وزارة المالية توضّح الامتيازات الجبائية الجديدة لدعم التنقّل الكهربائي وصناعة بطاريات الليثيوم    بطولة النخبة: تعيينات مواجهات الجولة الرابعة إيابا لمرحلة التتويج    محمد التلمساني مدربا جديدا لمستقبل قابس    محمد صلاح يعلن رغبته في مغادرة ليفربول... وأسطورة مانشستر يونايتد يشيد بالنجم المصري    بعد قرار الإعتزال .. الرباع كارم بن هنية في طريقة للعودة إلى المنافسات    الرابطة المحترفة الثانية: محمد السويحلي مدربا جديدا لكوكب عقارب    عاجل/ تحذير: سحب دفعات من حليب الأطفال "أبتاميل"..    تعرّف على عدد أطفال القمر في تونس    سعر الذهب يرتفع 2% فى البورصة العالمية    عاجل: مادة قانونية جديدة تحسم قضية المغرب والسنغال على لقب إفريقي    التوانسة ماعادش فاهمين الشتاء من الربيع: مختصّ يوضّح ويكشف الحقيقة    عاجل/ بشرى سارة لهؤلاء..تسوية وضعيتهم المالية والادارية..    وفاة فاليري بيرن نجمة فيلم سوبر مان    عاجل/ من بينهم شفيق جراية: احكام سجنية ثقيلة ضد هؤلاء..    معهد الرصد الجوي شبكة يقتني رادارات جديدة لمتابعة العواصف    الوداد الرياضي المغربي يتعاقد مع المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون    عاجل: دولة عربية ''سوم'' الطماطم فيها يرتفع بشكل مُلفت    الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة تنظم دورة تكوينية حول التنقلات الكهربائية بصفاقس من 24 الى 26 مارس 2026    حادث مرور قاتل بهذه الجهة..وهذه حصيلة الضحايا..    وزير الخارجية يلتقي التوانسة في المانيا...علاش؟    سفارة الجمهورية التونسية بالقاهرة تنظم عرضا للفيلم التونسي " وراء الجبل" يوم 26 مارس 2026 بالمعهد الفرنسي بالمنيرة    عاجل: هاندا أرتشيل وحبيبها السابق في دائرة التحقيق بقضية مخدرات    فرص لكل التلامذة التوانسة :كل ما تحب تعرفوا على المنصة المجانية    عاجل/ استهداف قاعدة عسكرية في العراق..وهذه حصيلة الضحايا..    سانشيز: نتنياهو يسعى لتدمير لبنان كما دمر غزة    عاجل/ ملامح زيادة الأجور لعام 2026: النسبة والتطبيق قد يؤجل لهذا الموعد..    صغارك في خطر... ملابس الموضة السريعة ممكن تسبب التوحد ومشاكل نمو    مواعيد تهّم التوانسة : الشهرية وقتاش ووأقرب jour férié    وزارة التجارة تعلن تلقي 342 شكاية خلال شهر رمضان..وهذه التفاصيل..    فتح بحث تحقيقي إثر العثور على جثة عون بلدي مشنوقاً بباب العسل    خطير/ تعرض المترو 5 و6 الى حادثتي تهشيم واعتداء على الركاب..#خبر_عاجل    عاجل/ طائرات مسيرة تستهدف مطار الكويت ونشوب حريق..    تنبيه/ قطع التيار الكهربائي بهذه المناطق يوم الأحد القادم..#خبر_عاجل    رحيل مخرج مصري معروف    علاش الزيدة مفقودة في تونس؟ الحقيقة الكلّ يكشفها علي الكلابي    عاجل/ بعد اصدار أوامر بنشر 2000 عنصر- ممثل خامنئي يتوعد الجنود الأمريكيين: "اقتربوا"..    