فندت صحيفة «الغارديان» اللندنية، ما تروجه دول غربية وفي مقدمتها الولاياتالمتحدة وبريطانيا من تقارير حول ما تزعم أنه مذابح جماعية وعمليات تطهير عرقي في إقليم دارفور السوداني. واتهمت الصحيفة رئيس الحكومة البريطانية، طوني بلير بالتخفي وراء قناع المسؤولية الأخلاقية لشن حروب تعتمد على مبررات غير حقيقية، ملمحة إلى أن النفط سيكون الدافع وراء أي عمل عسكري ضد السودان. فقد شككت الصحيفة في مقال لأحد كتابها في وجود عمليات إبادة جماعية أو تطهير عرقي في إقليم دارفور بغرب السودان، موجهة انتقادات شديدة للإعلام الغربي الذي يقدم تغطية متحيزة للوضع في ظل غياب صوت المعارضين للحرب. ونشرت الصحيفة البريطانية المقال في عددها يوم أمس، الاثنين، والذي خلص فيه كاتبه جون لافلاند بعد أن فند كل الحجج التي ساقها بلير لتبرير حروبه العسكرية السابقة تحت ذريعة الضرورة الأخلاقية إلى أن التدخل العسكري المحتمل في السودان سيوفر خزان نفط ضخم وغير مستغل في جنوبإقليم دارفور وجنوب السودان. نفط السودان وأشار الكاتب إلى أن الغرب راح يبحث عن بديل يمده بالنفط والطاقة مع استمرار انفجار خطوط أنابيب النفط في العراق، وأنه بدأ يتبنى سياسة رسمية داعمة لهذا التوجه، على أن تقوم جيوشه بتلك المهمة، لا سيما أن هناك دافعا آخر يبدو بارزا، وهو أن امتياز استخراج النفط في جنوب دارفور تتمتع به الشركة القومية الصينية للبترول؛ باعتبار أن الصين هي أكبر المستثمرين في النفط السوداني. واتهم كاتبُ المقال بلير الذي وصفه بأنه «بلا حسيب أو رقيب» بالاستمرار في السعي لإلباس كل قضية ثوبا أخلاقيا يبرر فيه مهاجمة الآخرين وشن الحروب عليهم.» وأضاف الكاتب «إن بلير استخدم الضرورة الأخلاقية كذريعة في كل مرة أراد فيها تبرير حروبه الخمس التي شنها خلال فترة حكمه، وهي حملة القصف الجوي على العراق عام 1998 التي أطلق عليها اسم ثعلب الصحراء، والحملة المشابهة على يوغسلافيا التي استمرت 74 يوما، والتدخل في سيراليون في ربيع عام 2000، والهجوم على أفغانستان عام 2001، وأخيرا الحرب على العراق في مارس من العام الماضي.» وفي معرض تفنيد الحجج التي ساقها بلير لتبرير تلك الحروب قال لافلاند «إن تلك الحجج إما كانت كاذبة أو لم يتم تحقيق الهدف من شنها، فلم يتم القبض على أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة بعد الحرب التي شُنت على أفغانستان، كما أن إقصاء طالبان عن الحكم أنعش زراعة الأفيون فيها على أيدي لوردات الحرب، وراجت تجارته التي أغرقت الغرب بالمخدرات في حين كانت طالبان قد نجحت في منع زراعتها. ولم يتم العثور على أسلحة دمار شامل في العراق، وحتى عندما قصف الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون مصنع الشفاء في السودان في أوت عام 1998 بناء على أرضية غامضة تماما تتمثل في أن المصنع ينتج الجمرة الخبيثة بدلا من الأسبرين، دافع بلير عن كلينتون!!» وأنحى الكاتب باللائمة على غياب معارضي الحرب عن الساحة حيال المسألة السودانية، وصمتهم إزاء التدخل العسكري المحتمل في السودان، وعدم انتقادهم له، وكفهم عن قيامهم بحملات ضد الحرب على غرار ما تم