مع كل عملية انتخابية تجري في بلاد الله الواسعة تجتهد الادارة الأمريكية في توزيع «النصائح» التي هي الى التعليمات أقرب... وتتعلق اجمالا بضرورة توفير مراقبين أجانب وأمميين لتقييم مدى احترام العملية الانتخابية للمواصفات الديمقراطية من حرية الاقتراع الى نزاهة وشفافية العملية الانتخابية. ليس هذا فقط بل ان الادارة الأمريكية تحرص بعد كل عملية انتخابية على اصدار شهادات الاستحسان او الاستهجان.. كما لو أنها تلقت تكليفا كونيا برعاية ومتابعة الانتخابات في دول العالم. ومع هذا، قد كنا نقبل بهذه «الرعاية» لو أنها تأتي خالصة لوجه الديمقراطية.. وخالية من لعبة الحسابات والمصالح ومتحررة من ازدواجية المكاييل والموازين.. وهو ما لا يتوفر في تعاطي الادارة الأمريكية مع كل العمليات الانتخابية.. وبالمحصلة فإننا نجد أن تقييم الانتخابات في ميزان أمريكا يخضع دائما لازدواجية المكاييل مما يفقد تقييمات واشنطن أية مصداقية... واليكم آخر دليل : فبالأمس سئل السيد آدم ايرلي المتحدث باسم الحكومة الأمريكية عن الانتخابات المزمع اجراؤها في العراق والتي ستدور تقريبا «بدون حضور الجمهور» (لا من الناخبين ولا من المراقبين الاجانب) فقال إن العراقيين يمكن ان يراقبوا العملية الانتخابية بأنفسهم وانه بإمكانهم الحكم بمدى ديمقراطيتها ونزاهتها وشفافيتها.. وبعبارة أخرى فإن الادارة الأمريكية تقول للعالم بأنها تضع ميزانا خاصا للانتخابات العراقية التي تجري (ويا للصدفة) تحت الاحتلال الامريكي.. وبأنها تقبل تحييد المواصفات الديمقراطية التي عادة ما تلجأ اليها واشنطن للحكم على أية عملية انتخابية.. كما أنها ترسل لعملائها في العراق رسالة واضحة مفادها انه بإمكانهم أن يكونوا الخصم والحكم في نفس الوقت، وان يعقدوا انتخابات على مقاسهم تؤدي الى فوزهم ما داموا يخوضون السباق وحدهم.. وانها سوف تقبل بنتائج هذه «الانتخابات» وسوف تزكيها لأنها باختصار شديد سوف تودي الى صعود حكومة عميلة تختلف عن الحكومة المؤقتة في انها «مطلية» بطلاء الديمقراطية وهو ما يعطيها نوعا من «الشرعية» يكفيها لتمرير باقي اجزاء المخطط الامريكي والتي تقضي بدعوة القوات الأمريكية للبقاء كقوات حليفة ما يكفيها من وقت لترتيب بقائها الدائم في القواعد التي هي بصدد انشائها في العراق ومن ثم الانسحاب لوقف نزيف الدم والمال الذي تدفعه في العراق بفعل الضربات الموجعة للمقاومة. أين الديمقراطية وسط كل هذا؟ وأين مواصفاتها؟ وأين توابلها من شفافية ونزاهة وحياد ادارة؟ وللجواب نقول : لقد تم بيعها في بورصة المصالح الامريكية.. وهي بورصة عمادها ازدواجية المكاييل والموازين!