سينر يقلب الطاولة على ميكيلسن ويواصل كتابة التاريخ    75% من الأدوية في تونس تُصنّع محليًا    تونس تحتضن اللقاء العلمي الأول حول العلوم العصبية والطب الفيزيائي يوم 27 مارس 2026    عاجل : حكم بحبس شقيق شيرين عبد الوهاب 6 أشهر    انفراج أزمة السكر: مخزون يكفي 6 أشهر في تونس... التفاصيل    عاجل: فيضانات محلية مرتقبة في عدة دول خليجية    الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد تختار نور الدين الطبوبي رئيساً وناطقاً رسمياً للمؤتمر    بنزرت: ترشح 8352 تلميذا وتلميذة لإجتياز إمتحان "الباكالوريا رياضة " وتهيئة 16مركز إختبار    خطة أمريكية من 15 بندا لإنهاء الحرب مع إيران    هل تساعد القهوة على خسارة الوزن؟ التوقيت يصنع الفرق    طهران تبلغ واشنطن بعدم رغبتها في استئناف المفاوضات مع ويتكوف وكوشنر وتفضل التعامل مع نائب الرئيس    6 اشهر سجنا لشقيق شيرين عبد الوهاب بتهمة التعدي عليها    معرض صفاقس لكتاب الطفل يعود في دورته 31..إشعاع ثقافي متجدد وبرنامج ثري    عاجل/ بشرى للتونسيين..مخزون السدود يتجاوز ال50 بالمائة.. وهذه التفاصيل..    رقم معاملات قطاع الاتصالات في تونس يتجاوز 4.1 مليار دينار خلال 2025    مدينة الثقافة تحتفي باليوم العالمي للمسرح    الدورة الاولى لمعرض الورود والازهار من 26 الى 28 مارس 2026 بمنطقة بوترفس من معتمدية طبرقة    اليوم: سحب عابرة مع أمطار متفرّقة بهذه المناطق    في مشهد سماوي بديع.. القمر يقترن بالثريا الليلة    عاجل/ هذا موعد عيد الاضحى فلكيا..    هل صحيح اللي ''العرس'' في شوال مكروه؟    حديث بمناسبة ...عيد الفطر في تونس سنة 1909    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المرأة اللغز في صفقة الأسرى تروي ل «الشروق» رحلة النضال والاعتقال: أرى نفسي شهيدة مع وقف التنفيذ
نشر في الشروق يوم 05 - 01 - 2010


تونس (الشروق) حوار سميرة الخياري كشو
كان لا بدّ لهذا الحوار أن ينشر بعد أن احتل أحد رفوف المكتب منذ أكثر من 9 أعوام.. لظروف خارجة عن نطاقي.. كصحفية..
الموضوع هو قصة آمنة منى.. الأسيرة الفلسطينية، التي تعطّل الآن اطلاق سراح «شاليط»...
أما القصة فهي تعود الى تسع سنوات.. حين تحدثت آمنة عن عذاباتها مع الاحتلال.. وعن اصرارها على المشاركة في عملية التحرير الوطني..
ترافقنا سنة 2000 وتحديدا طوال شهر أكتوبر لأسابيع.. كانت صحفية ميدانية ونبّهتني ذات غارة الى أن الصحفي ولكي يضمن حياته لا يجب أن يفرّ عند أول انذار.. علّمتني آمنة أبجديات العمل الصحفي زمن الحرب.. أنا التي لم أكن أفقه في السياسة دافعي الأوحد.. أنني كمواطنة صحفية عربية، اقتنصت الفرصة لأحقق حلم الطفولة وأرى الأراضي المحتلة.. والمخيمات.. فكان التزامن مدروسا أن ولجت فلسطين المحتلة منذ 14967.. في اليوم الثاني لاستشهاد محمد الدرّة.. وأياما بعد اندلاع انتفاضة الأقصى..
لم تكن آمنة الجواد علي منى انسانة عادية.. فقد كنت المفاجأة كبيرة حين اختزلت الحياة والموت والكرامة الوطنية في جملة: «لماذا أنتظر الموت.. أموت وأنا أفعل شيئا..» كانت فتاة الربيع الثالث والعشرين تعي ما ذهبت إليه بمحض إرادتها..
