الذين تتبعوا بالأمس، كلمة الرئيس الأمريكي بوش، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكذلك كلمة الأمين العام لهذا المنتظم الأممي، لا بدّ أن يكونوا قد أدركوا عمق الأزمة التي يتخبّط فيها الرجلان، ومن ورائهما الادارة الأمريكية من ناحية، والأمانة العامة للأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي الى حدّ ما، من ناحية أخرى. الأمين العام للأمم المتحدة، (وفي نفس السياق الذي اعتبر فيه، قبل أيام، أن الحرب على العراق تمّت خارج القانون الدولي، في تصريح قال إنه «انتزع» منه)، قال بالأمس، أن الحرب على الارهاب بدأت تنتهك حقوق الانسان، وقد حرص هذه المرة أيضا على عدم الإصداع بالحقيقة كاملة، حينما لم يسمّ الأمور بمسمياتها، ولم يقدّم صراحة، التوصيف القانوني المنصف لما يحدث في العالم. فالحرب على العراق التي تمّت خارج أطر الشرعية الدولية، وهي مسألة لم تكن تنتظر حكم الأمين العام الأخير للوقوف على مدى شرعيتها، فهي أول وأشرس مظاهر الإرهاب، وأول نتائج حرب بوش المزعومة على الإرهاب، واحتلال بلد وضرب سيادته هي أشد انتهاكات حقوق الإنسان، وقد بدأت تلك الانتهاكات منذ فرضت العقوبات ضد الشعب العراقي قبل أكثر من 13 سنة، بمباركة من الأممالمتحدة. الأمين العام للأمم المتحدة، قدّم أمام أعضاء الجمعية العامة، درسا مطولا، حول ضرورة احترام القانون الدولي وضمان تنفيذه، وقد فاته أن الجمعية العامة، بأعضائها المائة والتسعين، شكلت دائما التعبير الصريح والصادق عن الضمير الانساني العالمي، والملجأ الذي يتم اللجوء إليه، كلما جارت أحكام مجلس الأمن الدولي، عندما يغلّب البعض من أعضائه مصالحهم، على مصالح المجموعة الدولية، ممثلة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولذلك لم يكن أعضاء الجمعية العامة في حاجة الى من يحثهم على احترام القانون الدولي،وكان أولى بالأمين العام للأمم المتحدة، ان يحدّد أين، ومتى، وكيف تمّ الاعتداء على القانون الدولي وعلى حقوق الانسان. أما الرئيس الأمريكي، جورج بوش، فقد تحدّث مطولا، ولكنّه لم يخرج عن عادته في استعمال المفاهيم المطلقة، للخير والشر، العدل والظلم، وغيرها من العبارات الغامضة التي تفقد معناها، خاصة عندما تطرح في السياق الذي يستعمله فيها أفراد الادارة الأمريكية الحالية، فأي معنى لما يقوله الرئيس الأمريكي، عندما يردد أمام العالم بالأمس، أن قوات التحالف (عندما احتلت العراق) إنما فرضت مطالب «العالم العادل»، وأي معنى للعدل ضمن هذا المنطلق، وأي معنى لما يقول عندما يبرّر ما يحدث في العراق بأنه من أعمال «أعداء الشعب العراقي الذين يرفضون الحرية».. أو عندما يردّد أن الرد المناسب لما يحدث في العراق، ليس الرحيل بل الانتصار»! وهي الصيغة الديماغوجية، لوصف حالة الهروب الى الأمام، التي لا مفرّ للرئيس الأمريكي الذي ورّط قوات بلاده في العراق، من الانتهاء إليها. كل الأفكار التي أراد الرئيس الأمريكي طرحها، جاءت في شكل مغالطات وطبقا لأسلوب العبارات الفخمة والمفاهيم المطلقة، التي لا تؤدي الى أي معنى، ولا تعكس سوى الأزمة التي تعيشها الادارة الأمريكية، في العراق وفي أفغانستان، الذين وصفهما الرئيس الأمريكي، أحبّ من أحبّ وكره من كره، بأنهما أحدث ديمقراطيتين في العالم!