إعادة انتخاب كيم رئيسا لكوريا الشمالية    سيف الدين الجزيري يحرس مرمى الزمالك ويؤمن تأهله إلى نصف نهائي كأس الكونفدرالية    الاتحاد المنستيري يفوز على النجم و يتأهل لنهائي البطولة كرة السلة    استياء في المحرس بسبب انتشار الكلاب السائبة ودعوات لتدخل عاجل    «شروق» على الجهات بانوراما الجنوب الغربي ...لسودة الرياضية تُعاني    تقرير السعادة العالمي 2026: تعرف على أسعد 10 دول في العالم    بطولة القسم الوطني "أ" للكرة الطائرة (مرحلة التتويج – الجولة 9): النتائج والترتيب    حديث بمناسبة ... الحلفاوين في عيد الفطر سنة 1909(2)    الحلفاوين ...جوهرة معمارية غمرها الفريب وابتلعتها الفوضى    صفاقس تحتفي بطفولتها القارئة ... عودة قوية لمعرض كتاب الطفل في دورته ال 31    مع الشروق : ولنا في الأعياد امتحانات !    تونس في صدارة إنتاج الزيتون البيولوجي    عاجل/ بعد ضربة عراد وديمونة.. نتنياهو يهدد باستهداف قادة إيران..    آخر الليل وصباح الغد: ضباب كثيف وانخفاض مدى الرؤية الأفقية    بعد غياب طويل: شيرين عبد الوهاب تظهر بفيديو طريف مع ابنتها    تطورات جديدة في الحالة الصحية للفنان هاني شاكر: التفاصيل    هل تعرف ما الكمية المثالية من القهوة لتقليل التوتر؟    تراجع ملحوظ في حوادث المرور خلال الثلاثية الأولى من السنة الجارية... والسهو وعدم الانتباه من أبرز الأسباب    طقس الليلة.. سحب كثيفة مع امطار بهذه المناطق    مصر.. تفاصيل صادمة في واقعة مذبحة الإسكندرية المروعة    الرئيس اللبناني يدين استهداف إسرائيل البنى التحتية والمنشآت الحيوية    الزهروني: إيقاف عناصر إجرامية خطيرة وحجز مخدرات وأسلحة بيضاء    نابل: الوطن القبلي يفوح برائحة النارنج مع انطلاق موسم الجني والتقطير.. ودعوة إلى الترفيع في التسعيرة لضمان هامش ربح للفلاح    عاجل-باجة اليوم: ماء الشرب ينقطع على هذه الشوارع    بحث سبل تعزيز التعاون البرلماني والاقتصادي بين تونس ومقاطعة شمال الراين-فستفاليا الألمانية    كأس تونس: شكون تعدى وشكون لا؟    وزير أمريكي يعلق على التناقض الكبير في تصريحات ترامب بين إعلان النصر وإنذاره طهران لفتح مضيق هرمز    وقتاش ينجم يكون ''العيد الكبير''؟    عاجل: إيران تهدّد بإغلاق مضيق هرمز بالكامل...شنّوة ينجم يصير في جيب التونسي؟    معهد الإحصاء.. نسبة الولادات القيصرية في تونس بلغت 44,4 بالمائة    شنّوة الشهر الي يجي بعد شوال؟    وزارة المالية تكشف أسباب رفض تأمين السيارات القديمة    عاجل:الإفريقي خارج الكأس... هدف مبكر يحسم المواجهة!    اللاعب السينغالي إدريسا غي يعرب عن استعداده لإعادة ميداليات 'الكان' إلى المغرب!    ملتقى التوظيف بالمدرسة العليا للتجارة بتونس يسلط الضوء على سوق العمل في عصر الذكاء الاصطناعي    مع نهاية عطلة العيد: كيفاش باش تكون أحوال الطقس بداية الأسبوع ؟    شركة النقل بقفصة تدعو حرفاءها للحجز المسبق    تاكل في 10 دقايق؟ قلبك في خطر!    هل صحيح اللي ''العرس'' في شوال مكروه؟    دول الاتحاد من أجل المتوسط تعتمد ثلاث استراتيجيات مائية لتعزيز الحوكمة الإقليمية حتى 2030    وقتاش يدخل الصيف؟    من مضيق هرمز إلى تونس: حين تُوجّه الجغرافيا التاريخ و الحاضر    اكتشاف طبيعي: حاجة في الكوجينة تحميك من السكري والسرطان    رمضان في المراقبة: أكثر من 400 طن مواد غذائية تالفة تحجزت    عاجل: سقوط مروحية في قطر ووفاة 6 أشخاص    تونس تتوقع استقطاب استثمارات أجنبية بقيمة 4 مليارات دينار في 2026    عاجل/ قتلى في تحطم مروحية بهذه المنطقة..    