بقلم : عبد الرحمان مجيد الربيعي مع تسلّم ما يسمى (السلطة المؤقتة) من الاحتلال بموجب سند التمليك الذي قدمه بريمر قبل مغادرته الشبيهة بالفرار، ظهر أعضاء هذه الحكومة على كافة الفضائيات العربية والأجنبية متحدثين عن السيادة التي نالوها وعن الديمقراطية التي سينشرونها في طول البلاد وعرضها كما تحدث رئيس الحكومة عن الأمن الذي سيستتب فوق أرض الرافدين. وكان أول استعراض لممارسة هذه السلطة هو نقل الرئيس العراقي وعدد من القادة في فترة حكمه الى المحكمة نفسها التي كانوا يبثون صورها، وكيف أن محاكمة الرئيس ستكون فيها. بعد غياب أكثر من عام رأى العراقيون رئيسهم الذي أبعدته قوات الغزو المتفوقة في العدد والعدة وقد وجدنا كيف سيطر الصمت على رواد مقاهي بغداد والمدن الأخرى من خلال اللقطات التي بثتها الفضائيات كانوا يبحثون عن الشخص الذي لم يعرف أبناء الثلاثين إلا من هم أصغر سنا منهم رئيسا غيره، له الأناشيد والتماثيل والجداريات، وله الكلمة الفصل التي لا يجرؤ أحد على مناقشتها. كأن رئيس وأعضاء الوزارة المؤقتة هذه أرادوا أن يجعلوا ظهوره علامة على قوتهم وتنفيذا لما وعدوا به الناس. لكن كما بدا لي من خلال ما رأيت وما سمعت من مناقشة بين الرئيس ومستجوبه في المحكمة ان هذا هو صدام الذي عرفناه رغم التبدّل في هيئته، النحافة، واللحية المشذّبة وهي غير اللحية التي أظهروه فيها وهو شبه مخدّر معلنين أنهم قد وجدوه مختبئا في حفرة، وصوّروها لنا حتى نتأكد أنه كان فيها، وكل هذا اخراج هوليودي من أجل طمس صورته التي يعرفها العرب والعراقيون. ولكن ها هو وأمام المحكمة ورغم تأثير الزمن وزوال بهرجة الحكم عنه مازال ذلك القوي الذي لا يتزعزع بحيث أوردت عدة صحف وعلى لسان عدد من المعلقين أنه هو الذي كان يحاكم من يحاكمونه، أو أنهم ظنوا هذا، وأفسد عليهم خطتهم. كان المشهد كما توقعته في مقالي السابق الذي كتبته قبل ظهوره، ولم يختلف السيناريو المتوقع مني عن السيناريو الذي رأيناه. ويبدو لي أن ظهوره وقوة حضوره التي عهدها الذين عايشوه رئيسا حوالي الثلاثين سنة قد أعاد الحماس الى مناصريه ومن يرون أنه مازال الرئيس الشرعي ومهما كان الرأي في حكمه وطبيعته وأعلن هذا حتى العديد من الذين لم يكونوا معه، وكانوا معارضين له، لأن الطريقة التي تمت بها عملية اسقاط حكمه مرفوضة من الأساس والمتمثلة بإغراء قوى أجنبية من الخارج واستعدائها على حكوماتها القائمة، مادام هؤلاء الطامعون بالحكم ليس لهم أي حضور سياسي ولا رصيد جماهيري يوصلهم الى الحكم لذا جاؤوا بالغزاة ليقوموا بالمهمة نيابة عنهم. لكن الوقائع تقول لنا أن الأمور لا تنتهي بإسقاط نظام الحكم بل بما بعد ذلك حتى لا تتحول المسألة في (ورطة) كبيرة للجميع. الغزاة تورّطوا، الداعون تورطوا، والناس لم يتقبلوهم ولذا انسحبوا الى بيوتهم ومكاتبهم المحمية من قبل قوات الاحتلال، ولكن الى متى وحتى وهم تحت الحماية لم يكفّ المقاومون عن ملاحقتهم (عملية قصف منزل رئيس الوزراء المعين يوم الأربعاء الماضي). كما أن المقاومة اشتدّت وتحولت الى ما يشبه حرب شوارع في قلب بغداد، وفي شارع حيفا تحديدا. ومع أن القوات الأمريكية قد تدخلت فإنها لم تستطع أن تحسم ما جرى فسقط العشرات بين قتلى وجرحى. إن العراق اليوم ساحة حرب، لن تعيد لهم الأمان والنظام وهيبة الدولة إلا قيادة وطنية لا يعيّنها الاحتلال وتاريخها ناصع ومشرّف. أسمعتم رئيس الحكومة المؤقتة وهو يقول دون أن يرفّ له جفن أنه من زوّد الامريكان بالمعلومات عن البيت الريفي على مشارف الفلوجة فهرعت طائراتهم لتمسحه من الوجود مع من كان فيه من فلاحين بسطاء. إنهم يتوهمون ويريدون أن يوهموا من يسمعهم أن العراقيين لا يقاومون ولذا ينوب عنهم هذا السوبرمان الخيالي الذي سموه الزرقاوي. لأنهم أنفسهم لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا لولا الغزاة الذين نصبوهم حكاما، ولكن بالاسم فقط فعلى الأرض هناك حقائق أخرى.