ان ما عاشته منطقة المتلوي من أحداث وتوترات خطير بين العشائر ورغم انها في ظاهرها تبدو كرد فعل على وضع ومستجدات معينة سواء انطلاقا من حادثة حقيقية أو مجرد إشاعة , لكنها في الواقع أعمق من ذلك باعتبار المجتمع التونسي مازال يخضع الى منطق القبيلة تطفو الى السطح كلما سنحت الظروف بذلك, إلا انه لا يمكن التعرض الى أحداث المتلوي دون وضعها في سياقها التاريخي باعتبار أن جذور الظاهرة تمتد الى سنوات عديدة وليس مجرد نعرات تتحرك صدفة ... في هذا الاطار, يؤكد الدكتور سالم الأبيض وهو مختص في علم الاجتماع ان التوزيع القبلي او العشائري في تونس بقدر ما كان جغرافيا إلا ان أزمة الثلاثينات و عديد الأحداث الأخرى أدت الى إعادة تشكيل هذا المشهد حيث سعت اغلب القبائل التي كانت تفضل التنقل لأغراض فلاحيه الاستقرار في أماكن معينة, وإن كانت هناك أحداث أخرى غيرت من طريقة توزع القبائل عما كانت عليه من قبل .... يؤكد المختص في علم الاجتماع أن نظامي بورقيبة وبن علي حاولا الاستفادة من هذه التركيبة العشائرية وبقدر ما خلقا توازنا بينها خلقا نوعا من الصراعات, فقد حاول بورقيبة مثلا على مستوى البلديات في المضيلة وأم العرايس والمتلوي, أحداث نوع من التوازن بين مختلف العشائر, لكن في نفس الوقت وقع استبعاد أطراف معينة اعتمادا على سلم الدرجات أي أشخاص من درجة اولى وآخرين من درجة ثانية, لكن خلف هذه الصورة المتوازنة تتخفى بوادر الصراع تستغلها الأنظمة لتحقيق أهدافها من خلال استخدام طرفا ضد آخر. اما بالنسبة للوضع في الجنوب فقد كان قطاع الفسفاط يخضع الى المنطق العشائري حيث تقع الترقيات داخل المؤسسة حسب العشيرة وليس الكفاءات , وهذا ما جعل المسالة تيقى بشكل خفي لكنها في نفس الوقت قابلة للانفجار بحكم ان الأنظمة لم يكن لها مشروع وطني بل كانت تسعى بشكل ما للمحافظة على هذه التوازنات الظاهرية لكنها تخفي في عمقها نوعا من الصراعات لتحقيق مصلحتها عند الاقتضاء و يجب البحث عن حل لتفادي الأسوإ لأن ما حدث في المتلوي يمكن ان يتكرر في أي منطقة أخرى ... مشروع وطني لاحتواء منطق العشيرة ... ويرى الدكتور سالم الأبيض ان الحل الأمثل والسريع هو إرساء مشروع وطني قادر على احتواء هذه المسالة وتعبئة جميع مكونات المجتمع في اطار قضية محورية وموحدة للجميع دون اختصارها في نطاقها القبلي او العشائري او حتى الجهوي.. ويضيف: عندما نختزل اليوم كل ما قدمه الشعب التونسي بعد الثورة في المصلحة الشخصية العشائرية الضيقة وأمام ضعف الدولة , فان ذلك يؤدي حتما إلى عودة العقلية العشائرية للبروز ويصبح الفرد يتصرف وفق هذه العقلية لكن الأمر يزداد خطورة اذا استغلت عديد الأطراف لمصلحتها الشخصية, خاصة عندما تكون الدولة عاجزة عن تقديم مشروع وطني تعبوي قادر على استقطاب مختلف الأطياف وتعبئة الشعب حول مسألة موحدة فتبرز هذه الصراعات بشكل متواصل... كما ذكر عالم الاجتماع ان الحكومات التي تعاقبت في تونس بعد الثورة كان أداؤها مهزوزا ولم يكن لها مشروع واضح لكن «حسب تقديري فان الإخلال بمهام الدولة قد يؤسس الى صراعات ذات طابع عشائري أو جهوي تهدد مستقبل البلاد ...لذلك فان الحل الامثل هو ان تمر الحكومة من مرحلة الاقوال الى الافعال وان تخوض معركة من اجل المستقبل ..تكون في مستوى تدفق المعلومات الالكترونية لمحاصرة الشائعات حتى لا تسمح لعديد الأطراف من استغلالها لإثارة الصراعات القبلية وهو ما قد يحدث في عديد المدن التونسية وهذا لا ينفي الدور الهام الذي قد تلعبه النخب والحكماء في الحد من هذه الظاهرة خاصة في المرحلة الحساسة التي تعيشها تونس . كما دعا الدكتور الابيض الى ضرورة فهم طبيعة تركيبة المجتمع التونسي لإرساء طرق ناجحة للتعامل معه تقطع مع منطق القبلية واثارة الصراعات في وقت تنتظر فيه عديد الأطراف الفرصة المواتية لبث الفتن ونشر الفوضى وكي تبقى تونس للجميع دون إقصاء او تهميش ...