يحلو للكثيرين داخل الادارة الأمريكية الترويج لما بات يعرف بالحملة الأمريكية ل»نشر الديمقراطية ودعم الحريات» في ما بات يسمّى «الشرق الأوسط الكبير».. لكن هذه الاسطوانة الأمريكية سرعان ما تجعل هؤلاء المسؤولين يقعون في مفارقات عجيبة تجعل النوايا والتصريحات في واد والأفعال والوقائع في واد آخر.. لن نتحدث عن خرق «الديمقراطية الأممية» من خلال غزو العراق واحتلاله بدون قرار من مجلس الأمن وبلا غطاء قانوني أو أخلاقي. ولن نتحدث عن الدعم اللامشروط لإسرائيل التي تحتل الضفة الغربية وقطاع غزة وتسلب الشعب الفلسطيني حريته وحقه في اقامة دولته المستقلة. ولن نتحدث عن فظاعات التعذيب في «أبوغريب».. والتي عرضت المعتقلين العراقيين الى أفظع وأبشع صنوف التعذيب والاستهانة بإنسانيتهم. لكننا سوف نركز على تعاطي العديد من كبار المسؤولين الأمريكيين مع وسائل الاعلام العربية وفي طليعتها بعض الفضائيات.. هؤلاء المسؤولون باتوا يشعرون بحساسية مفرطة من «حرية الاعلام» وباتوا يظهرون الكثير من الضيق والتشنج إزاء الحقائق التي يظهرها هذا المنبر أو ذاك. ومن بين هؤلاء السيد كولن باول الذي شنّ مؤخرا هجوما كاسحا على احدى الفضائيات متهما إياها بالترويج للإرهاب.. فلماذا يضيق صدر أمريكا حرية الاعلام عندما تكون افرازات هذه الحرية في غير صالحها؟ ولماذا تكون أمريكا أول الكافرين بالقيم التي تنادي بها ومن بينها حرية التعبير والصحافة عندما تكون مناقضة لمصالحها؟ وأية مصداقية تبقى بعد هذا بحملة أمريكا لنشر «الديمقراطية» وحرية التعبير وهي تتعاطى مع العالم بطرق دكتاتورية ولا تتردد في اطلاق النار على بضاعتها عندما ترد إليها وتكون مناقضة لمصالحها؟ إن الادارة الأمريكية ومن خلال هذه السلوكات وهذه التناقضات لا تزيد إلا في تأكيد عنصرين هامين: الأول يتمثل في ازدواجية المكاييل والمعايير التي يمكن أن تطال حتى القيم الكونية السامية. الثاني ويتمثل في كون الادارة الأمريكية تسعى عامدة متعمدة الى توظيف هذه القيم لخدمة مصالحها لذلك نجدها تسارع الى الانقلاب عليها متى تعارضت مع هذه المصالح.. وكل هذا لا يزيد إلا في تعرية حقيقة الاهداف الأمريكية في المنطقة وفي تجريدها من أية مصداقية.. لأنها تقول الشيء وتأتي نقيضه ولأنها عادة ما تكون أول المنقلبين على القيم الكونية وفي طليعتها حرية التعبير والاعلام عندما تؤدي الى فضح الممارسات الأمريكية وتعرية التناقضات الأمريكية.