السويسري إيهامر يحطم الرقم القياسي لمسابقة السباعي في مونديال ألعاب القوى داخل القاعة    بعد غلق مضيق هرمز.. إيران ترد على تهديدات ترامب    اليوم كأس تونس : ماتشوات نار من ال13:30..شكون ضدّ شكون؟    حديث بمناسبة ...عيد الفطر في تونس سنة 1909    اتحاد الناشرين التونسيين يطلق أول معرض دوري للكتاب تحت شعار "اقرأ لتبني"    الليلة.. انخفاض طفيف في درجات الحرارة    ديوان الخدمات الجامعية للشمال ينظم الدورة الرابعة لملتقى الطلبة الدوليين من 24 الى 27مارس لفائدة 150 طالبا/ة    وزارة النقل تدعو المترشحين لمناظرة انتداب 6 متصرفين إلى إيداع ملفاتهم قبل 17 أفريل    سيدي بوزيد: الدورة ال 27 من مهرجان ربيع الطفل بالمزونة من 24 الى 26 مارس    تونس; الجمعة 20 مارس هو أول أيام عيد الفطر المبارك    وزارة الصحة تكشف عن حزمة من الإجراءات لفائدة الصيدلية المركزية لتأمين التزوّد بالأدوية الحيوية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في الذكرى الخامسة لوفاة المناضل والأديب محمود المسعدي: مواجهات مع المستعمر وانتاج أدبي رائع واصلاح للتعليم
نشر في الشروق يوم 22 - 12 - 2009

يتأكد يوما بعد يوم ما تزخر به تونس من طاقات خلاقة وشخصيات مرموقة في كل مجالات الابتكار والإبداع، في السياسة والثقافة والديبلوماسية والتربية والاقتصاد وغيرها، وهو تواصل العطاء والبذل في هذا الوطن العزيز، منذ قرون، عرفت فيها تونس أطوارا من التحولات السياسية وعصورا فكرية أدبية وثقافية متنوعة، وبرز فيها أبطال أفذاذ خلد التاريخ أسماءهم بأحرف من ذهب، أمثال الإمام سحنون، والإمام ابن عرفة، والعلامة عبد الرحمان بن خلدون، ثم أحمد بن أبي الضياف، وخير الدين باشا التونسي، ومحمود قبادو والطاهر الحداد، وأبي القاسم الشابي وغيرهم، وقد كان الكثير من هؤلاء المفكرين المصلحين منشغلين بقضايا الوطن، إلى جانب إبداعاتهم الفكرية حريصين على الرفع من شأنه، عاملين على ترقيته ومن ضمن المناظلين في مجالات السياسة والعمل النقابي والتربوي والفكري، في القرن العشرين، الأستاذ المرحوم محمود المسعدي أحد أبطال معركة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، وأحد رموز دولة الاستقلال في التربية والثقافة، الى جانب ما أبدع وابتكر من انتاج أدبي فكري ممتاز جدا، يشهد له بذلك رجال الثقافة العربية والأجنبية.
ولد محمود المسعدي يوم 28 جانفي سنة 1911 بتازركة الوطن القبلي، وتعلم مبادئ الكتابة وحفظ القرآن في بيته الصغير وعاش فترة الاستعمار والاحتلال الفرنسي وهو ما جعله ذا غيرة وطنية منذ شبابه، حيث عرفت تونس سنة 1911 واقعة الجلاز التي استشهد فيها أبناؤها الأبرياء، ثم انتقل المسعدي الى تونس العاصمة سنة 1922 والتحق بالمدرسة الصادقية معقل الوطنية الصادقة وتتلمذ على أيدي أساتذة علموه مزيدا من حب الوطن والذود عنه والتضحية في سبيله فتغلغلت الوطنية في كيانه وسكنت أعماق أعماقه، إلى ان تحصل على الدبلوم الصادقي، بعد أن حذق اللغتين العربية والفرنسية، وهو ما أهله للحصول على الجزء الأول من الباكالوريا سنة 1932، ثم الجزء الثاني بمعهد كارنو بتونس سنة 1933. وخلال تلك الفترة أمكن للأستاذ المسعدي أن يزداد تعلقا أكثر فأكثر بتونس الوطن، من خلال ما كان يعيش ويشاهد من وسائل قمع المستعمر الفرنسي لأبناء تونس، وكذلك من خلال الجهاد والاجتهاد في سبيل الله والوطن من قبل الزعماء والأساتذة الوطنيين.
