برلمان "بن علي" عاد ليشتغل في نفس الفضاء وبنفس الآليات وأساليب العمل : الإجماع ثم الإجماع فتصفيق فعناق فجِماع بين النوّاب وأعضاء الحكومة ، ليخرج بعدها الجميع فرحين مسرورين وقد هلّلت أساريرهم علاماتُ النصر على "الأعداء" ويأوون بعدها إلى كراسيهم الوثيرة التي ندفع لهم مقابل تأثيثها "دمْ قلبنا" بدا إخوان الصفا وخلاّن الوفاء حائرون ، يفكّرون ، يتساءلون في جنون ، يفكّرون ، يتساءلون ، يتهامسون ، يتخيّلون أشياء وأشياء ، أسماء وأسماء ، ويضيع كلّ هذا هباء ، على قول العندليب الراحل عبد الحليم حافظ في رائعته حبيبتي من تكون . انكشف المستور ، وأخذ النّور طريقه لسراديب الظلام التي يديرون منها الشأنَ العام ، فحزم جماعة شرعية "جراية العاميْن تأسيسي" أمرهم وقد هالهُم ما افتضح من أمر حكومتهم ممّا أصبح اليوم يُعرّف بكامل الأوصاف جريمة دولة ، فسارعوا بنداء الوزير المعني للتوضيح والمساءلة دفعا للحرج ومنعا للتوظيف من "الأعداء" ، مع اتّفاق مسبق بأنّ الأمرَ لن يتعدّى حاجز "ضرْب الهجّالة في بنْتها" انطلق هكذا أعضاء فرقة "الكورال" في إلقاء ما حشوْا به ذاكرتهم مع تغيير طفيف في السلّم الموسيقي بين المأدّين للأدوار ، فانتصب المايسترو خطيبا يكرع من عتيقِ خمرة مفردات الدولة والهيبة والقانون والأمن ما شاء له وطاب ، وهو الذي هدّد المعارضين يوما بالقتل والسّحل في الشوارع ، فكان الفعل بعد أيام ، ودفع ثمنَه محمد البراهمي رحمه الله بالأسلوب الذي نعلم جميعا ، فوشّحوا مكانه بيافطة كُتب عليها اسمه مع إضافة عبارة الشهيد بدا الرجل في أقصى حالات الغضب والحنق ، كيف وقع تسريبُ الوثيقة الواردة على الداخلية المتعلّقة بوجود مخطط لاغتيال النائب البراهمي ؟ كيف يقع تسريب وثيقة تمسّ من أمن الدولة ؟ هذا أمر جلل ، ومسألة خطيرة ، وجريمة يعاقب عليها القانون ( إينعم يا بوڤلب ) وهو ذات القانون الذي يُطلق به سراح الإرهابي ويسجن الصحافي !!! نعم صعق السيد المايسترو من "صْبع القابلة" ولم يهُلْه مشهد آلام الأمّ وأهوال الوضع والولادة ، لم تحرّك مشاعره الرقيقة جداااا صورة البنت ووالدها يحتضر في حضنها بعد رميه برصاص الغدر ، فتلك في ذهنه "بهيم وڤدم قرعة" ، ولم تَثُرْ وطنيّتُه المتدفّقة إزاء التقصير بل التواطؤ الفاضح في تنفيذ الاغتيال ، وعمليةُ التخطيط لها تعلمها سراديب الداخلية قبل نصف شهر تقريبا . كلّ هذا في ذهنه "حْكاية فارغة" وجزئيات لا طائل من وراءها ، المهم من سرّب المعلومة وفضح المستور ، وهو في كلّ الحالات لن يكون ثاني اثنين حسب تقديره ، فإمّا نقابات الأمن ، وإمّا الأمن الموازي الذي أقرّ وزيره في الأخير بوجوده ، وهما بالنهاية أشقّاء من نفس الأب والأم … بعد المايسترو صعد أحد المبتدئين في الجوقة ليتلوَ على مسامع الحضور ما تيسّر من علوم الروز بالفاكية وكيفية توزيعه في "الباقية" (الصحن) لإطعام جماهير باردو الشّاقية ، ليختمَ برنامجَ الحفل عندليبُ الجماعة وشُحرورُها الشذي المسمّى مالك الحزين ، فيرفع عقيرته بالفيتو المعتاد أمام كلّ جهد وفاق على ضعف إرادة إخوانه في الترويكا به ، ف"المزْلس" سيّد نفسه والآخرون عبيد ، وليطلب من وزير الداخلية كشفَ الستر عن أول وآخر مطلب وهمّ التونسيين الأوحد ماضيا وحاضرا ومستقبلا وهو أرشيف البوليس السياسي لنعرف "راسْنا من ساقينا" ، فيسهُل علينا إطعام الجائع ، وتشغيل البطّال ، وإصلاح التعليم ، وتطوير الإدارة ، وتعديل التشريع ، وتحقيق التنمية ، وإطلاق عجلة الاقتصاد المُحتضر ، والكشف عن القتلة والمجرمين ، وأخيرا القضاء على الإرهاب (إن شاء الله راسكم حي) " فبأي آلاء ربّكما تكذّبان" . ذلك هو المشهد الذي وقف عليه التونسيون يوم الخميس في مجلس "التبسيس" ، مشهدٌ ذكّرهم بأنّ زمنَ طمس الحقائق -ذلك الكيد القديم الذي به يطمس بعضهم الحقيقه ويعلنون غيرها ويسمّونها بغير أسمائها- لم ولن يفارقهم يوما وكأنّه "كاتبْ عليهم الصداق" ، لكنّ الأدهى والأمرّ أن ينتصب من يدّعي أنّه ممثّل للشعب ومنتخب مه منظّرا مدرّبا بل ومؤسّسا لطمس الحقيقه وتغليف الباطل وتزيينه بأغلفة برّاقة تخدع أعين الدهماء من الناس حتى يروا الحسن قبيحا والقبح حسنا ومع ذلك فات هؤلاء ، أنْ أتى على هذا الشعب طيلة فترة حكمهم الحالك ، من الفواجعُ والزّوابع ، ما كشف باطن أهل طمس الحقائق وسوءَ طويَّتهم ، وتعرّى رداءُ المداوَرة ، وتمزّق ثوبُ المراوغة ، الذي يلتحفون به مصداقا لقول الله تعالي : "أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُم" . صدق الله العظيم … تنويه : كل ما ينشر في ركن " الرأي الآخر " لا يلزم إلا صاحبه