بقلم: الدكتور منذر عافي باحث جامعي تهدف وزارة التربية من خلال حرصها على استكشاف التلاميذ المعرضين لخطر الرسوب الى تبيّن مدى جدية المشكلة في حيز زمني معين سريع والى تقديم الدعم لمن هم في أمسّ الحاجة إليه، دون استثناء، بمن فيهم أولئك الذين لم تتفطن المدرسة لمشاكلهم منذ بداية مشوارهم الدراسي. وفي هذا السياق قامت وزارة التربية بالتعاون مع منظمة اليونيسيف باعتماد مقاربة مرجعية توثق احصائيا ومعلوماتيا مجموع أطفال المدارس المعرّضين لخطر الرسوب وتوزّعهم الجغرافي واوضاعهم الاسرية والاجتماعية والدراسية، دون انتهاك معطياتهم الشخصية او السماح بكشف هوياتهم. وفي السياق نفسه بينت التقارير الصادرة عن عديد المنظمات الدولية على غرار اليونيسيف واليونسكو، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الحاجة إلى مساعدة الأطفال الذين يمرون بصعوبات مدرسية في إطار مفهوم " ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة". وقد أظهر استطلاع حديث أجرته منظمة التربية الخاصة في الاتحاد الأوروبي أن 16 إلى 24٪ من التلاميذ في أوروبا لديهم احتياجات تعليمية لأنهم يعانون من صعوبات في التعلم. وقد تم تأليف جهاز مفاهيمي في شكل دليل اجراءات يستهدف التلاميذ المعرضين للخطر عادةً لتوثيق مدى خطورة المشكلة (في مدرسة معينة أو منطقة جغرافية محددة اوفي مجموعة سكنية ...،). ويرتكز هذا الدليل على تطوير أداة واحدة أو أكثر من الأدوات التي ستدعم جهود الوقاية المستهدفة – أي الجهود المبذولة من أجل توفير المرافقة المدرسية للتلاميذ الأكثر عرضة لخطر التسرب والانقطاع المبكر – لا يتعلق الأمر في هذه الحالة بتقديم وصفات جاهزة وحلول معلّبة، انه برنامج عمل متكامل ومصاغ صياغة متينة من شأنه تمكين الأطراف الفاعلة محليا وجهويا ومركزيا من ملاءمته على أفضل وجه، مع الوضعيات والمواضيع ذات الخصوصية الثقافية والتربوية. إن استكشاف التلاميذ المعرضين لخطر التسرب والانقطاع المدرسي ليس عملية هيّنة ولا يمكن الاستخفاف به او تجاهله. وتبعا لذلك ينبغي أن يكون هذا الاستكشاف، مصحوبًا بالكفاءة الإدارية والتربوية والبيداغوجية والصّحية والقدرة الفائقة على الاستجابة للاحتياجات الخصوصية لكل حالة على حده. السكان المستهدفون: متى نبدأ بتحديد أطفال المدارس المعرضين لخطر التسرب من المدرسة. من هم المستهدفون بجهود الوقاية: التلاميذ المدارس في المدارس الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية؟ إن الجواب عن هذه الاسئلة له تداعيات حتمية على طبيعة المؤشرات التي يجب الحصول عليها وعلى طريقة الحصول على المعلومات. وتتزايد أهمية الاقتراب من التلاميذ المعرضين لخطر التسرب واستكشافهم كلما كان سلوكهم العام وحالتهم النفسية أكثر ارتباكا وهشاشة. على سبيل المثال، إذا كان بعض التلاميذ يعانون من اضطرابات سلوكية ولوحظت عليهم انحرافات او ميول غير اعتيادية مثل الافراط في التدخين او الاقبال على المسكرات والمخدرات، فستكون عملية تحديد هوياتهم أكثر فعالية في المدرسة الاعدادية أو المعهد الثانوي. وغالبًا ما يرتكز ترك المدرسة في وقت مبكر على أسباب تختلف اختلافًا كبيرًا عن تلك التي لوحظت في المدارس الابتدائية (التقارير التونسية 2011، 2012، 2015، 2012، 2013). وبما أن فشل التلميذ ورسوبه المتكرر يبدو في الغالب عاملاً مؤثرا في ترك المدرسة في سن مبكرة، فإن الرصد المبكر للتلاميذ المعرضين لخطر الفشل في المدارس الابتدائية قد يكون طريقًا أكثر فاعلية للحد من انقطاعهم عن الدراسة وتسربهم في مراحل