فزدادت نقمته وتغلغله على فرنسا، فانخرط سنة 1934 بالحزب الحر الدستوري الجديد أي عند عودته صيفا من فرنسا، حيث كان يزاول دراسته بجامعة السربون، وهناك اطلع بكثير من الدقة واتساع المعارف والمراجع على أصول الحضارة الغربية، ومبادئ الفلاسفة والمفكرين واحتك بالكثير منهم، وعرف أساطين البيان، أمثال - سارتر - وكامو - وجيد- وغيرهم، فاتسعت طاقته الفكرية والأدبية وقوي وعيه بضرورة التفرغ لخدمة الوطن من اجل تحريره من ربقة المستعمر المحتل، ولكن ذلك كان في تلك الفترة صعبا امام تصدي لجيش الاحتلال وقواته والذي يقاوم كل عمل وطني نضالي، على غرار ما شهدته البلاد من حوادث 9 أفريل 1938.
وقد تخرج المرحوم الاستاذ محمود المسعدي من فرنسا مجازا في اللغة والأداب العربية، وباشر التدريس بالمعهد الصادقي وبمعهد كارنو، وكان يبث الوعي والحماس في صفوف الطلبة حتى يشبوا على حب الوطن ويغاروا عليه، ويدافعوا عنه، وبالتوازي مع التدريس، أعد شهادة الدراسات العليا برسالة عن «الايقاع في السجع العربي»، وتحصل عليها سنة 1939، وجاءت الحرب العالمية الثانية، فعطلت مسيرته الجامعية، الا أنه عاد سنة 1947 ليتابع دروس التبريز، وينجح فيها بامتياز.
وقد واصل الأستاذ محمود المسعدي رسالته التربوية الوطنية من سنة 1936 إلى سنة 1955، فكان يدرس بالمعهد الصادقي وبمعهد كارنو، وعين أستاذا بمعهد الدراسات العليا، ومسؤولا عن الدراسات الأدبية واللغوية، منذ سنة 1948. أما نضاله السياسي فقد تواصل بلا هوادة، في صفوف الحزب الحر الدستوري، وفي الاتحاد العام التونسي للشغل الى أن عين به كاتبا عاما مساعدا من سنة 1948 الى سنة 1954 فكان يتصل بالعمال ويساهم في تأسيس النقابات في القطاعات المختلفة بالبلاد، مبينا لهم حقوقهم وواجباتهم، داعيا الى مواصلة الكفاح من اجل استعادة الكرامة ونيل الحرية. وكان من أخلص رفقاء زعماء الحزب والاتحاد في نفس الوقت، كما تولى رئاسة نقابة الجامعة القومية للتعليم، وإثر اغتيال الزعيم فرحات حشاد في 5 ديسمبر سنة 1952، أبعد المستعمرون الفرنسيون المرحوم الأستاذ محمود المسعدي في اليوم الموالي الى رمادة بالجنوب التونسي، ثم الى مدنين وبعدها إلى قبلي، وبقي هناك تحت الإقامة الجبرية الى شهر جوان سنة 1953.
