باريس (الشروق) من مبعوثنا الخاص سفيان الأسود: لايزال العالم يستحضر الآن أمامه تلك الصور والمشاهد التي نقلتها شاشات العالم حول المواطنين الاوروبيين وهم يتظاهرون ويرقصون فرحا في الساحات العامة رافعين الاعلام بوحدة أوروبا بعد دخول دول أوروبا الشرقية العشر الى الاتحاد العملاق... لكن الكثير من الذين شاهدوا وأعجبوا بتلك المشاهد التي هزت ساحات دول أوروبا الشرقية لم يكونوا على اطلاع بحقيقة مشاعر الكثير من الاوروبيين الذين لم تهزهم الفرحة بوحدة قارتهم... فالجميع يعرف بأن أوروبا الموحدة كانت دائما حلم العمالقة من رجال السياسة في أوروبا وخاصة الغربية منها... وحلمهم ذلك كان دائما مرتبطا بحسابات سياسية وجغرافية واقتصادية كثيرة بعيدة عن اهتمام المواطن العادي في أوروبا الغربية الذي يهتم برفاهته وبالمبالغ التي تقتطع من مرتبه لفائدة مصلحة الضرائب وبعطلته السنوية أكثر من اهتمامه بدخول عشر دول جديدة، للاتحاد العملاق... لكن حلم رجال السياسة الذي تواصل سنوات تحقق الآن فقد كانت رغبتهم كبيرة في جعل أوروبا، كل أوروبا عملاقا اقتصاديا يهز العالم وتجمّعا سكانيا هو الاكبر الآن في العالم حيث يضم 450 مليون نسمة مما يجعله من أكبر الاسواق العالمية. ومع حلم رجال السياسة كان حلم رجال الاقتصاد وأصحاب المؤسسات والشركات العملاقة في أوروبا الغربية الذين يتعاملون مع «الاتحاد» بمنطق المبيعات والتسويق،،، فقد تحقق حلمهم في فتح أسواق أوروبا الشرقية وهم يعرفون مدى تعطش أهلها وسكانها للسلع والبضائع الجاهزة للتدفق عليهم الآن... فرجال الصناعة والاقتصاد يدركون جيدا أهمية تلك الاسواق التي أصبحت الفضاء الحيوي لهم ولمؤسساتهم في الوقت الذي ظهر فيه في العالم عمالقة جدد... حسابات رجال السياسة والاقتصاد كانت بعيدة عن حسابات المواطن العادي في فرنسا وفي ألمانيا الذي يخشى على مصيره من توسع الاتحاد... وتلك الخشية لها أسبابها ولها منطقها فالمواطن الفرنسي لا يخفي الآن ارتباكه وخشيته من تحوّل الاستثمارات الى أوروبا الشرقية التي لاتزال فيها اليد العاملة الماهرة رخيصة ولاتزال الاجور والضرائب فيها متدنية ولايزال الاستثمار فيها يمكن أن يكون وسيلة سهلة لتكديس الملايين في وقت وجيز... ويخشى المواطن العادي في أوروبا الغربية أن يساهم تحوّل الاستثمارات وتدفقها نحو دول الاتحاد الجديدة الفقيرة والتي لايزال مستوى الحياة فيها متدنيا في ارتفاع نسبة البطالة في دول مثل فرنساوألمانيا في الوقت الذي تسجل فيها البطالة في هذه الدول أرقاما مفزعة خاصة في العواصم وفي المدن الكبرى. وليس خافيا أيضا أن المواطن في فرنساوألمانيا وايطاليا له حساسية تجاه المهاجرين ووحدة أوروبا ستتيح الآن تدفق آلاف المهاجرين والعمال من الدول الجديدة بحثا عن رفاهة الغرب وما يثيره ذلك من مشاكل اجتماعية وسكانية وديمغرافية جديدة لا قبل للمواطن العادي في فرنساوألمانيا بها... ويدرك المواطن في دول أوروبا الغربية والغنية الآن أن تحسين مستوى عيش مواطني الدول الجديدة للاتحاد وتوفير البنية الاساسية لها وخلق وبعث مرافق للخدمات لتكون في مستوى الدول الأم للاتحاد سيكون على حسابه وعلى حساب رفاهته. فالدولة الفرنسية الآن تطلب من مواطنيها دفع ضريبة تقدر ب 145 أورو عن كل شخص لفائدة التنمية والنهضة في دول الاتحاد الجديدة معتبرة أن حلم تحقيق وحدة أوروبا يبقى أهم انجازات رجال السياسة في مفتتح هذا القرن الجديد الذي يشهد حسابات سياسية واقتصادية جديدة لم يعرفها العالم من قبل حتى أن أوروبا الموحدة عجزت عن بناء مواقف موحدة من الكثير من القضايا والازمات التي هزت العالم في السنوات الاخيرة... وستكون الدول الغنية في الاتحاد مطالبة بمنح الدول الجديدة ما قيمته 40 مليار «أورو» لفائدة تقدمها ونهضتها ورفاهة شعوبها التي عانت سنوات وعقودا طويلة من الحرمان والظلم والفقر زمن هيمنة الانظمة الشيوعية وعندما كانت أراضيها قواعد للجيش الاحمر السوفياتي حامي قلاع الشيوعية حينها والطرف الاقوى في معادلة السلطة التي كانت تحكم شعوب أوروبا الشرقية بالحديد والنار و»الفودكا» أيضا... فتحسين البنية الاساسية والرفع من مستوى عيش سكان الدول الجديدة يحتاج الى تكلفة باهظة ستدفعها دول أوروبا الغنية من ضرائب شعوبها وسكانها فحلم رجال السياسة والدولة قد تحقق الآن... لكن الأكيد هو أن أوروبا الموحدة الآن والتي تضم 25 دولة وتضم 450 مليون ساكن مما يجعلها أكبر التجمعات السكانية في العالم قد تحقق ولا يهم مخاوف المواطنين في دولها الغنية... ولا شك أن وحدة القارة الاوروبية ستساهم في خلق معادلات جديدة في مجال السياسة والاقتصاد العالمي رغم مخاوف بعض رجال السياسة من أن يزيد توسع الاتحاد الاوروبي ودخول الدول الجديدة في عرقلة مشروع الدستور الاوروبي وهو الحلقة الاهم والنهائية في مسيرة حلم اتحاد القارة العجوز، ذلك الحلم الذي عاصر أجيال أوروبا طيلة سنوات وعقود وتحقق الآن لتنطلق من جديد رحلة العملاق الذي قد يغير موازين الاقتصاد والسياسة في العالم...