بقلم الأستاذ : جمال الدين بوغلاب ماذا جرى لدجلة؟ احتبس مصبه! أم تاه عن شط العرب؟ ماذا جرى لأنهارنا العظمى؟ حولت اتجاهها بدون سابق اعلام أو سبب؟! فتاه الملاح وجف حلق الفلاح، وساد صمت مريب استحل مكان الكلام المباح فإذ بالنباح يسطو على ما سواه. تتشابه الأسماء وتتداخل الأدوار فتضيع الملامح وتهجر الزمان من قسوة صورة ومآل، وكما يقول لسان حال «العربي» البسيط، حانت ساعة ضرب الأخماس في الأسداس وتعديل الشعور المعلن والمواقف المصرح بها على وتيرة «النظام القبلي الجديد». ولا يكف بل لا يستحي المتكلمون في «السلام بالسياسة». ونسي القائل أن ما يحدث لأمة العرب اليوم من العراق إلى الصحراء الغربية وصولا الى «دارفور» ليس إلا تنفيذ النبوءة توراتية وتحالف عقائدي يستعدي الأمة والإنسانية، واذ ترسخ في أذهاننا هذه المثولات فإننا لا نبحث عن تبرير لعجزنا الحضاري، بل نحاول أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية جاء في الاصحاح 3/14 أن الملوك في جيوشهم سيأتون من شمال فلسطين وجنوبها ومن الشرق والغرب وبشكل درامي ومثير وستكون فلسطين وادي القرار والمصير للإنسانية في أرض المعركة الكبرى من أجل الانهاء والسيادة فتتحقق المأساة للإنسانية كشرط أساسي لاقامة «العدالة المطلقة» وعودة المسيح الإلاه؟!!... وينسب هؤلاء لمن سواهم بدءا بالعرب بصرف النظر عن قناعاتهم ومعتقداتهم أنهم يكرهون سيادة إلاههم وعليه فإن من الشروط والعلامات الكبرى شيئان. أولهما : أن نهر الفرات سيجف (اصحاح 16/12) وثانيهما : تدمير القدس وفي هذه الأثناء يؤكد أحد أبرز آباء هذا التيار في الولاياتالمتحدة «فولويل» استنادا الى اصحاح حنا : «ان كل صقور السماء سوف تنهش في لحوم الملوك ومن لحوم القادة ومن لحوم الرجال الأشداء ولحوم الأحصنة وفرسانها. ولحوم كل الرجال الأحرار منهم والعبيد الكبار والصغار، وأن السلام ضرب من المستحيل أو المحاذير العقائدية التي تؤجل المعركة ولا تحسمها. وماذا عساه يقول من ينظر للتعايش والحال أن الرفض املاء لاهوتي تصوري. وهكذا خلفية تفسر ما يحدث اليوم في العراق وسائر المواطن المشتعلة على الخارطة الخضراء لجامعة الدول العربية. وحتى لا نسقط في التعميم المشوش للمفاهيم نضرب مثالين الأول نستشفه من خلال ما تعرفه المنطقة من أعمال عنف تحت مسميات حركية غير معلومة. بل وحتى لو كانت معلومة نسبة فلا بد من النفاذ الى محركها الفعلي وهو ما يُملي على «الباحث» الاستراتيجي في اطار سياسات الأمن القومية أو القطرية على السواء أن يضع في اعتباره تحديد الأسس المعرفية أولا لقطع الطريق على تصاعد «المد الاستئصالي» لأنه لن يكون في نهايته إلا تمثلا بتدبير للنهج «التدبيري» الذي يقوده أقطاب اليمين المسيحي الصهيوني وأدق مثال على ذلك هو احداث سبتمبر 2001 حيث لم يتضح الى حد الآن الفاعل الحقيقي وتشخيص عملية التنفيذ ولو كان فيها من العرب فإن المسألة لن تكون على النحو المسوّق له ولن تكون بهذه السذاجة المروجة. أما المثال الثاني. فنقرأ ملامحه من خلال ما يحدث في الساحة العراقية وبدون اسهاب لا تحتمله المساحة. فإن الخطوات المتخذة والمرتجلة والمضطربة للأيام الأخيرة لسلطة الاحتلال تعكس بما لا يدع مجالا للشك بأن المراد هو اختزال الخسائر في جغرافية العراق وتحجيم آثار العدوان بما لا يطال الأهداف القريبة المدى وعلى رأسها الحملة الانتخابية الأمريكية، لذلك جاءت مسرحية تسليم السلطة وهي لا تعدو كونها تقديما وتأخيرا أما التقديم فلدروع قرار أمريكي بلسان عربي ومن خلاله الرهان على طبيعة تركيبة المنطقة القائمة على أسس عشائرية موروثة وعرقية مملاة من الخط الخارجي مثل الكيان الفيدرالي الكردي. وتأخير بل توار عن الأنظار لمتحدث أشقر فضحته صور «أبو غريب» والشارع الإنساني العالمي. والهدف المركزي من خلال هذه الخطوات علاوة على مسرحية المحاكمة هو مزيد من الاحتقان الداخلي وهدر دم أبناء العرب حتى تطول بهم مساحات الثأر وينصرف الجميع عن الأهم وهو استهداف باقي المنطقة بأساليب وتعلات وفيرة ومتنوعة والسؤال المفصلي هو : أما آن لنا أن نغادر مربع الارتكاسات وردود الأفعال ومزاجية القرار السيادي؟ لصالح نهج لا نطلب ثماره اليوم، بل نطلب تجميع رجاله والكفاءات القادرة على تأمين الجبهات الداخلية. فصور محاكمة الرئيس العراقي ليست هدفا لصاحبها، فهو انتهى بل ... إن الهدف الأول والأخير هو التلويح من بعيد لكل نظام عربي وطني بقائمة ممنوعات أولها امتلاك العقول المؤيدية للقرار التاريخي. ولا يسعنا إلا اقتراح أن تحتمي سلطة العرب بعقول أبنائها حتى نختصر الفجوة ونفوت الفرصة واننا لقادرون بل ومستعدون بلا مقابل غير شرف الانتماء وليضرب الضاربون بما يريدون. * يراجع في هذا الكتاب «النبوة والسياسة» لغريس هالسل (ص 70) .