استدرجت آمنة ابن الجنرال أحوم اسمه عوفر لعلاقة افتراضية.. ومن ثم كان الموعد للقائه بمحطة الحافلات بالقدس المحتلة..
كانت آمنة تنوي وفق الخطة.. أن تأخذه أسيرا لدى حركة فتح التي تنتمي إليها.. لكن «عوفر» ولما رفض النزول من السيارة ليأخذه الشباب.. قتلوه..وكان أن واجهت آمنة حكما بالسجن مدى الحياة..
سطع اسمها في سماء تبادل الأسرى هذه الأيام.. فأصبحت اللغز الذي يعطّل صفقة التفاوض بين «حماس» واسرائيل.. تماما كما كانت طيلة السنوات التي خلت الشوكة الدائمة في خاصرة سجانيها بسجن عوفر داخل «تل الربيع» «تل أبيب» والمدافعة الأولى عن حقوق الأسيرات الفلسطينيات والناطقة باسمهنّ وبدموعهنّ وآلامهنّ، وصل بها الأمر قبل عامين الى الاضراب لأسابيع عن الطعام احتجاجا على سوء معاملتها ووضعها داخل غرفة انفرادية أو أخرى مليئة بالعاهرات الاسرائيليات ولكن من هي آمنة منى؟ وكيف حفت بها جرائم الاحتلال فتلحّفت بقصص المعذبين في فلسطين.. وتلحفوا هم بها، مناضلة وصحفية لها رأي..
عبر السؤال الأول الذي كان مدخل الحوار بدأت آمنة تفتح الزاوية تلو الأخرى.. وتضيء المرحلة تلو الأخرى فكان هذا اللقاء..
متى يأتي دوري؟
.. جلست الى الكرسي قبالتي تترشف كأس القهوة ضاحكة: «اسمي آمنة جواد علي منى ولدت يوم 26 نوفمبر من سنة 1977 بمنطقة «بير نبالا» شمال مدينة القدس المحتلة لي أخت تشغل خطة نائب مدير مركز طبي وشقيقين أحدهما يدرس بالجامعة.. وصديقي المقرّب هو والدي لم أعش طفولة عادية مثل باقي أطفال العالم.. لم ألعب بعروس أو لعبة مازلت أذكر تلك السنوات الاولى لي في الحياة.. كنت طفلة في الخامسة من العمر ذكية وأتطلع كثيرا الى كل ما يدور حولي وجنود الاحتلال يطوقون بيتي.. أشياء كثيرة بقيت عالقة برأسي الى اليوم من مذبحة «صبرا وشاتيلا» سنة 82. تلك المناظر التي رأيتها وسمعتها كانت لها علاقة مباشرة بتكوين شخصيتي.. كيف يُقتل أهلي في لبنان؟ لماذا؟ وأتساءل كل يوم متى يأتي دورنا لنذبح بدورنا.. كانوا يقتحمون المنازل ومايزال مشهد تلك المرأة وهي تصرخ «آش بدكّم» في أذني أدخلوها الفناء مصابة بطلق ناري وملطّخة بالدماء وقد ماتت.. ومنذ تلك اللحظة وأنا أتساءل طيلة الوقت متى سيأتون.. لقتلي؟.. لكنهم لم يأتوا ربما بعد عام أو عامين فلماذا أنتظر الموت.. «أموت وأنا أفعل شيئا».. وقررت يومها أن لا أكون إنسانة عادية.. أن أكون فاعلة وأن لا أنتظر الموت حتى يطرق بابي مثل تلك المرأة...
تسكت آمنة للحظات وكأنما تسترجع بعض الذكريات الأليمة وهي تمدّ بكفّيها حيث آثار حروق قديمة جدا أرتني إياها باعتزاز وهي تروي جزئياتها: «كنا أطفالا.. كبرنا معا في حي واحد ودخلنا نفس المدرسة لم نكن نلعب كما الاطفال كنا فقط نضرب بالحجارة لكن الجنود الاسرائيليين الذين يحيطون بحيّنا وبمدرستنا وبالطرقات يردّون علينا بالهراوات.. بمرور الايام كبر معي ذاك الالم وصرت أشعر أنني أكره هؤلاء الناس.. أكره مشهد الجنود وهم يحتلّون مساحات حريتي.. وشوارع الحي الذي أسكن.. ويعتدون على رفاقي وأصدقائي.. لم أكن أخاف.. أمي فقط كانت تعيش ذاك الخوف داخلها وتقول لي كل صباح أنت طفلة وصغيرة.. لكن شعوري الذي بداخلي يجعلني أكبر من سنّي بكثير...
