ردود فعل متباينة حفت باللقاء الذي جمع الشاهد هذا الأحد بالمدب، فما دخل رئيس الحكومة بلقاء رياضي يهم الترجي بالأساس؟، وهل هو محاولة للاستفادة سياسيا من الرياضة أم تدخل عادي في رياضة مسيسة بطبعها أم هو تدخل يمليه الواجب السياسي؟. تونس الشروق: «رئيس الحكومة يوسف الشاهد يستقبل صباح (الأحد الماضي) بدار الضيافة بقرطاج كلا من وديع الجريء رئيس الجامعة التونسية لكرة القدم وحمدي المدب رئيس فريق الترجي الرياضي التونسي وأعضاء من الهيئة المديرة للترجي»... هو خبر مقتضب نشرته رئاسة الحكومة الأحد الماضي على بوابتها الالكترونية قبل أن تنقل وسائل إعلام عن الشاهد عبر الجريء وقوفه إلى جانب الترجي. فقد نقل البعض منها عن رئيس الجامعة التونسية لكرة القدم أنّ الشاهد تعهد خلال اللقاء بدعم أي تمش تتخذه الجامعة بما يضمن حقوق الترجي الرياضي التونسي، وأكدت أخرى موافقة الشاهد على تأمين المباراة الرياضية وملعبها بطاقة استيعابه القصوى... الإجراءات التي اتخذها الشاهد أو التزم باتخاذها قد تسعد جمهور الترجي فيحفظ لرئيس الحكومة جميله ولكن هل أن الشاهد بصدد الاستثمار السياسي في الرياضة؟. تدخل عادي؟ ننطلق من البديهيات فالشاهد رئيس حكومة التونسيين كلهم، والترجي بلاعبيه ومسؤوليه وجمهوره جزء من التونسيين وبالتالي فمن حقهم عليه ومن واجبه إزاءهم أن يقف وحكومته إلى جانب الترجي بالنظر إلى أهمية الحدث وإطاره. أهمية الحدث تكمن في التنافس على اللقب القاري، وإطاره هو إحساس الترجيين والعديد من المراقبين بتعرض الفريق التونسي إلى مظالم تحكيمية. في هذه الحال يكون تدخل الشاهد عاديا بالنظر إلى صفته تجاه ناد تونسي يمكن أن يكون الترجي أو النجم لاحقا أو الإفريقي أو الصفاقسي أو أي ناد تونسي آخر يمثل تونس. ما يبرر أيضا للشاهد تدخله أن هناك حساسية مفرطة وخطرا سياسيا منتظرا من المقابلة الرياضية إذ هناك أجواء مشحونة توحي بإمكانية التأثير على العلاقة الأخوية بين الشعبين التونسي والمصري كما حدث قبل سنوات بين الجزائر ومصر ومن واجب رئيس الحكومة أن يتدخل لتهدئة الأجزاء. الأكثر من هذا أن علاقة فئة من جمهور الترجي سيئة جدا هذه الأيام مع أعوان الأمن وقد تزداد سوءا وخطورة إذا لم يتدخل رئيس الحكومة للحيلولة دون وقوع الكارثة. ترويض الرياضي؟ هناك أسباب عديدة تبرر تدخل رئيس الحكومة في حدث رياضي لكن لا يمكننا الجزم بأن الواقعة خالية من أي استثمار رياضي وإليكم الدليل: هناك إطار معقول للقاء الأخير وهو نهائي رابطة الأبطال الأفريقية، لكنه ليس اللقاء الأول وقد لن يكون الأخير، فيوم 2 فيفري الماضي كان للشاهد اجتماع بالمدب في القصبة، وبما أن الترجي لم يكن إذاك يستعد للنهائي ولم تكن هناك مشاكل أمنية ولا تحكيمية...، فقد تناول اللقاء إذاك مشاريع حمدي المدّب الاستثماريّة، هذا التناول تم بحضور رياض بالنور بصفته رئيس فرع كرة القدم في الترجي وليس بصفته مسؤولا في مشاريع المدب الاستثمارية. الأكثر من هذا أن المدب كانت له مقابلة سابقة في قصر قرطاج مع رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي ما يوحي بأن هناك نوعا من الاستقطاب أو ترويض الرياضي خدمة للسياسي. الإطار الرياضي للقاء الأخير (النهائي) ليس منفصلا عن إطار آخر سياسي وهو الجدل الدائر حاليا حول الحكومة والاستعداد المبكر للانتخابات القادمة، ومن شأن الترجي التونسي أن يكون معادلة صعبة بالنظر إلى شعبيته. كلاسيكو سياسي؟ الأمر شبيه إلى حد ما بالشعبية التي نالها أمين عام نداء تونس حاليا سليم الرياحي اعتمادا على شعبية النادي الإفريقي، وبلجوء حزب النداء إلى استقطاب رئيس النجم الساحلي رضا شرف الدين والوجه الرياضي المعروف محمد السلامي أيام رئاسته النادي الصفاقسي. الأكثر من هذا أن هناك من يقول إن التنافس قبل أيام على رئاسة الشبيبة القيروانية كان في الواقع تنافسا سياسيا بين حركة النهضة ونداء تونس من خلال مرشحيهما للرئاسة. لولا النجم لبقي شرف الدين بعيدا عن الشهرة ولما استفاد منه حزب النداء، ولولا شعب الإفريقي لظل سليم الرياحي نكرة، ولولا ما بناه من نجاح وشعبية لما تم دمج حزبه (الاتحاد الوطني الحر في حزب النداء) هذا ما يقر به بعض الملاحظين الذين يتوقعون أن يجلب الرياحي معه حزبا من جمهور الإفريقي فهل نشهد "دربي" سياسيا ساخنا بين الترجي والإفريقي و"كلاسيكو" سياسيا مشوقا بين الترجي والنجم؟.. الإمكانية واردة إلا إذا نجح مسؤولو الرياضة في تخليص نواديهم من براثن السياسة. بين الرياضة والسياسة لا يمكن مطلقا فصل الرياضة عن السياسة لأن الرياضي الناجح يمكن أن يكون أفضل لبلاده من عشرات السفراء السياسيين (على حد اعتراف الرئيس الراحل بورقيبة). هو دور نبيل جعل السياسيين يشجعون القطاع الرياضي ولو على حساب قطاعات أخرى مهمة كالثقافة والفن والتعليم لكن العلاقة بين السياسة والرياضة لم تكن دوما مبنية على النبل والمصلحة الوطنية، بل كانت في كثير من الأحيان سببا في الابتعاد عن التنافس النزيه في المجالين الرياضي والسياسي معا. وعموما فإن الرياضي يمكن أن يستفيد من السياسي والعكس بالعكس كما إن هناك من يبني مجده السياسي على أركان النشاط الرياضي، مثل برنار تابي الذي تسلق السلم السياسي في فرنسا اعتمادا على رئاسته نادي أولمبيك مارسيليا وسيلفيو برلسكوني الذي بنى مجده السياسي في إيطاليا على ترؤسه نادي ميلانو. وهناك من المشاهير من بنى شعبيته في الرياضة قبل أن يستثمرها في السياسة مثل نجم كرة القدم سابقا ورئيس ليبيريا حاليا جورج وياه، ونجم الكريكيت سابقا ورئيس حكومة باكستان حاليا عمران خان.