بين "المناورة" و"المبدئية"
ان مواقف راشد الغنوشي، التي جنبت تونس الدخول في مواجهة بين الاسلاميين والعلمانيين، وبين الاسلاميين والدولة، والتي كانت محل ترحاب وتم الترويج لها على أنها "نموذج" لاسلام معتدل، لا تعدوا في الواقع الا مجرد "تكتيكات" أو "براغماتية" سياسية، لأنها قامت على اكراهات سياسية أكثر من أنها مبنية على جهد فكري وتنظيري. ما يشير الى أنها لا تتجاوز حدود "المناورة السياسية". فالاسلاميون – بما في ذلك زعيم النهضة راشد الغنوشي- ما زالوا بعيدين عن تقديم قراءة واقعية لموقع الدين في المجتمع والدولة. بل أنهم كلهم يتبنون المقولة المركزية: "الاسلام هو الحل"، وأن "الاسلام دين ودولة". وهذا ما ذهبت اليه جل البحوث التي اهتمت بدراسة حركات الاسلام السياسي على تباينها، وتحديدا حركة "الاخوان المسلمين" التي تمثل التيار الرئيسي، لما يعرف بظاهرة الاسلام السياسي.
من ذلك أن الباحث الاسباني سيرخيو كستانيو ريانيو المختص في دراسة هذه الظاهرة، أكد في كتابه الأخير حول "الاخوان المسلمون بين الغرب والعرب" أنه يرى في التطور الحاصل هو تعبير عن "أن الإخوان أدركوا أهمية المشاركة السياسية بكونها الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهدافهم، التي ما زالت على المدى البعيد تتمحور حول أسلمة المجتمع والنظام السياسي من أجل إقامة الدولة الإسلامية المنشودة حتى وإن كان هذا الهدف وهميًا، خاصة في الدول التي يمثل المسلمون فيها أقلية واضحة. ويعتبر الكاتب أن هذه التنازلات تعبّر عن استراتيجية براغماتية أكثر مما تعبّر عن تعديل في الأهداف؛ وذلك في كل من الدول العربية والغربية، وإن وُجدت تباينات فرضتها الظروف المختلفة" [10] .

ما يجعل من المراهنة على وجود انقسامات وتباينات داخل الاخوان والجماعات التي تأثرت بها وبنهجها وبأدبياتها مجرد سراب و"حرث في أرض بور" كما يقال، نظرا لوجود روابط عقدية عميقة تتجاوز رابطة التنظيم [11] . من هنا فان تصريحات الغنوشي توضع في خانة ما يسمى بتقاسم للأدوار والمواقف بغاية الوصول الى "التمكين" – قيام الدولة الاسلامية الجامعة - . هذا هو حال الموقف النقدي للغنوشي من "اخوان مصر"، الذي اتخذه تحت اكراهات الواقع والضغوطات التي مارستها دول الخليج على هذه الجماعة، خاصة ما يتعلق بتورطها في الارهاب. الأمر الذي فتح عليها أبواب جهنم ، لا في الدول العربية فقط بل حتى في العواصم الغربية التي كانت الى وقت قريب قد مثلت ملاذا أمنا لقيادات الجماعة.
وفي هذا السياق أمر رئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون بإجراء تحقيق حول جماعة الإخوان المسلمين بسبب قلق حيال أنشطة هذه الجماعة في البلاد بعد تصنيفها في مصر مؤخرا كجماعة إرهابية. وقال المتحدث باسم الحكومة إن كاميرون أمر بإجراء تقييم داخلي تقوم به الحكومة حول فلسفة الإخوان المسلمين وأنشطتهم، وحول سياسة الحكومة إزاء هذه المنظمة. وأضاف المتحدث أنه "بالنظر إلى القلق المعلن بشأن الجماعة وعلاقاتها المفترضة بالتطرف والعنف، رأينا أنه من الشرعي والحكيم أن نفهم بشكل أفضل ما يمثله الإخوان المسلمون وكيف ينوون تحقيق أهدافهم وانعكاسات ذلك على بريطانيا"[12] .
وذكرت تقارير صحيفة بأن أجهزة الاستخبارات البريطانية مكلفة بجمع المعلومات حول الإخوان بالخارج وبريطانيا خصوصا عدد الأعضاء الذين لجؤوا إلى البلاد بعد عزل الرئيس المصري محمد مرسي في الثالث من يوليو/تموز 2013.. وهنا يبرز الطابع الأمني الذي أعطته بريطانيا لتحقيقها، في مؤشر على امكانية الكشف عن حقائق ستفرض عزلة دولية على الاخوان. وهي حلقة مرشحة للتطور نحو مطاردة الاخوان حتى داخل الدول المتحالفة معها، مثل تركيا وقطر.
بما يشير صراحة الى وجود قرار دولى ضد جماعة "الاخوان المسلمين" ونعنى هنا في المقام الأول "الجماعة الأم" في مصر. والذي لا يستبعد أن يطال لاحقا كل التنظيمات القريبة منها أو المتأثرة بها. وهذا ما حاول راشد الغنوشي زعيم "النهضة الاسلامية" في تونس استباقه، من خلال نفي وجود أية علاقة لحزبه بالاخوان، والتأكيد على أنهم حزب تونسي يخضع للقوانين الجاري بها العمل في تونس، تحديدا قانون الأحزاب. في رسالة طمأنة للداخل والخارج على حد السواء.
مراجع واحالات:
1/- راشد الغنوشي، من تجربة الحركة الاسلامية في تونس، دار المجتهد للنشر والتوزيع، 2011، مقال: العناصر الفكرية المكونة للحركة الاسلامية بتونس، ص 73
2/- أحمد المناعي، مدير المعهد
التونسي للعلاقات الدولي، راجع الرابط التالي:
http://www.turess.com/africanmanager/18159
3/- مطيع الحمداوي، أحد قادة الحركة الاسلامية في المغرب، راجع الرابط التالي:
http://www.hespress.com/abdelkrimmouti/73814.html
4/- راشد الغنوشي، المرجع السابق
5/- تصريح الغنوشي لوكالة "الأناضول" للأنباء، راجع الرابط التالي:
http://www.hespress.com/international/84902.html
6/- الغنوشي المرجع السابق
7/- الغنوشي المرجع السابق
8/- صلاح الدين الجورشي، ماذا يعنى خروج حركة النهضة من السلطة؟، موقع "عربي 21"
9/- سيرخيو كستانيو ريانيو،
الإخوان المسلمون بين الغرب والعرب،
عرض: نعومي
راميريث دياث، راجع الرابط التالي:
http://studies.aljazeera.net/bookrevision/2014/04/201447123239907534.htm
10
/- يرى الباحي الاسباني سيرخيو كستانيو ريانيو، أنه لا يمكن الحديث عن تنظيم دولي منظم للإخوان المسلمين تابع للجماعة الأم بمصر، التي أُنشئت منذ أكثر من 80 سنة، وأن ظاهرة نشر فكر الإخوان المسلمين المعتدل خارج البلدان العربية؛ حيث معظم السكان ينتمون إلى السُنة، جاءت نتيجة لظروف اعتباطية وليس كمشروع دعوي خططت له الجماعة. و ان كان هذا لا ينفي فرضية وجود " تنظيم دولي غير رسمي يرتبط فكريًا ومبدئيًا بجماعة الإخوان التي أسسها حسن البنا، ويعتبر أحد أهم الممثلين عن الجاليات المسلمة في أوروبا".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.