المسيحيون العرب ليسوا رقماً زائداً كي يتم مسحه أو الاستغناء عنه . هم جزء أصيل من جغرافية العرب وتاريخهم وحضارتهم وثقافتهم . ليسوا أبداً دخلاء على المنطقة العربية . . أبداً . . هم أبناء هذه المنطقة، هم من ترابها، منغرسون فيها، ومتجذرون . لا يحق لأحد أياً كان أن يزيحهم أو يزيلهم أو يختزلهم، أو يشردهم ويطردهم، إنهم ملح الأرض التي تقاسمناها وعشنا سوياً عليها . معاً بنينا حضارتنا وكنا رواداً لها في مشرق الأرض ومغربها، ومعاً شيّدنا تاريخاً لا تزال صفحاته البيضاء ناصعة مشرقة في التآخي والود، في السرّاء والضرّاء، في مواجهة كل الطامعين أو الطامحين . نحن معاً، أبناء هذه الأرض المقدسة التي جاء منها الأنبياء وخرجت منها الرسالات، وعلى أرضها سار الرسل والقديسون . كنا وما زلنا شركاء حتى في الماء والهواء والدم . . فمن له الحق في أن يمزق هذا الجسد الواحد أو يعبث بمكوناته؟ فمن يخيّر مسيحيي العراق وسوريا وغيرهم بين اعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو الرحيل أو القتل ، ومن يقوم بتدمير الكنائس وبيوت الله والمراقد والمقامات الدينية، هو مجرم وقاتل ومرتزق بكل المقاييس، ولا علاقة له بهذه الأمة ودينها وحضارتها وتاريخها . كان المسيحيون العرب ومازالوا أبناء هذه الأمة وسيفها وقلمها، ومنهم الأخطل الصغير، وجبران خليل جبران، وخليل مطران، وميخائيل نعيمة وسعيد عقل وأمين الريحاني ومارون عبود وأمين نخلة، وحنا مينا، وكوليت خوري وإميل حبيبي وأمين معلوف ورشيد الخوري . . وغيرهم، هذا عدا العشرات من الأدباء المسيحيين الذين أثروا اللغة العربية بدراساتهم ومعاجمهم، والأديرة التي حافظت على اللغة العربية وحمتها، وقادة الفكر المسيحيين الذين كانوا شركاء في صنع النهضة العربية، ورواداً في تأسيس الفكر القومي العربي، ومنهم العشرات من رجال الدين الذين نذروا أنفسهم من أجل القضية الفلسطينية مثل الأب عطا الله حنا، والمطران هيلاريون كبوجي وغيرهما . إن الحملات الإجرامية التي تقوم بها "داعش" الآن ضد المسيحيين في العراق وسوريا بهدف اقتلاعهم، هي في الواقع جزء من مؤامرة كبرى لتمزيق الأمة وتفكيك عراها، وتستكمل مخطط "الفوضى الخلاقة" التي تضرب المنطقة العربية، وتصب في مصلحة الكيان الصهيوني في نهاية المطاف. ___________________________________ المصدر: افتتاحية جريدة الخليج الاماراتية بتاريخ 6 أوت 2014