مازلنا لم نلتقط بعد أنفاسنا من أثر ما انهال على رؤوسنا من صور سجن «أبو غريب» ومن أثر المسافات التي قطعناها بواسطة التأويل بين تلك الصور ومقاصدها السياسية والأخلاقية حتى حملت إلينا شاشات التلفاز ومواقع الأنترنت صور ذبح المواطن الأمريكي «نيكولاس بيرغ» على يد «أبو مصعب الزرقاوي» وجماعته. وليس يعنينا أن نقارن بين هذه وتلك فليس أكثر مدعاة لتهويل جريمة من عقد مقارنة بينها وبين أخرى وإنما يعنينا عدم الخلط بين الأوراق على نحو ما يفعل السيد «كولن باول» وهو يتساءل لماذا لم يندد العرب بذبح المواطن الأمريكي في تلميح، ليس أقلّ من تصريح، إلى أنهم هم منتسبو العالم الآخر والحضارة الأخرى قد تدافعوا قبل العرب أنفسهم الى التنديد بفضائح «أبو غريب» فما علينا إلا أن نتدافع للتنديد بجريمة «أبو مصعب».. وهذه بتلك ويوم لنا ويوم علينا.. ولا يخفى على ساذج أن هذا منطق أعرج اللّهمّ إلا إذا كان ساذجا بحسب المواصفات التي يفرضها «كولن باول» بحيث يتعين عليه ألاّ ينتبه الى عرج هذا المنطق وإلا يتمّ تصنيف ذكائه في خانة تبرير الإرهاب.. ولا يعني ذلك أن نتنصّل من مسؤولية التنديد بكل جريمة بما في ذلك جريمة ذبح المواطن الأمريكي وإنما ينبغي أن نتصدّى للعبة التذاكي التي يخاتلنا بها السياسي الأمريكي عندما يساوي بين فظاعة «أبو غريب» وفظاعة «أبو مصعب» ويجرّدهما من سياقهما المختلفين فكأن ليس وراء الأولى منطق الدولة، الدولة المبشّرة بالحرية وحقوق الانسان وكأن ليس وراء الثانية منطق «الجماعة الجهادية» أو «العصابة الشرّيرة» أو «التنظيم الإرهابي». «أبو غريب» علامة الفقر الأخلاقي للدولة التي تفعل في مواطني دولة أخرى نقيض ما تشرّعه لمواطنيها. و»أبو مصعب» علامة مؤسسة غائبة بعد (الدولة الاسلامية) ولكنه ينصب نفسه ناطقا رسميا باسمها ومنفذا لما يعتقد أنه من أحكامها العادلة، ولذلك فهو علامة «الإيمان البخيل» الذي يعطل الكرم الإلهي : الحق في الحياة، بتعلّة «قصاص» لا يقوم له أي سند لا من فقه القضاء الاسلامي ولا من الشريعة نفسها. وعندما يجرّد السيد «كولن باول» الجريمتين من سياقيهما ويدمجهما في نفس المفهوم فهو يطلب منا أن نندّد بالجريمة من حيث هي مفهوم لا بالجريمة من حيث هي حدث، وهو يتغافل بذلك عن أن مفهوم الجريمة ليس جريمة. فالجريمة دائما حدث، وهي بذلك تحوز معناها : فظاعتها أو بساطتها، غرابتها أو تواترها من الحدث الذي تتحقق به، والحدث منوط بسياق يستقي منه دلالته بحسب قيمة هذا السياق ومقاصده، وما من حدث يساوي حدثا لأنه ما من سياق يساوي سياقا إلا إذا جارينا السياسي الأمريكي في لعبة التجريد (وهو بالمناسبة ليس تجريدا لغاية معرفية تتمثل في محاولة الإلمام بالحقيقة، وإنما هو تجريد على سبيل المناورة السياسية).. يريد السيد «كولن باول» أن يجعل من «أبو مصعب» توأما ل»أبو غريب» ليس من أجل المساواة بين الادارة الأمريكية و»الادارات العربية»، وإنما من أجل المساواة بين الضحايا: ضحايا «أبو غريب» يتم اغتصابهم وقتلهم والتشنيع بهم على أرضهم من قبل المحتل وضحية «أبو مصعب» يتمّ ذبحه على أرض غير محرّرة لكنها تحت وصاية دولته التي تحتل.. يريد أن يجعل منهما توأما على أن نقرّ أن «أبو غريب» ابن عابر في السلالة الأمريكية يكفي توبيخه حتى يتم التبرّؤ منه وعلى أن نقرّ أن «أبو مصعب» ابن ثابت النسب للسلالة العربية مادمنا لم نندّد به.