اعتبر الدكتور محمد الجويلي أن التشدد الديني الذي انتشر في أوساط الشباب يعود أساسا الى فشل الدولة في الإجابة عن مشاكل الشباب وطلباتهم. تونس «الشروق»: أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية الدكتور محمد الجويلي من الجيل الجديد لعلماء الاجتماع في تونس، من أكثر المتخصصين في قضايا الشباب... في هذا الحوار يتحدث عن التشدد الديني والحرقة وتراجع العلوم الإنسانية اهتممت في دراساتك وأعمالك الميدانية بالشباب كيف تفسر انتشار ظاهرة التشدد الديني في الوسط الشبابي؟ التشدد الديني هو إحدى أهم المعروضات في سوق التدين. يتميز هذا المنتوج بطاقة احتجاجية عالية وبقدرة على الفعل وعلى تغيير النمط المجتمعي. هو إذا مغر من هده الناحية مقارنة بالمنتوجات الدينية الأخرى ومنها التدين الوسطي والتدين الذي تشرف عليه الدولة وكذلك التدين الصوفي. ثوريته إن شئنا هي التي تعطيه هذا الحضور الكثيف في السنوات الأخيرة. يتزامن بروز التشدد الديني في أوساط الشباب مع ظهور البراديقم الثقافي الذي يشتغل بمقولات الهوية والإعتراف والتفوق الحضاري والإهانة الحضارية. هناك مقاربتان أساسيتان في تناول التشدد الديني، الأولى ويمثلها « جيل كيبيل» وهي التي تعتبر أن التشدد الديني مرتبط بنزوع التدين نحو بعد سلفي يمكن أن يتحول إلى تطرف عنيف. التشدد في هذه الحالة هو من داخل المنظومة الدينية عندما لا تجد المنظومة الدينية الوسطية مثلا الإجابات الكافية على حيرة الشباب وهي ليست فقط حيرة مرتبطة بالظروف الاقتصادية والاجتماعية فقط بل مرتبطة أيضا بالحيرة الهوياتية. المقاربة الثانية وهي ما يسميه « أوليفيي روا « بأسلمة الراديكالية وهي عبارة عن تشدد ديني يأتي من خارج المنظومة الدينية أي من الظروف الاحتماعية ومن الإقصاء والتهميش وهي عناصر تنتج تشددا وراديكالية فيأتي الإسلام ليعطيها الطاقة الضرورية ويعطيها الشرعية التي تحتاجها على اعتبار أن الإسلام هو الطاقة الإحتجاجية الوحيدة التي تشتغل بقوة في السنوات الأخيرة. كلا المقاربتين مهمّتان إذ نجد من هو متشدد دينيا من داخل المنظومة الدينية وهي منظومة سلفية بالأساس ونجد التشدد الديني عند الشباب الذي لا سوابق دينية له بل الأكثر من ذلك لا يفقه شيئا في المسائل الدينية وفي الأغلب هم من مجرمي الحق العام وذوي سوابق في السرقة والإنحراف وعالم المخدرات… يبقى نزوع الشباب نحو التشدد الديني في جزء منه ذا علاقة بفشل الدولة في تقديم الإجابات الكافية على حيرة هؤلاء الشباب وفقدان مؤسسات التنشئة الاجتماعية لقدرتها على إعطاء المعنى لشباب يبحث عنه في كل الإتجاهات. تنامي أشكال العنف وبشاعة الجرائم التي تحدث في تونس ذبح واغتصاب... تنكيل بالضحايا ...كيف تفهمه كعالم اجتماع؟ هناك ما يسمى بالتطبيع مع الألم أو التطبيع مع فعل الشر إن صحت العبارة وهذا يعني أن الجريمة لا تحصل على المعنى الذي يريد القائم بها إعطاءها إياها إلا عندما تكون بالغة العنف والتشفي والمشهدية. وهذا يدخل ضمن التحولات التي يشهدها الفرد والفردانية الحاملة لوحدها وزر متطلبات العيش الجديدة وهي متطلبات مرتبطة بالرأسمالية المتوحشة المرتكزة على الإستهلاك المتوحش بحيث لا معنى لهوية الفرد خارج قدرته على الإستهلاك. عندما لا يجد الفرد إجابة ولا يجد قدرة على تلبية متطلبات هذا الشرط الصعب يصبح أكثر توحشا وأكثر نقمة على مجتمعه وعلى ذاته. ونضيف إلى ذلك كله عدم قدرة الدولة على ضمان المطلوب من الأمن ومن الردع. ظاهرة الحرقة هل يمكن تفسيرها بالبطالة وانسداد الأفق فقط؟ ظاهرة الحرقة مرتبطة فعلا بالظروف الاقتصادية والاجتماعية أساسا وبانسداد واضح في الأفق ولكن السؤال المطروح هو ما الذي يجعل شابا يقدم على الحرقة بكل المخاطر التي تنطوي عليها العملية ؟ نعتقد أن الدافع إلى ذلك هو أن ثقافة المخاطر أصبحت جزءا مهما من الثقافة اليومية للشباب. ركوب المخاطر هو إحدى العناصر التي تعطي للشاب هوية وتعطيه الثقة بالنفس التي يفتقدها يوميا. ثم لا يغيب عنا أن المشكلات الاجتماعية بمختلف أصنافها أصبحت الآن تعاش كإخفاقات شخصية وليست كمشكلات جماعية. نتجه الآن نحو فردنة المشكلات الجماعية. ومن نتائج هذا التحول هو أن الخلاص يكون فرديا وعلى الفرد أن يضمن ما أمكن من شروط النجاح بما في ذلك الذهاب إلى الأقصى في تعامله مع مشكلاته المتعددة. « فرويد» يتحدث عن نرجسية الفوارق الصغرى وهذا يعني تلك المقارنات البسيطة واليومية التي تحدث بين الأفراد في شتى مجالات الحياة ويتم إنتاجها بشكل متواتر ويقيس عليها الفرد مكانته بين أترابه وأصدقائه ومحيطه. إنتقلنا من الفوارق الطبقية والفئوية الكبرى إلى الفوارق اليومية والبسيطة والتي تحدث ألما نفسيا لدلى الأفراد حين تصبح فوارق موجعة تمس من نرجسية الأفراد وهي في هذه الحالة وضعية متعبة جدا. عدد من المختصين في البرمجيات الحديثة يعتبرون ان تونس مؤهلة لتكون عاصمة للاقتصاد الرقمي في العالم لماذا لم تتقدم تونس رغم مناخ الديمقراطية والحريّة ؟ قد يعود ذلك إلى مسألة ترتيب الأولويات في تونس. ولكي نكون عاصمة للإقتصاد الرقمي فهذا مرتبط بتحسين المناخ السياسي ووضوح البوصلة في ما يخص الإستراتيجيات الاقتصادية. هل الرقمنة هي من أولوياتنا أم لا ؟ السياسيون لا يجيبون بوضوح على المسألة أو ربما ليست في تفكيرهم الآن، إنهم منشغلون بأشياء أخرى، الرقمنة تتقدم بتقدم الديموقراطية لأنها ليست فقط مسألة تقنية إنها أيضا حالة ذهنية تتطلب الشفافية في نشر المعطيات والقبول بنشرها وتتطلب أيضا النفاذ السهل والسريع لهذه المعطيات إضافة إلى تكريس ثقافة الحوكمة الرشيدة والديموقراطية التشاركية وأعتقد أننا مازلنا بعيدين نوعا ما عن هذه الذهنية. تراجع الاهتمام بالعلوم الإنسانية وضعف التكوين في مجال اللغات هل يمكن اعتباره سبب « الفقر الثقافي « الذي تعاني منه أجيال الفايس بوك واليوتيوب؟ من الواضح أن العلوم الإنسانية والاجتماعية شهدت تراجعا كبيرا في السنوات الأخيرة. لم يكن حالها مثلا في ستينيات القرن الماضي عندما تمّ تأسيس مركز البحوث والدراسات الاقتصادية والاجتماعية والذي رافق الدولة في اختياراتها الاستراتيجية. تشكو أقسام علم الاجتماع الآن وعلى سبيل المثال ولا الحصر كل الشروط الضرورية لتكوين طالب قادر على البحث والتقصي. لا توجد تجارب بحثية ميدانية ولا تربصات مهنية ذات قيمة لفائدة طلبة علم الاجتماع بحيث تنحصر علاقة الطالب بالاختصاص في علاقة براغماتية مرتبطة بالإمتحان والديبلوم. نفس الشيء ينطبق على طلبة اللغات الذين يستطيعون كتابة اللغة التي يدرسونها بحكم الإمتحان ولكنهم غير قادرين في أغلبهم على التكلم بها. بائع المنتوجات التقليدية يتكلم الأنقليزية مثلا مع السياح ولكنه في الأغلب غير قادر على كتابتها وطالب الأنقليزية قادر على الكتابة بها وغير قادر على التكلم بها وهنا تقع المفارقة الكبرى. الدكتور محمد الجويلي في سطور من مواليد مدينة بن قردان حاصل على الدكتورا في علم الاجتماع، أستاذ علم الاجتماع في المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس أدار المركز الوطني للشباب من 2011 الى 2016 نشر عددا من الدراسات والكتب من بينها، « مجتمعات للذاكرة مجتمعات للنسيان « وكتاب عن قرية المنشية من ولاية قبلي دراسة اجتماعية