قبل وبعد الحرب ضد العراق تحت شعار «لا حرب من أجل النفط»؛ باعتبار أن ذلك الصمت يعد مشجعا لبلير للمضي قدما في سبيل ذلك التدخل. ودعا الكاتب لانتقاد إعلان الكونجرس الأمريكي أن دارفور تشهد عمليات إبادة جماعية قائلا: «لا أحد يسأل إن كانت هناك حرب أهلية تشهدها المنطقة أو ما الذي يدفع السكان إلى النزوح عن منازلهم». وأرجع الكاتب وجود مأساة إنسانية بدارفور إلى عدة أسباب؛ منها وجود ميليشيات مسلحة تغير على بعضها البعض، وأن السودان يعج بالسلاح خاصة مع وقوع عدة حروب في الدول المجاورة له. تعقيدات محلية وتساءل الكاتب عن سبب عدم التفات أيّ أحد لاحتمال أن يكون تزايد التوتر القائم بين البدو والرعاة بدارفور سببا في تلك المأساة؛ حيث ينزح الرعاة بحثا عن المرعى والكلأ بسبب تمدد ظاهرة التصحر، واختفاء العشب الذي تتغذى منه مواشيهم، كما أن الميلشيات المسلحة تمارس عمليات سلب ونهب على نطاق واسع، إضافة إلى أن كل قبيلة لها جيشها الخاص، وتغير على بعضها البعض مما دفع الحكومة إلى فرض حالة الطوارئ عام 1999 . وانتقد المقال تركيز الإعلام الغربي على رواية التطهير العرقي والإبادة الجماعية، معتبرا أن ذلك تضخيم للصورة الحقيقية الواقعة في دارفور. كما انتقد تسليط الأضواء على ديانة وعرقية ميلشيا الجنجويد باعتبارها مسلمة وعربية، رغم أن تلك الميليشيا والعمليات التي تقوم بها تستهدف أناسا من نفس العرق والدين؛ حيث كل السكان بدرافور سود ويتكلمون العربية ومسلمون. كما انتقد الكاتب المؤيدين للتدخل العسكري في السودان، باعتبار أن حكومة الخرطوم تدعم ميلشيا الجنجويد رغم أن وزير الدفاع السوداني وصف أفراد تلك المليشيات بأنهم «لصوص» أمام البرلمان السوداني، بل وفي 19 جويلية الماضي حكمت محكمة في الخرطوم على 6 أفراد منها بأحكام وصفت بالشنيعة تتضمن قطع أيدٍ وأرجل بعضهم. وتساءل أيضا عن سر عدم سماع الرأي العام عبر وسائل الإعلام عن جماعات المتمردين التي تقاتلها ميلشيا الجنجويد أو عن الأعمال الوحشية التي ترتكبها تلك الجماعات. وقال الكاتب: «يتوجب علينا أن نستقبل بحذر الأرقام التي قدرت حجم الضحايا في دارفور؛ باعتبار أنها تترواح بين 30 ألفا و50 ألفا في الإعلام الغربي، لا سيما مع اتضاح حقائق مغايرة لما كان يشاع عن العراق؛ حيث إن الحكومة السودانية قالت: إن عدد الضحايا منذ اندلاع الصراع في دارفور عام 2003 لا يتعدون 1200 قتيل من كل أطراف الصراع». ثم تساءل الكاتب عن سر التركيز الإعلامي على السودان في الوقت الذي وصلت فيه إحصائيات الوفيات في الكونغو الديمقراطية المجاورة له من جراء الحرب فيها إلى ما يتراوح بين المليونين والثلاثة ملايين نسمة، وقال: «فلماذا هذا الصمت المطبق حيال مأساة مثلها في الإعلام الغربي؟!». وأضاف قائلا: إننا نرى أطفالا يتضورون جوعا على شاشات التليفزيون، ولكن لن تقوم أي قناة تليفزيونية بعرض صور لقتيل أو مبتور الساقين أو الذراعين إذا هوجم السودان. وأكد أن أي تدخل عسكري لا يعدو كونه حربا استعمارية قديمة الطراز. واختتم المقال بقوله: «إذا لم تكن الحرب ضد العراق قد علمتنا، فانه ليست لدينا القدرة على التعلم من أي شيء آخر».