إصلاح التعليم
ولما عاد الى تونس العاصمة، واصل نضاله النقابي والحزبي من أجل نيل الاستقلال، وعلى اثر مجيء منداس فرانس الى تونس، في 31 جويلية 1954، وإعلانه منح بلادنا الاستقلال الداخلي كان المسعدي أحد أعضاء الوفد التونسي التفاوضي مع الجانب الفرنسي في المباحثات التي أفضت الى الإعلان عن الاستقلال التام لتونس، في 20 مارس 1956، وقد كان يشغل آنذاك خطة رئيس مصلحة التعليم الثانوي بوزارة المعارف - وزارة التربية والتكوين حاليا، ثم أصبح متفقدا عاما سنة 1958، وارتقى الى منصب كاتب دولة للتربية القومية في دولة الاستقلال، وعهد إليه الرئيس الراحل زعيم الأمة الحبيب بورقيبة بإصلاح نظام التعليم من سنة 1958 الى 1968، فاجتهد في تعصير المناهج وتوحيد صنفي التعليم الزيتوني والمدرسي، وكان حريصا على طبقات الشعب بمدنه وقراه وأريافه، لأنه كان من أشد المناصرين لديمقراطية التعليم وعرفت المسعدي عندما تحملت مسؤولية الكتابة العامة للجنة التنسيق الحزبي بولاية بنعروس، حيث كنت حريصا على دعوة الاستاذ المسعدي باستمرار للاشراف على إحياء الذكريات الوطنية والقاء المحاضرات التاريخية فاكتشفت فيه قوة العزيمة وحبه لتونس الوطن والإصرار على المبادئ السامية ورغبته الجامحة في البذل والعمل والخلق والإبداع والجهاد والاجتهاد بإرادة لا تعرف الوهن ولا الاستكانة، ذلك أن الأستاذ محمود المسعدي كان غزير الثقافة رفيع الأخلاق، واسع الاطلاع على التاريخ الوطني التونسي وعلى التراث الفكري الإنساني شرقيه وغربيه، فاستطاع أن يجد في الأدب والفلسفة العربية والأجنبية قواسم مشتركة، وأسماء تشابهت في أفكارها وأعمالها، فتأثر بها واختمرت في ذهنه الوقاد، فأنتجت أدبا له منحى فلسفي يمجد الإنسان ويشيد بروح الابتكار والبذل والعطاء، ويتغنى بالتفاؤل والطموح على كل الصعوبات والعراقيل والعقبات، ويعتمد على ما ورد في القرآن والسنة من حث على الاجتهاد والفعل الإيجابي الذي ينفع الناس ويمكث في الأرض، وتغيير ما بالنفوس والعقليات فقد كان الأستاذ المسعدي دوما يذكر قوله تعالى:
«إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وكذلك بقوله عز وجل: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون».
أديب فذ
أما انتاجه الأدبي الفلسفي، فقد كان المرحوم محمود المسعدي رئيس تحرير مجلة - المباحث - من سنة 1944 الى سنة 1947، بعد وفاة مديرها ومؤسسها الأديب الأستاذ المرحوم محمد عبد الخالق البشروش وحيث كان المسعدي يكتب مقالاته الممتازة والنارية بمجلات «الندوة» و «الفكر» وعندما تولى مسؤولية وزارة الثقافة أسس في السبعينات من القرن العشرين، مجلة الحياة الثقافية والتي مازالت تصدر عن وزارة الثقافة والمحافظة على التراث الى هذا التاريخ. أما عن مؤلفاته فقد تنوعت بين القصة والمسرحية ونوع «الخبر» الذي يحاذي في أسلوبه طريقة المحدثين ورواة الأخبار قديما، ولكنه يضمنها همومه وقضايا العصر الذي يعيشه. من ذلك مسرحية «السد»، التي نشرها سنة 1955 والتي كتبها إبان اندلاع الحرب العالمية الثانية أي من سبتمبر 1939 الى جوان 1940 وقد صور بذلك انهيار «سد» السلام في العالم.
كما ألف المسعدي قصة «المسافر» باللغة الفرنسية وترجمها الى اللغة العربية، وقصة «مولد النسيان» وقد نشرها في حلقات، بمجلة المباحث من أفريل الى جويلية سنة 1945.
أما «حدث أبو هريرة قال» فقد كانت أحاديث وأخبار، حامت حول بطلها أبو هريرة المفكر القلق الحائر وعرفت بأسانيدها الخيالية، فصورت تجارب الإنسان المختلفة مع الجسد فصدرت بتونس سنة 1973.
ولعل من اهم مقولات المناضل الراحل والأديب البارز محمود المسعدي ما يتضح فيه يقينه بضرورة الفعل والعمل والاصرار على مواصلة العطاء وبذل المجهود بما يجعل الكائن البشري فاعلا على وجه الأرض يكتسب أعماله بما ينتجه من عمل فكري يغذيه الأمل ويسمو به عن الحيوانية والحياة السلبية الراضية المستسلمة.
مؤلف كتاب «ملحمة النضال التونسي من خير الدين الى زين العابدين»


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.