لقد أمسكت بالبارودة في عمر الطفولة الاولى.. لقد لمستها كان طولي أقل منها.. سحبتها مني أمي وصرخت بوجهي «لا تفعلي ذلك».. لكن أحسست حينها أنني أستطيع وأنه بإمكاني حمل بندقية...
يوم قلت للجندي أنت حمار...
مازلت أذكر ذلك اليوم تسلّلت الى شوارع البلدة القديمة من دون أن تراني أمي.. فقد كانوا أحيانا يمنعوننا من الدراسة ويغلقون المدرسة.. نعم كانوا يطردوننا ويتعاملون معنا بطريقة إرهابية لم يعاملوني يوما كطفلة لذلك قررت أن أكون كبيرة.. تقدمت نحو جندي يحمل رشاشا وهمزته بيدي الصغيرة وقلت له: «أنت حمار» فضربني ودفعني الى الارض.. عدت الى البيت لم أكن أبكي.. ولكني قررت أن أتمرد على العادات.. كانوا يقولون لي أنت طفلة.. والفتاة مكانها البيت ليس الشارع.. لكني لم أحتمل هذا القرار وقررت أن أتطلّع الى المستقبل بطريقتي يجب ان أقدم شيئا لوطني.. لن انتظر الموت حتى يطرق بابي..
مطلوبة منذ الطفولة
كنت محبوبة من كل رفاقي بالمدرسة وكنت طالبة مجتهدة وأحظى من الجميع باهتمام غير طبيعي.. وكلما ارتفعت نسق الأحداث يضعني الجنود الصهاينة على قائمة المطلوبين من التلاميذ.. يأمرون مدير المدرسة بتسليمي او اغلاق المدرسة لكن رفاقي يحيطونني ويهرّبونني من السطح..
لم أعد أحس بالألم
تترشف آمنة القليل من القهوة وتواصل حديثها عن أول اعتقال لها في سن 12 عاما حيث احترقت يداها بسبب قنبلة غاز وهي تنظر الى كفيها وكأنما تسترجع ذاك الألم الذي نحت شخصيتها وجعلها امرأة مميزة ترفض انتظار الموت اذ تقول: «كنا بالمدرسة عمري 12 عاما فقط.. حين اقتحم الجنود محيط المدرسة.. أطلقوا علينا قنابل مسيلة للدموع كنّا ذاك الصباح بالصف.. عمّت الفوضى المكان.. فالغاز كثيف جدّا.. أصبنا بالاختناق والأطفال بالساحة يبكون.. امتزج صراخهم بصوت تلك القنابل وبذاك الغاز الكثيف.. احسست حينها انه بإمكاني انقاذ رفاقي.. تقدمت نحو «قنبلة الغاز» كانت ساخنة جدا لدرجة الغليان أمسكتها بكف يدي شممت حينها رائحة احتراق جلدي..» (تسكت آمنة وتنظر الى كفيها وكأنما استرجعت ذاك الألم وهي تتذكر): «لقد حملتها بيدي ورميت بها الى خارج المدرسة.. كان ألما غير عادي.. لا يمكن وصفه بل احسّه في كل مرة أسترجع فيها هذه التفاصيل.. لكني كنت سعيدة ومرتاحة البال فقد ساعدت رفاقي وباقي تلاميذ المدرسة الصغار وحميتهم وتغلّب حينها الشعور بالنخوة والفرحة على شعور الألم.
