ليبيا.. تفاصيل صادمة عن اطلاق نار على ممرضات في محيط مجمع صحي    الرئيس الكولومبي يهدد بانتفاضة ضد الولايات المتحدة    رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري ل«الشروق» «فجوة الإنتاج» أحد أسباب ارتفاع الأسعار    خبر باهي لسيدي بوسعيد: مشروع استعجالي باش ينقذ الهضبة ويحمي الديار    الشيخ محجوب: ''الاشتراك في أضحية العيد موش جائز شرعًا''    أخبار النادي البنزرتي .. فيلق من اللاعبين خارج الخدمة وغموض حول القاسمي    محرز الغنوشي يلمّح لعودة الشتاء: ''ماذا لو عاد معتذرًا؟''    سوسة: العثور على جثّة الطالب المفقود في شاطئ خزامة    تحت شعار «التراث وفن العمارة» انطلاق فعاليات الدورة 35 لشهر التراث من تستور    بنزرت: وضع أول دعامة باطنية للأبهر : إنجاز طبي بمستشفى منزل بورقيبة    عاجل/ يهم الحج..وزارة الداخلية السعودية تحذر..    قبلي: انطلاق فعاليات الاحتفال بشهر التراث    القصرين : انطلاق فعاليات شهر التراث بدار الثقافة ماجل بلعباس بعروض فنية ومعارض للصناعات التقليدية    رئيس البرازيل يشيد بمنع إسبانيا استخدام أراضيها لضرب إيران    منوبة: حجز وإتلاف كميات من الدجاج داخل مذبح عشوائي    تدهور الحالة الصحية للفنان هاني شاكر    وزير التجهيز: طريق بوسالم الحدود الجزائرية أولوية في مخطط 2026 2030    وزارة التربية تضع رزنامة حصص الدعم عبر منصة "جسور"    طقس الليلة    كاس تونس لكرة السلة: الاتحاد المنستيري يفوز على شبيبة القيروان 75-50 ويلتحق بالنادي الافريقي في النهائي    سليانة: حملة نظافة مشتركة بجبل الملاحة بالكريب في إطار حملة "خليها تعيش" لحماية الثروة الحيوانية والغابية    غدا الاحد افتتاح تظاهرة "شفافيّات متقاطعة" حول فنّ الزّجاج بفضاء صديقة بقمّرت    نابل: "مسار النارنج".. رحلة سياحية تفاعلية لاكتشاف مسار الزهر من الحقل إلى التقطير وتجربة إنسانية تثمّن الموروث الثقافي للجهة    عبد الرزاق هديدر مدربا جديدا للمنتخب التونسي للأصاغر دون 17 سنة    المبادلات التجارية بين تونس وليبيا تنمو ب11 بالمائة سنة 2025 و الشراكة الاقتصادية تتعزز خلال معرض طرابلس الدولي    رائد الفضاء الروسي كيريل بسكوف: تونس دخلت مرحلة عالمية في مجال علوم الفضاء    اكتشاف قد يغيّر حياة الملايين: علاج الضغط من الرقبة!    صلاة الحاجة: شنّوة هي، كيفاش تصليهاوشنّوة دعاؤها الصحيح    عاجل: أطباء التجميل في تونس يطلقون جرس إنذار...لا للحقن خارج القانون    عشبة من كوجينتك تنجّم تقوّي الذاكرة!    أسعار العلوش شاعلة فيها النار في القيروان: من 760 لزوز ملايين    وزير الاقتصاد يعقد جملة من اللقاءات الثنائية في اطار مشاركته في اجتماعات الربيع لمجموعة البنك العالمي بواشنطن    غدا الاحد ، تحويل جزئي لحركة المرور بالضاحية الشمالية (وزارة الداخلية )    بطولة كرة اليد: برنامج مواجهات اليوم من الجولة الرابعة إيابا لمرحلة التتويج    مضيق هرمز: إطلاق نار على ناقلة نفط وسفينة تجارية    سليانة: إيداع 4 أشخاص السجن في قضية فساد مالي وإداري بمشروع فلاحي    كأس تونس: برنامج النقل التلفزي لمواجهات اليوم من الدور ثمن النهائي    قمة الترجي وصن داونز: التوقيت والقناة وين؟    