تونس الشروق في تحليله للأوضاع للعلاقات الدولية، بعد ثلاث سنوات من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وصف الدكتور عبد المجيد العبدلي، أستاذ القانون الدولي بالجامعات التونسية، ما يحدث بأنه فوضى عارمة، استفادت منها خاصة الولاياتالمتحدةالأمريكية... وحذّر من سيادة الفوضى في العلاقات الدولية مع طموح بعض القوى الأقليمية الى محاكاة الدور الأمريكي. *بعد ثلاث سنوات من تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، ما هي السمات الأبرز للعلاقات الدولية اليوم؟ العلاقات الدولية اليوم تتسم بالفوضى، التي تتجسد خاصة في التدخل في شؤون الدول، حتى درجة الاحتلال المباشر. بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، احتلت أفغانستان والعراق، وتهدد السودان أيضا، والفوضى في العلاقات الدولية هي ظاهرة خطيرة جدا تعود بنا الى القرنين 14 و15 عندما كانت الشعوب تستعمر باسم الدين والأخلاق والتحرير... عندما كانت اسبانيا تحتل أمريكا الجنوبية، ثم بريطانيا التي احتلت أمريكا الجنوبية... ثم فرنسا وبريطانيا في احتلالهما لدول في افريقيا وآسيا، تحت نفس المسميات... وكأن التاريخ يعيد نفسه. ما يحدث اليوم، أن أكبر قوة في العالم، تمارس الفوضى، علنا وبصفة متعمدة، لأن حالة الفوضى وعدم الاستقرار الدوليين لا تخدم سوى الأهداف الأمريكية، وقد عمقت أحداث الحادي عشر من سبتمبر من هذه الفوضى المتعمدة حيث أصبح العالم يقبل بأي تدخل أمريكي وقد رأينا أنه لا منظمة الأممالمتحدة، ولا أي دولة، قد أدانت احتلال العراق مثلا، وقد كانت الكنيسة في السابق تبارك احتلال الدول (باسم التحرير والدين والأخلاق) أما اليوم فان مباركة الاحتلال كانت بالصمت عليه وعدم ادانته، وعدم كشف الانقلاب في المفاهيم والمصطلحات الذي تعرفه العلاقات الدولية وتم تكريسه حتى على مستوى الديبلوماسية والمصطلحات المستعملة بين الدول. * وكأنكم تلمحون إلى أن تلك الأحداث كانت متعمدة؟ الولاياتالمتحدةالأمريكية اتهمت تنظيم «القاعدة» ولكني أعتقد أن مجموعة مهزومة ومعزولة كما هو عليه وضع «القاعدة» هي غير قادرة على القيام بتلك التفجيرات بدون مساعدة مباشرة من دولة. والولاياتالمتحدةالأمريكية في هذه القضية طرف وحكم، قدمت الأدلة وهاجمت أفغانستان والعراق، وفي الحقيقة، حتى الأدلة المقدمة بها ثغرات عديدة... وكل ما حدث أن العالم قبل بالأدلة التي قدمتها الولاياتالمتحدةالأمريكية وكفى، ولكنها معطيات واصلت حالة الغموض ولم تكشف شيئا، غموض يخدم في حقيقة الأمر مصلحة الأمريكيين قبل أي طرف آخر، فهل يعقل مثلا أن يجدوا قرآنا وجوازات سفر المتهمين ولا يجدوا الصندوق الأسود للطائرة؟... أعتقد أن من نفّذ هذه العمليات هو المستفيد مما يحدث من ابادة تستهدف الفلسطينيين والعراقيين... أما ما يقال من اعتراف جماعة القاعدة بهذه التفجيرات فاعتقد أنه بامكان هؤلاء، وهم فئة مهزومة ومعزولة في الجبال، أن تدعي مثل تلك «البطولة»، كل ذلك لا يخرج عن كونه دعاية من قبل مجموعة يائسة من الحياة. *ما هو الرابط الممكن بين التطلعات الامبراطورية الأمريكية وهذه التفجيرات؟ التطلعات الامبراطورية الأمريكية انطلقت منذ سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي الذي أحدث فراغا سدته الولاياتالمتحدةالأمريكية وطالما كانت هذه القوة الباطشة، بدون رادع فإنها ستتصرف كامبراطورية ولكن ما حدث أن مفهوم الامبراطورية قد انقلب من القوة الاقتصادية التي تؤدي الى البطش السياسي والعسكري كما حدث مع الامبراطوريات القديمة الى وضع جديد تسود فيه الامبراطورية الأمريكية، عسكريا في حين تعيش وضعا اقتصاديا متدهورا، ولعل ما يعيشه الدولار الأمريكي حاليا من انكماش، هو أحد مظاهر تلك الأزمة. ولكن بامكاننا أن نتساءل، هل ستستمر «حالة الامبراطورية» هذه؟ العراق سيحدد مستقبل هذه الامبراطورية ولا أعتقد أن الاقتصاد الأمريكي، قادر على استيعاب الخسائر الأمريكية في العراق وفي أفغانستان وفي العالم عموما... بل إن احتلال العراق، لم يحقق لهذه «الامبراطورية» الأهداف التي تحولت من أجلها إلى هذا البلد، ومنها ضمان تدفق البترول... لذلك تتسم ردود فعل هذه الامبراطورية بالجنون... اذن الذين خططوا لتحقيق كل تلك الأهداف اعتمادا على احداث الحادي عشر من سبتمبر، لم يتوقعوا أبدا حالة التدهور التي هم عليها اليوم في العالم ولذلك يتخبط السياسيون الأمريكيون، حيث أن ما يحدث في العراق، هو الذي يحدد الوضع في أمريكا وليس العكس، وتلك هي أولى المخاطر التي تترصد «الامبراطورية». *كيف ترون واقع العرب والمسلمين ازاء هذه الأوضاع الجديدة الناجمة عن أحداث سبتمبر؟ بعض العرب أصبحوا يمثلون خطرا حتى على أنفسهم من خلال السلبية التي يتعاطون بها مع أوضاعهم، فهل يعقل مثلا ألا يدين العرب ما يحدث في العراق؟ وهل يعقل ان توصف المقاومة في فلسطين والعراق من قبل بعضهم بالارهاب؟ العرب أخرجوا أنفسهم من التاريخ والمقاومة في فلسطين والعراق هي الكفيلة باعادة الاعتبار الى الوضع العربي المتدهور. *وكيف ترون واقع منظمة الأممالمتحدة التي أصبحت تتخذ من القرارات المعادية للعرب ما لم تتخذه أبدا في السابق. وخاصة بعد القرارات الأخيرة ضد سوريا ولبنان وإيران .. المنظمات الدولية لا تساوي شيئا بدون الدول الأعضاء فيها والتوازن بين الدول الأعضاء هو الذي يحرك هذه المنظمات ولكن ما يحدث أن الولاياتالمتحدةالأمريكية هي الأقوى وهي التي تمارس الفوضى، التي غيّبت منظمة الأممالمتحدة واليوم، نرى أن مجلس الأمن الدولي قد أصبح يأتمر أمرا، بالمواقف الأمريكية وآخر مثال على ذلك القرار رقم 1559 الذي اتخذ بشأن العلاقة بين لبنان وسوريا والذي شكل خرقا واضحا لميثاق منظمة الأممالمتحدة الذي ينص في مادته الثانية من الفقرة السابعة على أنه «ليس في هذا الميثاق ما يخوّل للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون الداخلية لدولة ما». وهي قاعدة ملزمة من قواعد القانون الدولي، ولا يجوز خرقها. *كيف يتراىء لكم مسار الهيمنة الحالي؟ كلما كان هناك توازن اقتصادي وسياسي وعسكري في العلاقات الدولية كلما ازدهرت هذه العلاقات ولكن للأسف هذا التوازن مفقود اليوم كما أن الرأي العام العالمي مغيب قانونيا، والحكومات واقعة تحت التأثير الأمريكي، وبالتالي اعتقد أن مآل هذه الأوضاع هي البقاء لعشرية أخرى على الأقل ما دام التوازن الاقتصادي والعسكري مفقود، بل أن الاوضاع تنذر بمزيد من الخطر بما أننا نرى بعض القوى الاقليمية تحاول اقليميا لعب الدور الذي تلعبه الولاياتالمتحدةالأمريكية في العالم كما يحدث مع الممارسات الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط كما أني لا أرى قوة أخرى، في المستقبل القريب بامكانها أن تدفع باتجاه حد أدنى من التوازن.