هكذا اعتقلوني
.. كنت بحاجة الى الاسعاف بعد تلك الحروق التي أصبت بها.. لم أعرف أن الجنود الصهاينة كانوا يصوّروننا.. ووثقوا صورتي عندهم.. صورة الطفلة التي تحمل قنبلة بين كفيها وتعيدها اليهم.. أحاطوا بالمدرسة من كل الجهات لأكثر من 3 ساعات كنت خلالها أتألم ولكني لم أبك.. ثم اقتحموا المدرسة.. كسّروا الباب واقتحموا حرمتها واعتقلوني.. نعم اعتقلوني وأنا طفلة في الثانية عشر ربيعا.. قدم جيراني من الحي وحاولوا افتكاكي من بين أيديهم لكنهم فشلوا.. حملوني مقيّدة وأنا طفلة الى مركز الشرطة بالقدس المحتلة بعد ان وعدوا مدير المدرسة والأهالي باسعافي. لكنهم كذبوا.. كما كانوا يكذبون دوما.
وهكذا عذبوني وأنا طفلة
.. حين نقلوني مقيّدة الى مركز الشرطة فتشوا كل أغراضي.. كل شيء.. حتى الشهائد والدروس وبين أوراق كرارسي المدرسية .. لم يتركوا شيئا الا وفتشوه حتى جسدي وملابسي.. كان الألم كبيرا رفضوا مداواتي.. رفضوا حتى منحي حقنة ضد التسمم.. بل ساوموني العلاج مقابل الاعتراف.. كنت مضطرة لتصديقهم.. حاولت أن أنكر رويت له الكثير من الأكاذيب.. فتحت يديّا لأريهما للجندي الذي يحقق معي.. لكنه وعوض مداواتي ضربني بقوة على يدي واستهزأ من وجعي.. (ترفع آمنة عينها الى الأعلى وهي تبتسم): «من المستحيل أن أنسى ذاك الوجع ما أقوله الآن مجرد كلام.. كان ألما لا يمكن وصفه سأرويه لأطفالي يوما ما.. لو كتب لي الحياة.. أو الزواج».
لقد عذبوني ولم يعاملوني كطفلة كانوا يلقون رباطا ملوثا حول يدي المحروقة ويشدّونها بعنف لفترة طويلة.. حتى أصبحت لا أحس بالوجع.. في لحظة لم أعد أتألم لم أعد أحسّ بأي شيء.. لم يعد هناك فرق.. حاولوا افتكاك اعتراف مني بالقوة.. فضربوني على رجلي وفي كل انحاء جسمي.. لكن ضربهم لم يزدني الا عنادا.. وحين يئسوا مني تركوني.. نعم تركوني دون اسعاف.. وأصبت بتعفن في يدي قضيت اثرها شهرا كاملا في العلاج.. حتى القلم لم أعد احتمل مسكه.. وأغلقوا ا لمدرسة مدة أسبوع انتقاما مني.
الشعور بالأمان
بعد أن أغلقوا المدرسة توقعت ان رفاقي ربما غضبوا مني.. لكن ما حدث كان العكس.. لقد تقاسم أصدقائي الأدوار فيما بينهم.. أحدهم كان يحمل حقيبتي المدرسية والآخرون كانوا يكتبون لي الدرس على الكرّاس.. كيف أنسى حتى التلاميذ الصغار ممن كانوا معنا بالمدرسة.. كانوا يشكرونني لأنني أنقذت حياتهم وأشعرتهم بالأمان.. ما حدث كان بمثابة الشحنة الايجابية التي دفعتني للأمام.
اعتقلوني 7 مرات
تسترجع آمنة ذكريات الطفولة من أول اعتقال الى الاعتقالات التي جاءت متتالية فيما بعد خلال الانتفاضة بالقول: «7 مرات.. نعم اعتقلت هذا العدد خلال 3 أعوام من سن 12 عاما الى سنة 15 فقد كنت عنيدة.. ولم أحسّ بأي ألم بعد ألم تلك الحروق.. لم أعد أخاف بل كانوا يخافون مني. لأنه كان باستطاعتي تحريك المدرسة كلّها.. ومنذ ذلك التاريخ انطلقت حياتي التي أحس كل يوم انها صعبة.. لم أعد أشعر بالأمان الى اليوم.. في اي لحظة يمكن ان أموت أو أُعتقل لذلك صرت أنام بملابسي.. فإذا ما اعتقلوني أكون جاهزة...
