بعد ربيع عربي جارف عصف بحكم أنظمة دكتاتورية في المنطقة جعل الشعوب العربية تتطلع إلى مستقبل مشرق يكون العدل أساسه و الحكم الرشيد عنوانه لكننا ليومنا هذا لم نر شيئا من هذه الأهداف قد تحققت بل شهدنا نكسات على مسار تحقيق أحلام هذه الشعوب و شهدنا ِردّة فعلية في مصر على المسار الثوري و انتصار للثورة المضادة كما شهدنا فشلا لحركة النهضة في قيادة البلاد و تحقيقها لأهداف الثورة و إصلاح ما أفسدته الأنظمة السابقة في البلاد. فالأخوان في مصر بسذاجتهم فرطوا في ثورة كانت ستجعل منهم أبطال تاريخيون ساهموا في تغيير مصير البلاد من الأسوأ إلى الأصلح لكنهم ركنوا للجيش المصري و دخلوا معهم في لعبة خسروا بها الثوار و السلطة معا و دفعوا ثمنا غاليا من الدماء و الأرواح. هذا الركون للجيش هي بداية انحراف الثورة المصرية و اخراج فصيل مهم منها ألا و هو الفصيل الإسلامي و جعله طرفا مهادنا للجيش مما أدى إلى مذبحة شارع محمد محمود مما جعل الثوار يومها يؤمنون بقولة جمال عبد الناصر: الأخوان مالهمش أمان. بل الأدهى و الأمر فقد خوّن الأخوان هؤلاء الثوار و اتهموهم أنهم يعرقلون المسار الثوري و توجّه مصر نحو انتخابات ديمقراطية يختار فيها الشعب المصري رئيسا مدنيا لأول مرة في تاريخ البلاد يقود هذه الثورة و يحقق أهدافها. قبل الاستطراد في تحليل ما وقع فيه الأخوان من أخطاء قاتلة أوصلتهم و أوصلت البلاد إلى ما نراه اليوم, يجب علينا أن نتذكر أن المجلس العسكري الذي حل مجلس الشعب و حرم الرئيس القائد من سلطة تشريعية ليتقزم دوره و يصبح المنصب منصبا لا قيمة له و بالتالي سيعجز الرئيس عن فعل شيء ذي بال و قد رأينا التخبطات التي سقط فيه و أراد أن يجعل السلطة التشريعية بيده حتى يتم انتخاب مجلس شعب جديد. كل ما سبق ذكره يُبين أن الجيش المصري من خلال مرحلة حكم المجلس العسكري السابق بقيادة المشير طنطاوي سابقا و بسيطرة الفريق عبد الفتاح السيسي أنه اللاعب الأساسي بل الأوحد في الحياة السياسية المصرية و أنه هو الذي وضع مسارا معينا لاحتواء الثورة و نجح في ذلك نجاحا كبيرا ليجعل الصف الثوري مشتتا و غير موحدا لتحقيق حكم رشيد في البلاد و حياة سياسية تليق بشعب قام بثورة على التسلط و الدكتاتورية. فلنرجع الآن للأخوان و مواقفهم و الذين خانوا مبادئهم و انتهجوا سياسة النفعية و البراغماتية و اتخذوا من أنصاف الحلول و ضبابية المواقف منهجا ضيع السلطة منهم, لأن هذه الجماعة نسيت مرجعيتها ألا و هو الإسلام و القرآن الكريم قد وضح المنهج الحق في التعامل مع المواقف الحاسمة و المثبتة للحق فقال الله تعالى :وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ سورة هود الآية 113 و كان هذا الخطأ القاتل هو الركون للذين ظلموا من أعوان المجلس العسكري و عبد الفتاح السيسي الذي كان مقربا من محمد مرسي لدرجة أنه كان لا يشك في أنه يمكنه أن ينقلب عليه يوما بل و ما هي النتيجة؟ كان خذلان من الله و عدم نصرته لهم فسلامة المنهج في التعامل مع المواقف التي تنتصر للحق و تبطل الباطل كان أولى من منهج السلامة الذي جعلهم يضعون يدهم في يد الجيش و يقبلون بلعبة وضع قوانينها المجلس العسكري فكانوا أشبه بممثلين يمثلون سيناريو وضعه كاتبه حيث لا قدرة لهم على اختيار ما يقولونه أو ما يمثلونه. هذا حكم الأخوان في مصر لكن أليس هنالك من نقاط تشابه بين حكمهم و حكم النهضة في تونس؟ هل سنرى مصيرا مماثلا للنهضة في تونس؟ حسب رأيي هنالك تشابها يكاد أن يكون متطابقا فالنهضة عاشت تقريبا نفس الأحداث حيث دخلت لعبة سياسية تم وضع قوانين لعبتها من قبل مجلس تحقيق أهداف الثورة بقيادة العياض بن عاشور فوضع قانون انتخاب أضر بحركة النهضة و جعلنا نشهد مجلسا تأسيسا استوى فيها من حصل على عشرات الآلاف من الأصوات مع من جمع مئات منها لنشهد بعدها حكمها مع شريكيها المؤتمر من أجل الجمهورية و التكتل من العمل و الحريات و قد كنا نأمل أن هذه السلطة الوليدة اثر انتخابات الغير مزورة في تاريخ البلاد ستحقق أهداف الثورة و تحاسب من أوصل البلاد إلى هذه الأوضاع و ترجع حقوق من ظُلموا على يد الأنظمة السابقة و تصلح ما أفسدوه و تصلح الجهاز الأمني الذي أذاقنا كشعب الويلات فعذب و قمع و قتل و أهان الشعب التونسي كما كنا نحلم بإصلاح القضاء و غيرها من الأجهزة التي امتدت إليها يد الفساد و الافساد, لكننا بعد سنتين تقريبا لم نحصد سوى الخيبات و أصبحت حركة النهضة خارج حسابات الثورة و أهدافها التي هتف يوما مفجروها يسقط جلاد الشعب يسقط حزب الدستور لنستفيق يوما على جلسات و حوارات تدور بين قيادات النهضة و قيادات تجمعية سابقة كان الأولى محاسبتها و اخراجها من المشهد السياسي برمته و هنا نقطة التشابه الكبرى بين حكم الأخوان في مصر و حكم النهضة في تونس حيث ركن الأخوان و جلسوا مع من كان يشارك في ارساء ديكتاتورية مبارك فقد نسي الأخوان أن الرؤساء الثلاثة عبد الناصر و السادات و مبارك كانوا من الجيش و أن الجيش هو من يحكم مصر و هكذا فعلت النهضة فهذه اليوم تجلس مع قيادات التجمع و رموزهم و أحزابه و أصبح التجمعيون اليوم يتفاوضونهم من أجل حل الوضع السياسي في تونس من خلال ما يطلقون عليه حوارا وطنيا لتشكيل حكومة تقود البلاد لموعد انتخابي جديد يكون فيه التجمع لاعبا جديدا قديما و محققا اعترافا به كشريك سياسي لأي انتقال سياسي في البلاد. و هذه نقطة اشتراك أخرى بين حكم الأخوان في مصر و حكم النهضة في تونس فكليهما اختارا منهج السلامة بدلا عن سلامة المنهج الذي كان يقتضي قرارات ثورية تكمل ما قام به الثوار من جهد و تضحية ليتم التضحية بالثوار و الثورة مرة أخرى و هو نفس ما حصل في مصر في موقفة محمد محمود. و اليوم تصر النهضة على أن تسلم الثورة و رقبتها على طبق لأعداءها لتدخلنا في مرحلة المجهول و ضياع أحلام الثوار أحلام الشعب التونسي الذي راهن يوما على حكم حركة النهضة فهل سنشهد سقوطا مدويا لها في تونس مما يجعلنا نستحضر واقعا و قاعدة تكاد أن تكون مقررة أن الإسلاميين لا زالوا خارج فهم اللعبة السياسية و أنهم سُذج يعطون لأعداهم ما لا يحلمون به ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ أبو عبد الله القيروان