انقطاع كهرباء غدًا بعدة مناطق في المهدية لساعات.. هذه التفاصيل الكاملة    وفاة الممثلة الفرنسية ناتالي باي    عميد قضاة التحقيق يصدر بطاقات ايداع بالسجن في حق ثمانية أشخاص على ذمة الكشف عن 700 طنا من النحاس مجهول المصدر    عاجل : بلاغ يهم جماهير الترجي    تونس تحيي الذكرى 70 لعيد قوات الأمن الداخلي تحت شعار" التزام، انتماء ووفاء"    اليوم : الفاتح من شهر ذي القعدة 1447 ه في تونس    عاجل/ ايران تعلن اعادة السيطرة على مضيق هرمز..وهذه التفاصيل..    سوسة: العثور على جثّة الطالب المفقود بشاطئ خزامة    خلال براكاج مروع بالجبل الأحمر: منحرفون يحاصرون مواطنا يرشونه بعبوة غاز مشل للحركة ثم يعنفونه ويحيلونه على الانعاش    ست مؤسسات تونسية تشارك في صالون الصناعات الذكية بمدينة هانوفر الالمانية من 20 الى 24 أفريل الجاري    عاجل/ ايران تعيد فتح مجالها الجوي..    ترامب يهاجم "الناتو" مجددا: تحالف بلا فائدة    إنجاز طبي بمستشفى منزل بورقيبة: إجراء أول عملية لتركيب دعامة للأبهر الصدري النازل    غدا السبت.. الفاتح من شهر ذي القعدة 1447هجريا    بشرى سارة: 208 مم من الأمطار لعين دراهم    عاجل/ حادث اصطدام مروع بين قطار المسافرين وشاحنة ثقيلة بهذه الولاية..وهذه حصيلة الجرحى..    تحري هلال ذو القعدة: الحسم بيد ديوان الإفتاء    عاجل : يهم التوانسة ...غدوة دخول مجاني للمواقع الأثرية والمتاحف    المنصف عبلة يثير الجدل بتصريحات حول وضعه المالي    ما تفوّتش: أقوى أدعية نهار الجمعة للرزق والفرج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رجل كألف...وألف كأف
نشر في الشروق يوم 06 - 06 - 2011

الرجال لا يقاسون بالطول والعرض، وجمال الخلقة.... وقبحها ولا بالغنى والفقر وأناقة المظهر والوجاهة والسلطان...فكل ذلك أعراض تزول وتموت مع الجسد...
ولكن البقاء للجوهر الذي هو الأصل وعداه مكملات لا ولن تعطي الرجل قيمته الانسانية وشخصيته البشرية ومكانته الاجتماعية ليكون رمزا فاعلا ومنفعلا في أي مجتمع على هذه البسيطة في دنيا الناس...
فالرجال عندي وفي اعتقادي كالمعادن هذا رخيص تافه وذاك غال نفيس عزيز وقد يكون هو الوتر النادر... فالأول في متناول الجميع سهل المنال...والثاني منقطع النظير أو يكاد...لا نجده إلا بعد جهد جهيد...وشتان بين الذهب الإبريز وبقية المعادن غير أن جميعها رغم تفاوتها قيمة وأصلا وفصلا مفيدة لا غنى عنها...كذلك الرجال يملؤون فضاءاتهم عملا دؤوبا ومثمرا أو يعيشون على هامش الحياة عالة على مجتمعاتهم غربانا تنعب أودودا يأكل أو خفافيش تملأ النفوس قلقا وحزنا... والمجتمعات كل المجتمعات العاقلة والتي تنقاد غريزيا كلها فيها الصالح والأصلح والطالح والأطلح، والأفسد والمفيد والأفيد، والفاضل والأفضل والشقي والأشقى وتلك قارئ العزيز سنة اللّه في خلقه وسرّ الخليقة وماهية وجودها والقدر والغيب والمشيئة فلحكمة أرادها العلي القدير... لم يكشف معناها...ولم ترفع عنها الحجب بعد...