لا وجود للحلم
لقد حلمت بأشياء كثيرة حين كنت طفلة.. حلمت ان أدرس العلوم العسكرية.. لكن ليس لنا جيش ولا سلاح ولا حتى مدفع تمنيت ان أدرس الحقوق لكننا كلنا شعب مظلوم بحاجة لمن يدافع عنّا ولا أحد يدافع عنا. لا وجود لنا على خارطة الأجندا التابعة لهم.. حلمت ان تكون لنا دولتنا الخاصة.. وكل يوم أعود من المدرسة يتبخر الحلم فقد كانوا دائما موجودين.. الصهاينة المدججين بالسلاح في كل الشوارع والازقة.. صعبة هي الحياة تحت رحمة الاستعمار...لقد أثرت في شخصيتي وحياتي..
.. كبرت وكبر معي الشعور بالقهر.. لكني كنت أنشط كل يوم ضد الاستعمار.. قبل 4 أعوام أحسست أن هناك تركيزا على شخصي على آمنة بالذات لكن أي خطر يمكن ان أشكّله.. لم أكن غنيّة ولم تكن لنا الفرصة.. بل كنا فقط مقموعين بكل أشكال القمع التي خلقت في العالم.. حتى صرت أرى نفسي شهيدة مع وقف التنفيذ..
إنه شيء أفخر به أن أموت في سبيل الوطن فهي أمنيتنا البسيطة كمواطنين عاديين.. فأنا لم ألعب بالحبل ولا أعرف لمدينة الملاهي طريقا وكل الاشياء الجميلة لا أعرف كيف تكون؟ كيف تعيش سعيدا وتنهض صباحا ضاحكا على وطن حرّ؟.. فالوضع هنا تعيس جدا.. لا يوصف.
من الاقتصاد وعلم النفس
الى الصحافة
كيف انقطعت آمنة عن التعليم وكيف غيرت الشعبة من الاقتصاد الى علم النفس ثم الصحافة والتحقت برئاسة مجلس الجامعة وأصيبت بأربع طلقات من الرصاص المطاطي.. تقول آمنة وهي ترفع بكفي قميصها الى الأعلى.. حين أكملت دراستي في المرحلة الثانوية بقيت سنة بالبيت لم أجد شعبة تتماشى مع طموحي.. وعائلتي كانت تعارض بشدّة السفر الى الخارج.. منعوني من دراسة السياسة خوفا على مستقبلي.. فخضعت لدورة في التصوير الفوتوغرافي وتحصلت على رخصة سياقة وكنت لامعة في اللغات العربية والعبرية والانقليزية.. السنة التي تلتها التحقت بجامعة «بير زيت» حيث درست فصلين في شعبة الأعمال والاقتصاد ثم غيّرت الشعبة الى تكنولوجيا علم النفس.
كنت أحلم بأن أدرس الصحافة.. لكن لا يوجد داخل الاراضي الفلسطينية تخصص صحافة.. هناك تخصص فرعي هو الاعلام.. أحب الصحافة لأنها تجعلك حرّا في التعبير عن نفسك.
نشاط حركي في الجامعة
فترة الجامعة كانت حافلة جدا بالأحداث فكنت نشطة على مستوى مجلس الطلبة وترأسته.. نعم ترأست المجلس في جامعة بها 8000 طالب منهم 70٪ من الذكور.. واجهت ضغوطات وصعوبات.. لكني صرت معروفة.. وسلّطت عليا وسائل الاعلام الاضواء.. وبالصحف حيث نشرت صوري وأخباري.. فصرت أتقرّب من الصحافة والصحافيين لأنني اعشق هذه المهنة.. فكان أن أصبت 3 مرات بالرصاص المطاطي مرتين في رجلي وثالثة في ظهري.. كانت مؤلمة جدا.
