لا استطيع البتة ان لا اقرأ للاستاذ محمد حسنين هيكل، ولا ان لا اتابع ما يقول ويرمي. لا استطيع ذلك البتة لأسباب فيها الذاتية ومنها الموضوعية، واكثرها بالطبع موضوعية! لذلك تابعت كلامه على قناة الجزيرة اول امس بانتباه بل واعددت للانتباه «طقوسا» من كثير من الشاي الخفيف، والسجائر الثقيلة، وواضح ان الحلقة التي ستتبعها حلقات كانت تمهيدية ذكر فيها سبب اختياره واشار خلالها الى موضوعات مختلفة. والحقيقة ان ما زاد وشجّع على هذه الكتابة، هو حوار سوف ينشره لاحقا في الشروق مع السيد معن بشور الامين العام للمؤتمر القومي العربي اجري في مكتبه هناك في بيروت ودار الحوار بالطبع حول العرب، وحول الهوية وحول الحضارة، وحول السياسة المرتبطة كلها بعالمنا او بالاحرى بوطننا العربي، جاء في بعضه اي الحوار بعض ما جاء في كلام الاستاذ الذي سنكتفي بجولة خواطر حول ما قال: ومن جملة ما قال انه يقدّم نفسه كمواطن مصري اولا، وكقومي عربي، وكإنسان يؤمن بوحدة الحضارة ثم انساق ناقدا لمقولة «بلدي اولا» التي انتشرت في اكثر من قطر عربي، وحول التأملات التي قامت فيه وهو يتأمل معمارا شاهده في فينيسيا لإيطالية شبيها بالمعمار العربي مما ذكّره بوطنه الكبير وبوحدة الحضارة الانسانية. وجاءت الخواطر الذاتية الصرفة لتقول ان الاستاذ محق في تقديم نفسه كوطني مصري اولا، فكم منزل في الارض يألفه الفتى وحنينه ابدا لأول منزل كما يقول الشاعر ولكن المنزل ليس الوطن والحنين لا يعكس دوما حقيقة. ولا يوجد اي اختلاف، بل لعل العكس هو الصحيح، ان تكون وطنيا الى النخاع وقوميا الى العظم، والنفس البشرية بطبعها ميالة، ميالة ان تكون مدينتها احسن المدن وحيّها احسن الاحياء، بل وبيتها انيق البيوت، ومسقط رأسها الأجل ووطنها الصغير الأفتن. تلك هي الذات البشرية التي مهما بلغت من كمال فإنها لن تبلغ ولو في ذرة واحدة لكمال رسول الاسلام وقوله الشهير حول مكة وهو يغادرها غصبا عنه ويودّعها باكيا، ومع ذلك فقد كان رسولا للبشرية جمعاء وللانسانية كلها. ولم يجد تناقضا بين عروبته المتأصلة ورسالته التي عمّت الارض. وجاءت الخواطر لتقول ثانية ان مقولة «بلدي اولا» ليست شعارا مبتدعا وجديدا، فمتى تصرّفت اي دولة عربية على عكس هذا الشعار، لكن الجيد فيه انه انتقل من طور الى طور من المسكوت عنه الى الملوّح به، ومن الحقيقة المخفية الى الشعار الواضح ثم انه زاد استفزازا لأنه تزامن احتلال العراق وهيجان شارون، وترنّح اوهكذا يعتقد البعض لحقيقة ازلية اسمها العروبة وبالتالي فالشعار قديم لكن وضوحه هو الاجد. وقد لا يكون هذا الشعار استفزازيا مطلقا لو هو قيل في سياقات اخرى وفي ظروف اخرى. وجاءت الخواطر لتقول ثالثا ان وحدة الحضارة الانسانية اكتشاف عربي قديم، اتخذت مع الصوفي الكبير محي الدين بن عربي حتي قيمتها الدينية السمحة وصاغها في نظرية «وحدة الوجود» التي كشفها نهائيا في كتابه الشهير فصوص الحكم. وقد ذكّرني تأمل الاستاذ هيكل للمعمار الذي أثار فيه ما أثار في فينيسا للتو بكتاب للعبقري التونسي الاستاذ عثمان الكعّاك، عنوانه «العلاقات التونسيةالايرانية عبر التاريخ»، سنكتفي بهذه الجمل الشذرات منه، وهي التي وحدت الحضارات