والمتأمل في حياة الرجال العظام ذوي النفوس الكبيرة إذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام فهذه النفوس الزكية العظيمة بأفكارها الثاقبة النيّرة وأعمالها الجليلة المبدعة وفضائلها السامية وثمار مجهوداتها اليانعة... وما تركوا لمجتمعاتهم وللبشرية قاطبة من أمجاد في بطولاتهم ومواقفهم الشجاعة وأعمالهم الخيّرة وسيرتهم كل ذلك خير وبركة مازالت البشرية مشرقا ومغربا تكرع من هذا التراث المفيد وتنهل من مائه العذب الفرات...والحضارات دائما يقيمها ويبنيها الرجال العظماء الذين لا يريدون جزاء ولا شكورا هكذا كالأشجار المثمرة ترميها بالحجر فترميك بالثمار وليس عجيبا مادام الرجال معادن وكل معدن يعبر عن ذاته بكل صدق وشفافية كل إناء بما فيه يرشح).
فهذه الأمجاد والتضحيات والبطولات لم يمحها الزمن...ولا حتى الموت وقد نتساءل حيارى مبهوتين ثم نقف مندهشين ذاهلين؟؟!!
سبحانك ربي! ما هؤلاء بشر!!!
فلا أقول بشر ولا ملائكة وإنّما هم ملوك الأرض...
وما إن ندرس سيرتهم ونقف على حياتهم ونطّلع على جميع مواقفهم الخاصة والعامة، الكبيرة منها والصغيرة، وفي معاملاتهم ورغباتهم، مبادئهم وطريقة عيشهم... بعد تلك الدراسة المعمّقة تتبيّن شمس الحقيقة وتظهر لذي عينين في عمق البصيرة على الأرض وبين الأنام. فتزول حيرتنا لأننا ندرك بعقولنا ونؤمن بقلوبنا أنّ هؤلاء بشر جعل منهم الإسلام أمّة متفرّدة منهجا وسلوكا ومتميّزة تربية وعقيدة ودستورا وتلك لعمري نعمة حبانا بها اللّه بفضل القرآن الذي مازال غضا طريا.
{إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون} وكذلك السنّة المحمديّة التي لولاها لما فهمنا القرآن ولا فقهنا الإسلام كدين وشريعة، وعقيدة عملا ومنهجا وسلوكا وبالتالي رقيّنا ونجاحنا دنيا وآخرة لا طقوس وعبادات تمتمات همسات وشطحات ركوع وسجود وبركات وعبادات ثم نتفاخر أيّنا عمل أكثر!!
فليس في هذا إلاّ أضعف الايمان فالاسلام دين وعمل وإدارة ودستور وحياة وجهاد في سبيل مجتمع أفضل وأرقى...
فهؤلاء المسلمون حقا والمتميّزون صدقا لم تتمرد عقولهم على قلوبهم. وإنما كانت عقولهم تنير لهم المجاهيل، ويبقى للعقل ميدانه وللقلب مجاله وللذّات احترامها وللروح قداستها وكل من العقل والقلب والروح في تفاعل وتكامل لبعث الانسان المبدع الفنان الذي يسعى وراء تمجيد الانسانية حتى تكون في مستوى عظمة الكون ونواميس الطبيعة في قوّتها وجبروتها، حنوّها وجمالها، خيرها وشرّها في وجود الى زوال محتوم وللّه الأمر من قبل ومن بعد...
وما الطبيعة ومظهر الكون الفسيح العجيب الغريب
الزمان والمكان والبداية والنهاية والانسان والجوهر والظاهر منه والباطن يحوي كل هذه المنظومة في إبداعاتها، تفاعلها وامتدادها في ماهية الزمان والمكان وما وجود تلك المنظومة إلاّ لبقاء الانسان ذلك الانسان الفاعل... رجلا كان أو امرأة... وطبعا لا يمكن أن يكون حيوانا أو جمادا... وهكذا نجد الرجل الطيّب والمرأة الطيّبة يتعاونان لبناء عالم يطيب فيه العيش ويحلو... وأما الذين خبثت نفوسهم، فلا يعطون إلاّ القبح والفساد والرّداءة وسوء المصير...