متقدمة من اعمارهم تشير بيانات (اليونيسيف، 2015)، الى أن معدلات التسرب من المدارس الابتدائية في تونس تبدو منخفضة نسبيا (3.1٪، 2012). وتحتلّ العوامل الاجتماعية والاقتصادية والاجتماعية الجغرافية أهمية مركزية في تحديد هويات التلاميذ وصياغة تدابير التدخل. حيث أن المحددات الرئيسية لترك المدرسة الابتدائية هي اسرية واجتماعية بالأساس وليس للمدرسة أثر يذكر أو لا تأثير لها فيها. وبالتالي فإن تطوير مثل هذا التمشي يطرح مسألة تحديد المتسربين المحتملين وهي خطوة حاسمة في تنسيق جهود الوقاية المراد بلوغها. يهدف ضبط قائمة المتسربين المحتملين إلى التعرف على أطفال المدارس الذين هم، لسبب ذاتي او عائلي، معرّضون لخطر مغادرة المدرسة في وقت مبكر. ومن الواجب أخلاقياً حماية التلاميذ من مغادرة المدرسة مبكرا نظراً للانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية السلبية المترتبة عن التسرب المدرسي. يمكن أن يكون التعريف جزءًا من استراتيجية وقائية راسخة ومخططة جيدا، تحدّد عدد المراهقين المقترحين للاستفادة من الدعم المدرسي أو النفسي الاجتماعي ونوع المساعدة التي سيتم تقديمها. قد يكون تحديد التلاميذ المعرضين لخطر التسرب من المدرسة وعدم مساعدتهم في وقت لاحق غير مبرّر أخلاقيا وتربويا وذلك حتى يتسنى تنفيذ استراتيجيات الوقاية و / أو التدخل. وبالتالي، يجب ألا تبدأ المدرسة أو السلطة التعليمية عملية تحديد الهوية إذا لم تكن قادرة على توفير موارد الدعم للتلاميذ الذين سيتم استهدافهم من خلال العملية هذا هو التمشي العام المتبع من قبل وزارة التربية في الوقت الراهن. بيد ان المشكلة الأكثر تكرارًا تكمن على الأرجح في "التصنيف السلبي" "أو الوصم" للتلاميذ ونعتهم بنعوت مهينة. وهذا يؤثر حتما في الصورة التي يرسمها التلميذ لنفسه، وفي نظرة التلاميذ الآخرين اليه، ولهذا السبب، يوصى بشدة، في سياقات تدخل المدرسة، باستبدال مصطلحات "التلاميذ المعرضين للخطر" و "المتسربين المحتملين" بأسماء أكثر حيادية أو حتى إيجابية (مثل التلاميذ "المثابرين" او التلاميذ المتداركين، يمكن أيضًا اتخاذ إجراءات أخرى للحد من مخاطر الوصم او التوصيف السلبي، مثل زيادة وعي المربين والمتفقدين والقيمين بالمشكلة، ودمج هؤلاء التلاميذ مع اقرانهم في الأنشطة المختلفة التي تمارس في إطار الحياة المدرسية، يبدو من المهم أن يكون المسؤولون التربويون على دراية بالقضايا الأخلاقية المتعلقة بتحديد التلاميذ المعرضين لخطر التسرب. ولكن أيضا تلك المتعلقة بأساليب استخدام البيانات التي يجب التعامل معها بطريقة سرية. لهذا، يعتبر ضبط الأدوار والمسؤوليات بشكل واضح وصياغة إرشادات واضحة لإدارة البيانات من اهم الخطوات العملية للتعاطي مع مثل هذه المواضيع الدقيقة. وعلاوة على ذلك، ينبغي تحديد إجراءات إدارية دقيقة لضمان الامتثال للمعايير الأخلاقية، وحماية البيانات الشخصية للتلاميذ والحصول على موافقة من أولياء أمورهم. إن الإحساس بالكفاءة، ومعرفة ما يجب القيام به مع / بعد تحديد الهوية (الخبرة للتدخل) سيكون محددًا تمامًا للتنفيذ الناجح للجهاز واستخدامه. وتعتبر خطة التطوير المهني و / أو نشر منهجية التدخل المستهدفة ضرورية. ان المقاربات الأكثر فاعلية هي تلك التي تخطط للعمل على الأفراد وعلى البيئة المدرسية وكذلك على التكامل الاجتماعي للتلاميذ، ومشاركتهم في أنشطة الحياة المدرسية. وبالفعل، فإن لهذا الدعم دورًا مسهلاً في تحقيق المهمة، ولكن أيضًا في بناء العلاقة بين الجهات الفاعلة المختلفة المسؤولة عن التنفيذ .