وتداخل الثقافات، يقول: لو أنناأخذنا خريطة البحر الأبيض المتوسط بما في ذلك الشرق الأوسط ونظرنا الى ايرانوتونس لرأينا خطا يمتدّ من هذا القطر الى ذاك.. ولو نظرنا الى انتشارية لرأينا ايران قورش منذ 25 قرنا قد وحّدت ايران ثمّ فتحت بلاد آشور وعيلام، ثم بلاد الاناضول والشام التي كانت تابعة لليونان القدامى. فجمعت حضارات كبرى في بوتقة واحدة، الحضارة الهندية الأوروبية والحضارة العربية الآشورية علاوة عن حضارة الفينيقيين والعرب من الشمال الى الجنوب. جعل الاسلام الجامع مركزا اسلاميا.. وقد أثر الجامع في الكنيسة، فقد أخذت الكنيسة عن الجامع القبة والشمسيات والمنبر المزخرف ويستشهد فيقول أنظر مجموعة منابر Ravello قرب نابولي بايطاليا فهي أعجوبة الفن العربي. والسبب في ذلك هو أن الجامع النموذجي الاول جامع عقبة بن نافع في القيروان ففيه نماذج جميع الانطلاقات المعمارية التي حدثت في ما بعد. ومن جامع القيروان تولد جامع قرطبة.. ثم ان نصارى اسبانيا بنوا لقديسهم يعقوب، كنيسة بواسطة مهندسين معماريين وتقنيين أندلسيين، فيها أي الكنيسة أصول جامع قرطبة (وهكذا تكاثرت لأسباب ذكرها العبقري الجليل بأوروبا مثل تلك الكنائس المقلّدة من المعمار العربي). يقول أيضا ثم ان الاسبانيين بدؤوا حركة استراجع المدن التي بأيدي المسلمين وكلما استرجعوا مدينة أجلوا المسلمين عنها واستبقوا منها حتما المهندسين والمعماريين والبنائين والمزوقين والنجارين والحدادين وبنوا لهم حارة خاصة بالمدينة سمّوها «معرية» Moreira، وأمروهم ببناء كنائسهم ومدارسهم وأديرتهم وقصورهم على النمط الاسلامي مع بعض تعديلات تقتضيها العقيدة. وسمّوهم مدجنين، وسمّوا فنهم هذا فنا مدجّنا، فعمّ اوروبا الغربية وأمريكا نقله اليها المدجنون المسلمون الذين ذهبوا مع كرستوف كولمب ومن بعده بقليل ومن ذلك كنيسة مكسيكو القديمة، ومهمار عاصمة غوايتمالا القديمة والكنائس والقصور والأديرة الموجودة بأمريكا الوسطى والجنوبية. وبقيت هناك جالية اسلامية تزوّجت من الهنود الحمر سكان امريكا الاولين. ولأن الحضارة تبادلية بطبعها، ولأن الثقافات مزواجة، يعود الاستاذ، فيقول: إن هذا الفن المدجّن الذي عمّ اوروبا وامريكا جاء ايضا الى المغرب والبلاد العربية الشرقية (ارتدادا) التي أمّتها مهاجرة (يقصد مهاجري) الاندلس. يقول الاستاذ ايضا: إن اتحاد الايرانيين والعرب والبربر والاتراك (في تلك العصور) ضرورة تاريخية لا محيد لها لبناء الهيكل الحضري... وانه لما اتّحد العمل الحضري العباسي في اتحاد (هذه العناصر) كانت الحضارة الاسلامية الكبرى في عصرها الذهبي. فيبدو ان التحتّم التاريخي يفرض التعاون بين هذه العناصر الحضرية. وبعد حديث تاريخي اكثر من هام يصل الى استنتاج ان تونس متحف لعامة الحضارات ومركز ابتداع وتوزيع حضري وسرّ نبوغها في انها تعلم ان الحضارة كائن حي فلابد ان يقتات وان يقتبس من الحضارات الاخرى وان يهضم ما يقتبس لكي تعيش حضارته في حياة مستمرة وازدهار أدبي وكل ذلك لم يمنع ان تكون تونس طوال الدهر عربية، وما ينطبق عليها لا يحدّه الا جنوب موريطانيا وشرق العراق! وأخيرا كل اسفنا لكل عدوّ للعروبة، الذي هو عدوّ بدرجة اولى لنفسه.