حين شهد العراق تفجيرات الأربعاء الدامي في أوت الماضي، ومن بعدها أحداث الأحد الدامي في أكتوبر والخميس الأسود في ديسمبر الجاري (وما أكثر الايام السوداء والدامية في هذا العراق) لم تتردد حكومة نوري المالكي في توجيه أصابع الاتهام الى سوريا مع أنها لا تملك اي دليل مادي يدين دمشق، ولكن حين رفع جنود إيرانيون علم بلادهم فوق ارض عراقية قبل أسبوع لزمت هذه الحكومة الصمت واكتفى بعض أعضائها باحتجاج ضعيف، مع ان ما أقدمت عليه إيران يسمى في العرف السياسي والأخلاقي احتلالا واعتداء سافرا على بلد مجاور.. فماهي دوافع هذا الصمت المريب، وأية رسائل أرادت طهران توجيهها بهذا التدخل في الشأن العراقي؟ رغم مرور أسبوع على الحادثة لم تحرّك حكومة المالكي ساكنا والتزم وزير الدفاع في هذه الحكومة عبد القادر العبيدي الذي اتهم مطلع الشهر الجاري سوريا بوقوفها وراء التفجيرات الدامية وإيوائها مدبّري هذه التفجيرات، والصمت إزاء الاحتلال الايراني لحقل الفكّة النفطي في محافظة ميسان الحدودية. كما توارى وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني عن الأنظار ولم يدل بأي تصريح حول هذا الانتهاك الايراني مع انه كان يفترض ان تبدي وزارتاهما موقفا وهما على تماس مباشر وبشكل رئيس في قضية التوغل الايراني. هذا الصمت مثل أداة إدانة جديدة لهذه الحكومة التي عجزت عن ضبط الوضع الأمني وعن تحسين علاقات العراق بدول الجوار وإعادته الى الحضن العربي والاسلامي وفشلت في كل الاختبارات، لتثبت مرة أخرى انها حكومة ضعيفة تنفذ أجندة خارجية، وهي بذلك لا يمكن ان تحقق للعراق سيادته ومناعته. واللافت في هذه القضية ان الموقف الايراني تدرّج من الصمت الى الحديث عن «سوء فهم» والزعم ان حقل الفكة يقع في منطقة حدودية متنازع عليها والمطالبة بترسيم الحدود وفق شروط تراعي متغيّرات السياسة والجغرافيا الى إنكار دخول اي قوات إيرانية الى الموقع واحتلاله. ويبدو ان إيران أرادت بهذه السياسة ممارسة ضغوط على العراق وتوجيه رسائل الى أكثر من طرف فجعلت من هذه الحادثة مناسبة لإثارة قضية ترسيم الحدود وفق شروطها. ومع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية يبدو ان طهران لا تضمن وصول قوى موالية لها الى السلطة ومن ثمة خشيت ان تفقد شيئا من نفوذها في العراق فلجأت الى هذا العمل الاستفزازي، ذلك ان السيطرة على الحقل النفطي وإن بدت خطوة رمزية الى حدّ كبير فإن ردّ الفعل الضعيف للمالكي قد يسبب له مشاكل في الانتخابات المقررة مطلع مارس المقبل. ثم إن طهران وجهت رسالة أخرى الى المستثمرين في القطاع النفطي العراقي بعد أيام من تقاسم الكعكة بين كبرى الشركات النفطية الغربية مفادها أن استغلال حقول النفط العراقية (وبعضها يقع قرب الحدود مع إيران) يخضع لشروط طهران، بل يمكن ان تكون الرسالة أبلغ من ذلك وتصل الى القوى الغربية التي تهدف الى فرض عقوبات عليها وفي نفس الوقت الى انعاش اقتصادياتها بالاستثمار في النفط العراقي بالتأكيد ان الانتعاش الاقتصادي العالمي يتوقف على رضا الايرانيين. وبصرف النظر عن فحوى هذه الرسائل والجهات المستهدفة فإن العراق، الذي تهمه المسألة بالدرجة الاولى وجد في مقاومته الشعبية خير سند للدفاع عن حقوقه، في ضوء الامتعاض الذي أبداه كثير من العراقيين إزاء بطء تحرّك الحكومة وضعفها حيال هذا الموقف بادرت عشائر محافظات جنوب العراق بتشكيل كتيبة مسلّحة أطقت عليها اسم «أسد الله الغالب» تكون مهمتها الأساسية «وقف الخروقات من قبل الدول المجاورة» وفق تأكيدات الناطق الاعلامي لمجلس عشائر التحرر والبناء في محافظات الجنوب الشيخ محمد الزيداوي. عشائر جنوب العراق هددت بطرد «الاحتلال الايراني «الجديد بقوة السلاح» وارغامه على الخروج ذليلا ومهانا». وهذا يؤكد مجددا ان المقاومة الشعبية هي وحدها القادرة على تحرير العراق من كل أشكال الاستعمار والارتهان للأجنبي وأنه لا مستقبل للعراق تحت قيادة ساسة لا همّ لهم سوى تحقيق مكاسب حزبية ضيّقة ومآرب شخصية رخيصة وتنفيذ أجندة احتلالية بغيضة.