الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر اكتسب سمعة دولية هائلة من خلال الموضوعية والنزاهة والشفافية التي أظهرها من خلال تحركاته العديدة والمتنوعة على الساحة الدولية.. وبصفة خاصة تلك المتعلقة بمتابعة ومراقبة سير الانتخابات في عديد الدول... ومما يزيد في مصداقية هذا الرجل هو جرأته على الكلام حتى وان كان ذلك ضد الادارة الأمريكية وضد مصالحها.. سواء تعلق الأمر بالنزاعات والحروب الظالمة التي تخوضها مثل الحرب على العراق والتي وصفها بأنها ظالمة وحذّر من تورط أمريكا في المستنقع العراقي... أو بالعملية الانتخابية داخل الولاياتالمتحدةالأمريكية.. حيث أكد مؤخرا ان «المواصفات الأساسية الدولية» لانتخابات رئاسية حرّة ونزيهة لا تتوفر في ولاية فلوريدا وأن الجمهوريين سيعمدون الى تزوير الانتخابات لانعدام الحياد وغياب وسائل المراقبة.. ذلك أن الجمهوريين يسيطرون على دواليب هذه الولاية التي يحكمها «جيب بوش» شقيق الرئيس جورج وولكر بوش فيملكون بالتالي كل أدوات التحكم في سير العملية الانتخابية وفي عمليات الفرز التي قد تكون محددة لتعيين الرئيس الجديد مثلما حدث ذلك في انتخابات عام والتي طالب أثناءها المرشح الديمقراطي آل غور بإعادة فرز الأصوات في هذه الولاية.. وهي عملية لفّها وأعقبها غموض كبير أفضى الى اعلان فوز بوش بالرئاسة بعد 36 يوما بالتمام والكمال من قبل المحكمة العليا بالولاياتالمتحدة. وقد وصل الامر بالرئيس كارتر حد اتهام السيدة «قلنداهود» رئيسة حملة بوش تشيني في انتخابات 2000 و2004 بإظهار نفس الانحياز مؤكدا انها حاولت مؤخرا شطب 22 ألف مواطن أمريكي من أصول افريقية وهم ناخبون محتملون للحزب الديمقراطي) من القوائم الانتخابية مقابل شطب 61 فقط من ذوي الاصول الاسبانية (وهم ناخبون محتملون للحزب الجمهوري). واذا علمنا ان انتخابات عام 2000 قد حسمتها حفنة صغيرة من الناخبين أمكن لنا ادراك حقيقة المخاوف التي عبّر عنها كارتر ووجاهة التهم التي وجهها وهو الذي راقب وتابع العملية الانتخابية في ما لا يقل عن 50 دولة. وعندما يتكلم هذا الرجل بمثل هذه الصراحة ويعبّر عن مثل هذه الهواجس فإنه لا ينطلق من العدم ولا ينطق عن الهوى... وهو يملك من المصداقية والنزاهة ما يجعل صوته مسموعا وتحذيراته في محلها... وهو ما يضع ادارة بوش في قفص الاتهام ويجرّدها من كل الأغطية التي تحاول أن تتدثر بها من قبيل الدفاع عن قيم الديمقراطية والحريات لتبرير تدخلها في الشؤون الداخلية للدول. ولمثل هذه الشهادة (التي جاءت من أهلها) تكون ادارة بوش مطالبة بالكنس أمام باب بيتها لأن فاقد الشيء لا يعطيه أولا، ولأن النهي عن شيء واتيان مثيله يجردها من أية مصداقية ثانيا.. والحالة هذه، فإن ادارة الرئيس بوش التي ترفع عصا الاصلاحات الديمقراطية وتتخذها مطية لترهيب العرب خاصة ومحاولة تذويبهم في ما تسميه الشرق الأوسط الكبير مطالبة أولا وبالذات بالعناية بغسيلها الداخلي والعمل على مراقبة الانتخابات الأمريكية وتخليصها من كل الشوائب قبل التطلع الى اعطاء الدروس للآخرين حتى على حساب سيادة الدول واستقلال قرارها الوطني... وبالمحصلة، فإن ادارة بوش التي تحدث ضجيجا رهيبا في العالم مدعية نصرة الاصلاحات الديمقراطية والتي تحاول تسويق صورتها على أنها ملائكة الشفافية والنزاهة والحياد مطالبة بالتوقف مليا أمام تصريحات الرئيس كارتر واستخلاص العبر منها والبدء بتخليص الانتخابات الرئاسية الأمريكية من كل الشوائب عساها تجد آذانا صاغية في ما بعد... خاصة وأن تحذيرات كارتر تأتي بعد أسابيع من تحذيرات مماثلة أطلقها نواب ديمقراطيون نددوا فيها بغياب النزاهة والشفافية في الانتخابات القادمة ليصل بهم الامر حد المطالبة بحضور مراقبين دوليين للسهر على حسن سير انتخابات نوفمبر القادم.. وكارتر وهؤلاء أمريكيون لحما ودما ولا يمكن تصنيفهم في خانة «المتحاملين» على الادارة الامريكية او «الحاقدين» على نموذج ديمقراطي غير موجود أصلا.. بشهادة شهود من أهلها!!