وأصبحت صحفية
.. تتحدث آمنة عن الصحافة باعتزاز كبير كيف لا وهي حلم حياتها الذي تحقق تقول: «حين استقرت صوري بالصحف من نشاط الجامعة.. تعرفت الى عباس المومني قبل عام ونصف وهو مصور صحفي محترف لوكالة الأنباء «رويترز» عن طريق الصدفة. وصرت أعمل معه هنا في هذا المكتب.. حيث تعلمت أبجديات العمل الصحفي.. وكيف توثق الصورة الجريمة وأصبحت مصورة صحفية.. كان الأمر صعبا في البداية لم أستطع صنع القطيعة بين كوني صحفية ومناضلة كان الأمر رهيبا أضحك أحيانا وأنا أمسك بالكاميرا.. أريد الهرب لكن من المفروض أن لا أهرب فأنا صحفية.. فأنسى مهنتي وأتذكر كوني مناضلة أريد ممارسة وظيفتي الأم في صدّ العدوان..
صور الموت والألم
نعم واجهت صعوبات فالإصابة برصاصة مقصودة أمر عادي والاعتقال موجود، كل شيء مباح لدى الصهاينة بعد اغتصاب أرضنا.. فأنا أسكن منطقة تتوسط بيت القدس المحتلة ورام اللّه بين منطقة تحكمها يد الطاغية أسكنها وأعود إليها مساء وبين منطقة فيها السلطة الفلسطينية حيث أعمل كل يوم أرى نفس المشهد الجنود الصهاينة المدجّجون بالسلاح.. سوء المعاملة.. والتقاط صور للناس وهم يموتون أو يتألمون.. يقولون إنني أرمي بنفسي إلى الموت.. كيف؟
أريد أن أعيش.. لكن ليس هناك أشياء تستحق العيش دون وطن لذا إذا تطلب الأمر الموت من أجل الوطن فأنا أرحّب به.
الوطن أغلى من رجل
«من يراني أنثى لا تصلح إلا للزواج فهو لا يلزمني.. لأنني لن أتخلى عن طريق النضال هذا الطريق الذي عرفته منذ كنت طفلة.. فالوطن في نهاية الأمر أغلى من كل رجل». هكذا علّقت على موضوع الزواج المؤجل آمنة وهي تضحك بقوة: «مشكل الزواج لا أفكر فيه.. فأنا أعرف نفسي لا أفعل شيئا خاطئا أو حراما وأتقدم أحيانا خطوات إلى الأمام أكثر من رفاقي الرجال.. ومن يحبّني عليه أن يقبل بي كما أنا، وأتمنى أن أجد من يتفهمني فعلا.. بكوني شهيدة مع وقف التنفيذ.. خاصة حين أحمل تلك الكاميرا في موقع للاشتباكات.. فربما لن أعود.. قد أقتل أو أعتقل المهم أن يكون لي دور في هذا الوطن.
الموساد على الخط
يوم 23 جانفي 2001 وحسب ما روته لي والدة آمنة هاجم الصهاينة بيتها وضربوا عائلتها واعتقلوا آمنة بالقوة بعد أن بعثروا كل محتويات المنزل واستولوا على مبلغ 3000 دولار.. وتوفي والد آمنة صديقها المقرب بعد شهر واحد من اعتقالها حسرة عليها.. واليوم قد تطلق اسرائيل سراحها مقابل إبعادها في صفقة تبادل الأسرى مع الجندي شاليط.
هذه باختصار قصة المرأة التي لقبها الاعلام باللّغز.. قصة فتاة قررت أن تكون حرّة في بلد محتل، وقررت أن تكبر قبل الأوان.. قصة صديقة عرفتها ذات شهر من عمر الانتفاضة..
حلمت بأن تحقق شيئا وألاّ تنتظر الموت حتى يطرق بابها.. وأن تنظم معرضا للصور التي التقطتها..
.. اعتقلت آمنة.. لكنها لم تكن باعتقالها أسيرة عادية وهي تحتل قائمة المطلوبين لاطلاق سراحهم، مقابل الجندي الصهيوني «شاليط».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.