فهذه حقيقة نعيشها ونتعايش معها بكل مرارة... ومثلما قلت عن تجربة واقتناع. «رجل كألف... وألف كأفّ... أقول أيضا امرأة كألف... وألف كأفّ وذلك لأن حتميّة المشاركة بين الرجل والمرأة في البناء والتربية والخلق والتأسيس حتمية متلاحمة متصلة، وحتى في حالة الانفصال تأخذ وضعا آخر في عمق استقلاليته سموّ التضحيّة ومعاني البطولة وعبقرية الابداع، غير أنّ هذا المظهر يبقى ناقص التكوين للذّات البشرية بعيدا عن التأطير الاجتماعي في تكامله المتطوّر أفقيّا.
وعموديا في الفضاء الكوني القاعدي البنّاء وفي آفاقه وأبعاده في المطلق اللامحدود...
وفي طليعة هؤلاء الرجال وأعظمهم مكانة وأكثرهم سؤددا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، في عظمته قبل النبوة وبعدها وقد زادها الإسلام عظمة ونورا على نور، يهدي لنوره من يشاء... وقد اخترت هذه الشخصية المتميزة لأتحدث عنها إلا أني رأيت أنها تحظى بعناية السماء لتبليغ رسالة مقدسة ولهداية البشرية الضالة إلى الطريق المستقيم هذه واحدة والثانية أن محمدا رسول الله ے تناولته الأقلام قديمها وحديثها شرقا وغربا وأطنبوا في الحديث عنه حتّى أمسى معروفا بالضرورة... وما عاد ينكره إلاّ كافر عنيد أو مشرك لعين... ففكّرت وقدّرت، فإذا بشخصية درستها كثيرا وأحببتها حبّا جمّا من الشباب وفي المعهد الثانوي حتى الجامعة وبعد التخرّج وأنا في التدريس ومازلت شغوفا بها إنّها شخصية علي بن أبي طالب، ابن عمّ محمد رسول الله ے الذي كان مرآة صادقة لشخصية النبي رسول الله في كل كبيرة وصغيرة... ذلك الرجل العظيم الذي رفعه عمله إلى أعلى علّيين وتسامت بشريته سُمّوا كادت تضعه في مصافّ الأنبياء والرسل...فرأيت لزاما عليّ أن أبدأ بالكتابة عنه تعريفا وبيانا لأني آمنت أنّه جدير أن ينضوي في «رجل كألف وألف كأفّ» فإذا رضي كرّم الله وجهه أن يكون كذلك فمن تواضعه وزهده وتقواه لأنه أكثر ممّا ذكرت...
وهو أهل لذلك وأكثر لأننا مهما كتبنا عنه وتكتب لا نصل ولن نصل إلى إعطائه شيئا ضئيلا من حقّه علينا معشر المسلمين قاطبة...
إنّه بحق وبكل جدارة رجل كألف... فسيرته وحياته منذ الطفولة حتّى اغتياله بخنجر الغدر والكفر بيد عبد الرحمان بن ملجم تبت يداه وانتقاله إلى مولاه في مقام كريم جنّة عرضها السماوات والأرض أُعدّت للمتقين...
وحتّى ألقي بحمل ثقيل أتعبني... وأقضّ مضجعي... أخذت يراعتي وتوكلت على الله.. لأكتب ما توصّلت إليه وما حفظته وما جمعته وهو قليل نزر عن سيرة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه...
والكلام عن الخليفة الرابع ابن عم محمد رسول الله وصهره زوج ابنته الصغرى «فاطمة الزهراء أم الحسن والحسين حفيدي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، فالكلام عن هذه الشخصية النادرة خطير واسع وعميق متشعب تكل فيه العقول وتضيع فيه النفوس وتقف دونه العزائم وهذا ما يجعلني مقصّرا.. ولا سيما وأنا أكتب مقالا تضيق عنه الجريدة والفضاء المحدود...فعزائي الوحيد أن أكون حرّكت سواكن المثقفين من شبابنا العربي المسلم لشخصية من شخصيات آل البيت عاش كألف واستشهد قدوة ومثلا أعلى في دنيا البشر وبقي خالدا في العالمين..
هرعت السيدة فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي حاملة بعلي عليه السلام في شهرها التاسع ورفعت طرفها تدعو الله حتى تضع حملها في أحسن الحالات، فإذا بجدار الكعبة ينشق، فتدخل السيدة فاطمة في جوف الكعبة وتلد ابنها عليا... وهناك مكثت ثلاثة أيام تأكل من ثمار الجنة... ولم يستطع زوجها أبوطالب، وجماعة من قريش فتح باب الكعبة، وتلك منة يمنها الله على أوليائه الصالحين وكرامة يهبها لمن يشاء... وليست الشيعة وحدها هي التي ذكرت هذه الكرامة، بل ذكرها أيضا علماء السنة كالمسعودي في مروج الذهب... وعبد الحميد خان الدهلوي في سيرة الخلفاء... وهكذا فرح أبوطالب... وتسلم وليده المبارك... فأخذه وقبله... وأولم أبوطالب ونحن ثلاثمائة من الابل وألف رأس من البقر وطافوا بالبيت سبعا.
والذي أثار الناس وحيرهم كلام علي في المهد ولم يتجاوز الأيام الثلاثة... والأغرب من ذلك أن يقرأ آيات من القرآن... مع أن القرآن لم ينزل بعد على النبيء وقتئذ، تكلم الرضيع علي بن أبي طالب فقال:
بسم الله الرحمان الرحيم «قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون... إلى آخر الآيات... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أفلحوا بك، وقرأ الرضيع تمام الآيات الى قوله «أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنت والله دليلهم وبك يهتدون وتلك تالية معجزة أظهرها الله مثلما ظهرت معجزة عيسى عليه السلام وهو يكلم الناس في المهد... فيقول: «إني عبد الله أتاني الكتاب وجعلني نبيئا... الى آخر الآية...
وإني لا أرى غرابة في ذلك... فقد أنطق الله عيسى فما المانع ان ينطق عليا والفارق بين هذا وذاك، النبوة وخلافة النبوة وليس ذلك بعزيز على قدرة الواحد الأحد...
فتلك خارقة للعادة أردت ذكرها ليعلم خواص الخصوص والخاصة والعامة قيمة علي... وعلى كل فولادة علي بن أبي طالب يوم الجمعة في الثالث عشر من شهر رجب بعد مضي ثلاثين سنة من عام الغيل على أشهر الأقوال والله أعلم...
وقد تربى في بيت النبوة على يد محمد الأمين وبرعاية أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ذات الحرم المصون وقد ذكر الرواة التقاة الثقات أن محمد (صلى الله عليه وسلم) قال لأم علي فاطمة بنت أسد، اجعلي مهده بقرب فراشي وقد واصل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الاعتناء به منذ نعومة أظفاره، رضيعا وطفلا وشابا زكيا وقد قال فيه: «هذا أخي ووليي وصفيي، ذخري وكهفي وظهري ووصي، وزوج كريمتي، وأميني على وصيتي... وخليفتي... وكان لا يفارقه طرفة عين... ولو أردت الكتابة عن أفضلية علي عند رسول الله لضاق عنه ذلك الفضاء وهذا المقال ولما كفاني الا كتاب على رأسه لكن من يريد الاطلاع على علي الخليفة الراشد ومن آل البيت فعليه بفضائل الامام علي «لمحمد جواد مغنية ومحمد كامل حسن المحامي في «عظماء الاسلام... وعلي من المهد الى اللحد، ولمحمد كاظم القزويني والخلافة والخلاف في خلافة علي بن أبي طالب لأحمد اللغماني والقائمة تطول...
والإمام عليّ بقطع النظر على أنه ابن عمّ النبيء فإنه جاهد في اللّه حقّ جهاده ونصر الاسلام وكسّر الأصنام وفدى محمّدا بنفسه طيلة حياته وواصل الجهاد بنفس الايمان وبكل حماس وإخلاص لإعلاء كلمة اللّه وتركيز الدولة الاسلامية كلّفه ذلك ما كلّفه حتى انتهت حياته شهيدا مقتولا بخنجر الغدر المسموم على يد عبد الرحمان بن ملجم عند صلاة الصبح وفاز بالشهادة..
ويكفيه فخرا وعظمة قول النبي محمّد رسول اللّه ے: «لأعطينّ الرّاية غدا رجلا يحبّ اللّه ورسوله، ويحبّه اللّه ورسوله» وذلك في غزوة «خيبر الذي عجز أجلّ الصحابة ولم يقدروا على فتحها وهي معقل لليهود بالمدينة المنورة وقتذاك ورجع عمر بن الخطاب خائبا وكذلك أبوبكر الصديق لم يقدر فإذا برسول اللّه يأتي بالنبإ العظيم حسما للأمر فيقول لأعطينّ الراية الى آخره ثم قال: «أين عليّ بن أبي طالب»؟ ورغم مرضه استطاع النبي أن يداويه من رمد أصاب عينيه وكان ما كان وفتح اللّه عليه ودخل حصون خيبر المنيعة وفتحها وعاد عليّ الى صفوف المسلمين يحمل الراية لرسول اللّه وكان صدقا وعدلا «رجل كألف» وكما قلت آنفا لو كانت عنده هذه فقط لكفته فخرا وعظمة لكنّ الرجل كانت حياته كلّها جهادا وتضحية في سبيل عزّة الاسلام والحقّ والكرامة وشرف الإنسان.
وأضف الى ذلك فهو من أهل البيت بصريح الآية {إنّما يريد اللّه ليُذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا} صدق اللّه العظيم.
روى أبو سعيد في شرف النبوّة أن رسول اللّه ے قال لعلي: «أوتيت ثلاثا لم يؤتهنّ أحد، ولا أنا، أوتيت صهرا مثلي، ولم أوتَ أنا مثلي، وأوتيت زوجة صدّيقة مثل ابنتي ولم أوت مثلها زوجة وأوتيت الحسن والحسين من صلبك ولم أوت من صلبي مثلهما، ولكنّهم منّي وأنا منكم وقد فضّل اللّه عليّا فزوّجه فاطمة «الزهراء البتول» سيّدة نساء زمانها، وسيدة أهل الجنّة ابنة رسول اللّه محمد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب. وقد قال لعليّ «يا عليّ هذا جبريل يخبرني أن اللّه زوّجك فاطمة».
وإني لو واصلت تقديم مناقبه وفضائله كرّم اللّه وجهه لحبّرت مئات الصفحات وإنما أقف عند قوله: «إنّ إمامكم اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعامه بقرصيه» وقد باع سيفه ليشتري إزارا بدهمين، فما أعظمك يا خليفة رسول اللّه! تبيع سيفك وأنت خليفة المسلمين على العراق وفارس والحجاز واليمن ومصر، واكتفيت بطمريك وقرصيك، فليس غريبا وأنت ترعرعت وتربّيت في جوار الرّسول محمّد فاقتديت به قلبا وقالبا لكن الأعجب من ذلك وأنت بشر لم ينزل عليك وحي ولا أنت نبيء فتقول: «الدّنيا جيفة، فمن أراد منها شيئا فليصبر على مخالطة الكلاب» هكذا لفظتها لفظ النواة وكانت عندك يا عليّ «أتفه من ورقة في فم جرادة» ألا فلينظر حكّامنا وأولو الأمر الذين يتكالبون على الدنيا وشهواتها غير مهتمين بشعوبهم يأتون على الأخضر واليابس، يفسدون ولا يصلحون ألا فليفهموا ويتتبعوا سيرة حياة محمد رسول اللّه وصحابته الميامين والخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين عساهم ينالون خيري الدّنيا والآخرة فالسّلف الصالح بشر كانوا حكاما صالحين مثالا للعدل والتربية والأخلاق لم يتخرّجوا من المدارس الغربية ولا من الجامعات الكبرى ولم ينالوا الشهائد العلمية العليا في كل المجالات ولكنهم تخرّجوا من مدرسة الاسلام على يد محمّد رسول اللّه ألا تشبّهوا بهم إن لم تكونوا مثلهم فإنّ التشبّه بالكرام فلاح.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.